أتذكر عندما اتجول في مكتبات بغداد الكبيرة، ايام اجازاتي الدورية حين كنت عسكريا في الثمانينيات، اشعر برهبة، ليست كرهبة الحرب بالتأكيد! امام هالة الكتب المرصوفة بعناية، وحين يأخذني الفضول لتقليب بعضها أجد رصانة المطبوع واناقته، ناهيك عن محتواه بشكل عام، اذ كان الكتاب لا يصدر قبل المرور بدورة حتمية كاملة، تبدا من الخبير، وهذا يشمل الكتب كلها، سواء الصادرة عن مؤسسات رسمية او اهلية، ولا نقصد هنا الخبير الفكري بل الفني، وتنتهي بالمصمم فالمطبعة، مرورا بالتصحيح والتدقيق ...الخ.

لأن رصانة المطبوع امر ضروري لا تتجاوزه أية دار نشر تحترم نفسها وقتذاك، قبل ان تأتي عاصفة الحصار التي شوهت الكثير مما هو جميل ورصين في حياتنا بما في ذلك الكتاب، عندما ظهرت (كتب الاستنساخ) بعيدا عن شروط النشر المطلوبة.

لكن ما حصل بعد العام 2003 جاء بخراب غير مسبوق، سببه الاول سهولة نشر الكتاب، لاسيما في الأدب نتيجة لغياب الرقيب الفني، وبالتأكيد لانقصد هنا ما ينشره المبدعون الذين اكدوا حضورهم في الساحة، لانهم ضحايا هذه الفوضى.

اعرف اشخاصا اصدروا كتبا عديدة في الشعر والسرد والنقد والتنظير الادبي، لكنها لم تترك اثرا في المشهد او يستشهد بها او تحضر في النقاشات العادية، والسؤال هو؛ لمن يكتب هؤلاء وامثالهم؟.. لسنا ضد مقولة (دع الف زهرة تتفتح) او (السماء تتسع لآلاف النجوم) وغيرها، لأن المقصود من هكذا اقوال هي الزهور والنجوم، الحقيقية وليست الخلّب!

نعيش منذ مدة اجواء سياسية لا تخلو أدبياتها الإعلامية من طرافة، منها عبارة راجت مؤخرا بشكل كبير.. (استعادة هيبة الدولة)، وقد جاءت هذه المطالبة على خلفية السلاح المنفلت والفساد السياسي والاداري الذي صادر هيبة الدولة.

ولعلنا في مطالبتنا استعادة هيبة الكتاب، كونه عنوان الثقافة الابرز ووعاء الفكر والجمال، نرى انه صار يعاني كثيرا ويستنجد بالخيرين.. ترى هل هناك من يسمع وإن سمع فما الذي يفعله؟ .. اعتقد اننا بأزاء اشكالية كبيرة تعيشها الدولة، والاشكالية مجموعة مشاكل مترابطة يستحيل حل واحدة منها من دون حل الإشكالية بأكملها.. وعلينا ان نكون جزءا من الحل الشامل لنحظى بالحل الجزئي، الثقافة، لنستعيد هيبة الكتاب كتحصيل حاصل لاستعادة هيبة مؤسسات الدولة، لكن هذا لا يمنعنا الان من اطلاق صرخة كهذه، لعل صداها يصل لمن يعنيه الامر!

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق