مانفريد كيتس دي فريس

 

التدريب الجيد يقتضي العمل لصالح الأفراد وليس ضدهم

 

يقول نيكولاس إيفانز في كتابه هامس الأحصنة "ذا هورس ويسبرير": المعرفة هي الجزء السهل، ولكن ممارستها هو الجزء الأصعب.

ارتبط مصطلح "هامس الأحصنة" بمدرب الخيول الإيرلندي الجنسية دانيال سوليفان، والذي حظي بشهرة واسعة بسبب قدرته على ترويض أصعب الخيول منذ 200 عاماً. ينسب المصطلح اليوم إلى أولئك الذين يمتلكون موهبة الفهم العميق لفلسفة التعامل مع الخيول، مما يمكنهم من "الهمس" وحث الخيول على التعاون.

يتشابه بعض المدربين والاستشاريين مع هامسي الأحصنة. ولكن عوضاً عن التعامل مع الخيول، "يهمسون" للرؤساء التنفيذيين. تكمن فعاليتهم بسبب قدرتهم على فهم دوافع الرؤساء التنفيذيين. وتفسير لغتهم اللفظية وغير اللفظية. فضلاً عن كونهم يدركون أن العديد من التنفيذيين، على الرغم من نجاحهم أو بسبب نجاحهم، قد اكتسبوا أنماط سلوكية مضطربة خلال مسيرتهم المهنية.

إنشاء تحالفات في العمل

لكي ينجحوا في مهامهم، يتوجب على مدربي الرؤساء التنفيذيين أولاً إنشاء تحالفات معهم في العمل، مع الأخذ بعن الاعتبار أن تكون تلك العلاقة ضمن سياق معين وليست هباءً. وبالنظر إلى صفات كلا الطرفين من المتوقع حدوث نوع من الحساسية بينهما على طول الخط.

تعتبر مهارة الإصغاء من الخصائص المطلوبة لنجاح التحالفات في العمل. فالإصغاء بحذر يساعدهم على فك رموز الرؤساء التنفيذيين والإشارات الملحوظة سواء أفصحوا عنها أو كانت ضمنية.

غالباً ما يكون اللقاء الأول هو الأصعب، كونه المسؤول عن تحديد طبيعة العلاقة بين كلا الطرفين. فإذا لم يشعر العميل المحتمل (الرئيس التنفيذي) بالانتماء، فإن احتمال إنشاء تحالف يكون ضئيل جداً.

علاوة على ذلك، يصعب إنشاء تحالفات في العمل لا سيما في حال كانت شخصية الرئيس التنفيذي تميل إلى الحذر أو اتسامه بالهدوء بشكل مبالغ، أو في حال عدم امتلاكه لأدنى فكرة عن المزايا التي سيحصل عليها في المقابل. كما يجب أن يكون لدى الرئيس التنفيذي رغبة للمشاركة في جهود التغيير.

رسم رؤية للمستقبل

خلال المقابلة الأولية، أطرح في الغالب مجموعة من الأسئلة في محاولة لمعرفة ما يجول بخاطر التنفيذي ورغباته: ما الذي جعلك تقبل مقابلتي؟ ما الذي تراه خاطئاً في حياتك المهنية والشخصية؟ ما هي القضايا التي ترغب بالعمل عليها؟ ما الذي ترغب أن تتميز به؟

أطلب منهم أن يتخيلوا أنفسهم ينظرون إلى كرة كريستالية: ما الذي ترغب برؤيته في المستقبل، خاصة كحصيلة لتعاوننا سوياً؟ فتخيل المستقبل الذي نتمناه من شأنه خلق عقلية تركز على تطورنا.

ولفهم دوافعهم الداخلية بشكل أفضل، أطلب منهم تزويدي بمعلومات عن حياتهم الشخصية. على سبيل المثال، تحصيلهم العلمي، علاقاتهم، أو مسيرتهم المهنية. رغم ذلك أحاول الابتعاد عن المواضيع التي قد تكون أكثر حساسية، مثل مرحلة الطفولة. ينبغي أن يكون العملاء قادرين على تحديد متى تكون المواضيع جزءً من التدريب.

