بقلم: أنات أميت يال

يتطلب إيجاد التوازن الصحيح بين الحياة الشخصية والمهنية تخطيط واعي وتفكير مسهب وتواصل أفضل

يدير إيريك، وهو رجل متزوج في الأربعينات ولديه ثلاثة أطفال، شركة ناشئة ناجحة. وبسبب متطلبات عمله قرر مع وزوجته أن تبقى هي في المنزل كي تعتني بالأطفال. اعتقد إيريك أن الاهتمام الذي يوليه لعائلته كافياً، وأنه نجح بالموازنة بين حياته المهنية كرئيس تنفيذي وحياته الشخصية كرب عائلة.

خلال رحلة عائلية، كان إيريك يعمل كلما سنحت له الفرصة وكما اعتاد أن يفعل. خلال اجتماع على الهاتف، أسقط هاتفه ومن دون تردد قفز لالتقاطه معرضاً نفسه للخطر. عندما رأى ذلك ابنه البالغ من العمر 13 عاماً صاح في وجهه: "لا أعلم إذا ما كنت ستقفز خلفي كما فعلت الآن". عندها أدرك إيريك أن ابنه لا يعتقد بأنه يولي عائلته أولوية. لم يكن أيريك يدرك أن عائلته تشعر بأنه يهملها، وربما كان في حالة إنكار.

ليس إيريك أول تنفيذي رفيع المستوى يتعرض لمثل هذا المأزق. أظهرت دراسة أجريتها حول الموازنة بين العمل والحياة الشخصية لكبار التنفيذيين، أن العديد من الرؤساء التنفيذيين وقادة الأعمال يعطون العمل أولوية عن عائلاتهم. مع ذلك لم يكونوا على دراية بذلك كونهم اتخذوا قرارهم بعدم الاختيار.

الأفضلية للعمل

ادعى بعض التنفيذيين خلال مقابلات أجريتها معهم، أنهم يعطون عائلاتهم الأولوية، ولكنهم تراجعوا عندما اتخذ الحديث مجرى آخر، ليتوصلوا إلى أن عملهم بالغ الأهمية بالنسبة لهم. يقول أحد التنفيذيين العاملين في قطاع الشحن: "تستطيع أن تجدني في 90% من وقتي في العمل". وبحسب نائبة الرئيس في إحدى الشركات، فإنها تغادر المكتب الساعة 8:30 مساءً وبذلك لا ترى أطفالها لوقت كافي. اعترف آخرون أنهم يتصرفون في العمل بشكل مختلف عن البيت. أخبرني أحدهم: إذا كنت تتصرف في العمل كما في المنزل، فسوف تتعرض للطرد". وقال آخر أنه يشعر باحترامه لذاته بشكل أكبر في العمل: "نستقبل العديد من الضيوف في المنزل، كل منهم يحاول التحدث، وعندما أحاول التكلم لا يصغي أحد، أما في العمل يصمت الجميع عندما أتكلم".

يعطي التنفيذيين الأولوية للعمل، ولكن في العديد من الحالات لا يتم اتخاذ هذا الخيار عن وعي. فكيف يحدث ذلك؟

اتخاذ خيارات واعية حول إيجاد توازن بين الحياة المهنية والشخصية، يبدأ من خلال الاعتراف بوجود اختلاف بين هويتك كتنفيذي وكزوج أو والد. ولكن قد لا يكون ذلك بالأمر السهل. فإذا ما كنت ترى نفسك كوالد أو تنظري لنفسك على أنك أم متفانية، سيكون من الصعب الاعتراف بأنك تعطي الأولوية للعمل أو بأن عملك هو محور صورتك الذاتية. فإذا ما كنت تعتقد أنه يتوجب على التنفيذيين أن يكونوا واثقين حيال شخصيتهم، قد يكون من المحبط الاعتراف بوجود صراع داخلي. لتفادي هذا التباعد في الإدراك، بإمكانك اللجوء إلى الإنكار لتجنب الشعور بالذنب أو الغضب أو الخجل. في الحقيقة، أنت تحاول أنت تحبس صراعك الداخلي.

