في اغلب مجالس الصحفيين تسمع عبارات سلبية عن الصحافة العراقية، مثل: الصحافة تعاني من الدخلاء، والصحافة باتت مهنة من لا مهنة له، الصحافة يقودها المتملقون والفاسدون، والصحافة غير محترمة.

قد لا يروق للعاملين في الصحافة كتابة أحاديثهم الخاصة ونشرها في المواقع الالكترونية، لكن استفحال ظاهرة تصنيف الصحفيين الى عدة فئات، وتقسيمهم الى معسكرات متضادة يعطي مؤشرين:

الاول: مؤشر يعطي تصورا عن حجم الازمة التي تعيشها الصحافة العراقية، والمعوقات التي تعترض سبيل تقدمها.

الثاني: وجود حراك ذو نفس اصلاحي هدفه تحسين الاداء والنهوض بواقع الصحفيين.

اذا اخذنا المؤشر الأول، وهو ازمة الصحافة العراقية، فهي كبيرة وذات ابعادة متعددة، وسوف نسلط الضوء على الجانب المعياري في ولوج الصحفيين في ميدان العمل.

هل توجد معايير؟

لا اعتقد بوجود معايير واكاد اجزم بغيابها، وحتى تدخل ميدان الصحافة لست بحاجة الى مؤهلات الصحافة الاحترافية، انت تحتاج الى مؤهلات أخرى تقترب من مؤهلات نجوم مواقع التواصل الاجتماعي تارة، ومؤهلات المهرجين تارة أخرى، وفي اغلب الأحيان تحتاج الى مؤهلات معقب المعاملات في المؤسسات الحكومية.

ولمن لا يعرف المعقب فهو الشخص العارف بكل تفاصيل بروقراطية مؤسسات الدولة، وخاصة السياقات القانونية منها، لذلك تجده قريبا من المحاكم ويتخذ دور المحامي في الكثير من الأحيان، ويجيد فن الحصول على مراده أكثر من أي شخص اخر، سواء بالحق او بالباطل، لكن ورغم براعة المعقبين لم تفكر نقابة المحامين يوما بان تمنحم ولو ربع فرصة ليكون المعقب ضمن كادرها تحت يافطة "يفهم أفضل من أصحاب الشهادات الجامعية".

في الاعلام وجدت وظيفة أخرى شبيه بالمعقب، انه الشخص الذي يمتلك مهارة السير في منعطفات البلاد ودهاليز السياسة، وفي اغلب الأحيان يملك قريبا في حزب لديه قناة فضائية وهذا الحزب يحتاج الى من يتحدث باسمه، يصعد "المعقب" الإعلامي، ويلقي نشرة الاخبار او يتحدث في البرنامج التلفزيوني، يستضيف رئيس الحزب المالك للقناة الفضائية، وبعض القيادات الوسطى، يتناقل الناس مقاطع برامجه في مواقع التواصل الاجتماعي، في هذه المرحلة يتحول "المعقب" الى صحفي.

وعلى عكس "معقب المعاملات" تقوم نقابة الصحفيين المسؤولة عن تنظيم ميدان الصحافة باهداء "المعقب الإعلامي" هوية انتماء لها في ظرف قصير، فهو قريب من رئيس الحزب المتنفذ، وهذا الحزب لديه حصة في بعض الهيئات والوزارات، ويمكن ان يؤثر على نقابة الصحفيين وقيادتها الإدارية العليا، وبالتالي فان إعطاء الهوية "للمعقبين" لا تعد مشكلة حتى وان كان هذا "الصحفي الوافد" لا يعرف من الاعلام سوى استضافة شخصيات تتشاتم ضد بعضها في البرامج التلفزيونية.

للمعقب الإعلامي عدة صفات أبرزها:

1- حصوله على مكانة مرموقة في المؤسسات الإعلامية العراقية رغم انه لا يعرف الفرق بين الحصول على تحليل من خبير او أستاذ في اختصاص ما او الحصول على معلومة من مسؤول حكومي، لذلك تجده يتصارع مع ضيفه الخبير رغم ان قواعد الاعلام تقول بان الغرض من استضافة الخبراء هي الحصول على توضيح اهل الاختصاص بشأن قضية معينة، اما المسؤول الحكومي فنحن نحتاج الى موقفه وموقف حزبه من القضية ومبرراتهم لهذا الموقف.

2- المعقب الإعلامي يرتقي بالسلم الوظيفي بسرعة هائلة، وتصبح لديه حاشية من المتابعين عبر مواقع التواصل الإعلامي، يكيلون له المديح، رغم انه غير قادر على اخذ المعلومات من مصادرها الفعلية، لذلك تجده يطرق أبواب المسؤولين الكبار ظنا منه ان الإعلامي المتميز هو من يجلب ضيوفا من الطراز الرفيع، من مدير عام وما بعده.