اختيار الوقت المناسب

لكسب اهتمام العملاء من الضروري إظهار قدر من الاهتمام بمشاكلهم على طول الخط. فالعميل بحاجة لأن يشعر بالأمان، والقبول والاحترام. يتطلب التدريب سلوكاً منفتحاً وإبداء التعاطف والاهتمام. قد يكون لدى العميل معتقدات وقيم مختلفة، لكن تكمن مهمة المدرب في مساعدتهم على تحقيق أهدافهم مهما كانت. فآخر ما يريده العميل هو الاستماع لمحاضرة أو أن يشعر أن شخصاً آخر يتحكم به.

من الحكمة التصرف بحذر في البداية وتفادي أي نزاعات. انظر إلى تحالفات العمل على أنها شكل من رياضة الجودو. فلاعب الجودو يتحرك بالتوازي مع المقاومة ولا يلجأ إلى القتال. ومن الضروري أن يكون المدرب على دراية بما يتوجب أو لا يتوجب عليه فعله، والتصرف وفقاً لذلك. من خلال خبرتي، لن تحرز تقدماً في حال ضغطت على العميل للتعامل مع مسألة ليس جاهزاً للتعامل معها. فمن الضروري في عالم التدريب، أن تضرب عندما يكون الحديد بارداً.

بالإضافة لذلك، يجب على المدربين الامتناع عن تقديم ضمانات مزيفة. وكما ذكرت سابقاً، لا يوجد علاجات خارقة في مثل هذه المهن. فقد يتطلع العملاء إلى تحسين نمط حياتهم من خلال التدريب، ولكن من المهم عدم إعطاء وعود زائفة أو غير واقعية.

التماس نقاط الضعف

يتوجب على المدرب المتمرس أيضاً الخوص في الجوانب الشائكة للرئيس التنفيذي. عقب تأسيس التحالفات في العمل، أحاول إثارة فضول العملاء من خلال تحديهم ولكن بحذر. ويمكن اللجوء إلى حس الفكاهة في حال استدعى الأمر ذلك لتسهيل لغة الحوار.

يجب أن يبقى أسلوب المدرب بتلك المرحلة متناغمًا مع العملاء، يثير اهتمامهم ويخلق إطاراً لعلاقتهم مستقبلاً. ويكون ذلك من خلال تشجيع العملاء على مشاركة تفاصيل تتعلق بشعورهم بالضغوطات أو الإحباط وحالة عدم الرضا، مما يساعد على تشكيل جوهر العلاقة.

إلى جانب مراعاة جميع تلك الأمور، يبقى من الضروري أيضاً مراعاة شعور العميل تجاه علاقة العمل. هل يشعر بالأمان، يوصل صوته، يؤخذ على محمل الجد ويتم الاهتمام به؟ هل ما زال يأمل أو يتوقع النجاح؟

فرصة للتأمل الذاتي

باختصار، تتجلى مهمة "الهامسين للرؤساء التنفيذيين" بمساعدة التنفيذيين على تخصيص وقتاً أكبر للتفكير العميق وعدم الانغماس بالتفاصيل. إلى جانب حثهم على مراجعة حياتهم في محاولة لتصحيح الأوضاع وتحقيق الأفضل.

يقول سقراط: الحياة دون تحديات لا تستحق أن نعيشها. يخوض العديد من الأشخاص غمار الحياة دون التفكير في وجهتهم أو دون هدف. هؤلاء الأشخاص يتحركون في الظلام. هنا يكمن دور "هامسي الرؤساء التنفيذيين" لمساعدتهم على تبديد الظلام ورؤية الأشياء على حقيقتها وليس كما يرغبون برؤيتها.

* مانفريد كيتس دي فريس، أستاذ متميز في تطوير مهارات القيادة والتغيير التنظيمي
https://knowledge-arabia.insead.edu

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

13