تولى زمام الأمور

لنواجه الأمر: لا يستطيع التنفيذيين ممن يشغلون مناصباً حساسة تحقيق التوازن بين حياتهم المهنية والعملية. ففي عالم مترابط من السهل أن تقوم بعملك ولكنك بقيامك بذلك تُبعد عنك عائلتك. قد يتحول الإنكار إلى ضبابية - إلى أن يصبح الوضع أصعب من أن تتحمله عائلتك. ولكن يمكنك استعادة زمام أمورك. المفتاح هنا أن تتأنى بخصوص ابتكار استراتيجية تحقق لك التوازن بين العمل وحياتك الشخصية، بالاستنادًا إلى خيارات واعية كما تفعل في العمل.

إليك كيفية فعل ذلك:

1. إيجاد مساحة للتفكير والمشاعر

ابدأ بتحديد أولوياتك في الحياة. أولاً، اسأل نفسك: "ما هو الشخص الذي أريد أن أكون عليه؟" تصور نفسك كشخص مثالي. فكر ملياً بأولوياتك بناءً على الشخص الذي ترغب بأن تكون عليه. ثم كن فضولي وأبدأ بمعاينة تصرفاتك. الفضول يولد الوعي، والوعي يرى الحقائق. كيف كان أسبوعك؟ كيف قضيت يومك؟ متى انخرطت في نشاط مع عائلتك؟ هل أنت حاضر بشكل كامل أم ذهنك مشغول؟ اسأل عائلتك عن رأيها وشعورها إزاء ما تفعله، وماذا يريدون منك.

ابحث عن أي تعارض واجهته وكيفية شعورك حيال ذلك. اسأل نفسك: "ما الذي يجري بداخلي؟". قد تشير مشاعرك إلى شيء مهم على المحك. كما ستساعدك على رؤية الوضع كما هو، وترشدك إلى خيارات أفضل. أنصحك بطلب دعم من مدرب أو صديق أو شخص تثق به خلال هذه العملية.

2. حدد خيارات واقعية وضع خطة عمل

ضع خطة عمل تتماشى مع أولوياتك، وكن صادقا وموضوعياً حيال ما يمكنك تغييره. يجب أن تكون الخطة لمدة شهرين، وأن تبدأ باثنين من التغييرات التي تستطيع التحكم بها: على سبيل المثال، اصطحاب الأطفال إلى منطقة الألعاب من الساعة الخامسة وحتى السابعة مساءً دون أن تجيب على أية اتصالات.

عند وضع الخطة يجب أن تأخذ بعين الاعتبار الأمور التي قد يخبئها لك الشهرين المقبلين في العمل. هل أنت بصدد فترة ذروة، ولديك الكثير من الأمور التي يتوجب عليك انهاؤها، أم أنك قادر على العمل باعتدال؟ هل لديك سفر؟ يجب أن يعكس جدول أعمالك التزاماتك.

اختر وقتًا محددًا كل أسبوع لتسجيل الأمور التي يتوجب عليك فعلها، وقم بمراجعة خطتك للأسبوع التالي. ذكر نفسك أنك تشارك بتلك الأعمال لأنك اخترت ذلك وليس لأنه يتوجب عليك فعل ذلك. كن واضحاً حيال سبب اختيارك لكل منها، وإذا ما كانت تتماشى مع أولوياتك. يجب أن تعلم أن كل أمر توافق عليه يعني أنك تلغي أمراً آخر. دع عائلتك ترى الخطة لتعرف رأيهم فيها.

3. اعمل، تواصل، واطلب رأي الآخرين

نفذ خطتك الجديدة، وخلال المراجعة الأسبوعية انظر ملياً إلى ما يناسبك وما قد لا يناسبك، وكيفية شعورك حيال ذلك. بناءً على رأي عائلتك حدد الأمور التي ترغب بالاحتفاظ بها والأخرى التي ترغب بتغييرها. فكلما فكرت وراجعت مشاعرك، ستتواصل مع نفسك والأمور التي تعنيك. وكلما تواصلت مع عائلتك بشكل أكبر، ستشعر أنك حاضر معهم أكثر.

لا تدفن رأسك في الرمل بعد الآن، فمن خلال تحديد أولوياتك ووضع خطة والتواصل، ستصبح علاقتك مع عائلتك صحية أكثر وستحصل على سلام داخلي.

* أنات أميت يال، مدرب في القيادة التنفيذية، وحاصلة على ماجستير تنفيذي في التغيير من كلية إنسياد
https://knowledge-arabia.insead.edu

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

12