3- لا يعيش المعقب الإعلامي الا على الصراخ، وهو بحاجة الى معارك دائمة، ويتفاخر بانه قد اهان فلانا في برنامجه، او رد بقوة ضد المسؤول الفلاني، (بشرط ان يكون هذا المسؤول من الحزب المُناوِئ للحزب المالك لقناة المعقب).

4- يخلط المعقب الإعلامي بين العمل الصحفي، والنشاط السياسي، فتجده يخرج في تظاهرة تنظمها جمعيات معينة، وفي الوقت نفسه يقوم بتغطية التظاهرة، والواقع ان الصحفي يجب ان يكون شاهدا على الاحداث لا مشاركا فيها.

5- يستخدم المعقب الإعلامي انتماءه لميدان الصحافة لاغراضه الخاصة، يقاتل من اجل بطاقة تعريفية حكومية تنفعه لخرق حظر التجوال او دخول المناطق المحصنة، ليس من اجل أداء واجبه، انما للاستعراض امام اقاربه أصدقائه بانه شخصية مرموقة يستطيع الوصول الى مواقع السلطة.

6- وجود نقابة للصحفيين بدون قواعد ثابتة لقبول الصحفيين، فلا هي نقابة لخريجي الإعلام كما هو حال نقابة المحامين الخاصة بخريجي القانون، او نقابة المهندسين الخاصة بخريجي الهندسة، ولا هي نقابة للمبدعين تعتمد الاختبارات الصارمة لدخول المبدعين فيها وتنحصر بفئة صغيرة، انما هي نقابة فضفاضة ولا تهتم بالخروقات التي ترتكب من أعضائها.

من هذا الواقع ولد مصطلح "دخلاء الاعلام" وهذه الظاهرة سببها غياب المعايير، والمجاملات، فلا يوجد اختبار حقيقي عندما يراد توظيف شخص في احدى المؤسسات الإعلامية، ولا توجد متابعة للصحفي، ومدى دقة معلوماته التي ينشرها، ولا توجد قواعد للعمل، ولا سياسة إعلامية واضحة، لذلك يمكن لاي شخص ان يدخل الاعلام، واي اعلام وصلنا اليه اليوم، ففي معارك التحرير ضد داعش كانت القنوات العراقية تعمل عشرات التقارير ولا اثر لها الا بشكل بسيط، بينما تاتي صحيفة اجنبية بتقرير واحد لتقلب المعركة رأسا على عقب، لماذا؟ لأننا نملك "معقبين" اكثر من الصحفيين، ونملك من يجيد فن الضحك على المدير من اجل توظيفه اكثر من اجادته لمهنته.

في ظل سيطرة "المعقبين الإعلاميين" باتت مهنة الصحافة في العراق مثل العمل في التكسي، كل ما تحتاجه هو قرض من مصرف معين، وبطاقة قيادة تاخذها بالرشوة او بالواسطة، ومن ثم تصبح سائق تكسي وتزاحم أصحاب السيارات الصفراء، ولكي تكون إعلاميا بمرتبة "مُعَقِبْ" تحتاج الى مقرب في حزب معين، يعطيك مايكروفون القناة وتتجول به في الشارع او تأخذ ساعة برامجية، وتطلب منه ان يتصل بنقابة الصحفيين للحصول على هوية بعد اختبار شكلي. انت الان أصبحت "معقباً اعلامياً".

ما الحل؟

الحل موجود في المؤشر الثاني الذي ذكرناه في بداية المقال، هناك جيل من الصحفيين يريد اصلاح الوضع القائم، يوضحون المشكلة بتفاصيلها، فهم يعرفون مواطن الخلل.

لكن المشكلة في التطبيق، تيار تخريب الصحافة اكبر من تيار الإصلاح، والمنظومة الحاكمة بمختلف الفاعلين السياسيين وغيرهم لا تريد نهوض الصحافة لانها تمثل ضررا على مصالحها.

وجود صحافة حرة يعني مجتمع متنور، ويعني أيضا محاسبة للزعماء والسياسيين، ومع المحاسبة تسقط الكثير من الزعامات، فهل تقبل هذه الزعامات بصحافة حرة.

وقد تقول صديقي القارئ انني اطلق ادعاءات بدون دليل، لكن هل شاهدتهم قادة البلاد يدافعون عن صحافة حرة، وعن قانون جديد يضمن حرية التعبير والنشر، بالعكس هم يعتبرون النشر جريمة لذلك يريدون تشريع قانون جرائم المعلوماتية.

نعود لنقطة البداية في المقال، الصحافة ملئية بالدخلاء بسبب تعقيدات المشهد العراقي، وهذا مسجل لدى شريحة واسعة من الصحفيين المحترمين، لكن تطبيق دعواتهم لاصلاح الصحافة بحاجة الى مساندة من الفاعلين الرئيسيين في البلاد، الذين لا تروق لهم فكرة الصحافة الحرة.

اضف تعليق