ربع صفحة فقط هو معدل قراءة الفرد العربي سنويا بحسب تقرير المجلس الأعلى للثقافة في مصر، ونقل الصديق الصحفي عبد الرحمن عناد في صفحته على الفيس بوك عن تقرير حديث لمنظمة الثقافة والتربية والعلوم (اليونسكو) ان نصيب كل مليون عربي 30 ثلاثون كتابا، وان معدل اصداراتنا من الكتب 5000 آلاف كتاب سنويا، بينما تنشر الولايات المتحدة وحدها 290 الف كتاب سنويا.

لم أُصدم بهذه الأرقام، لأننا جميعا نلمس تغّول ظاهرة العزوف عن القراءة (العميقة) عاما بعد آخر، واذا كان الكتاب مصدر المعرفة الرصينة قياسا بوسائل الاتصال الأخرى الجديدة والتقليدية، فان وصف الظاهرة بالتراجع الثقافي لم تعد ملاءمة، ولا حتى الانحدار، بل يمكن القول ان انحطاطا ثقافيا بدأ يظهر على السطح، وتمظهر بمعارف هشة، وسلوكيات مشينة، وأذواق تافهة، وضمائر تكاد تكون ميتة، بما جعل للحياة ملامح الغابة لولا بعض المتوارث من القيم التي اهتزت بدورها، لكنها لم تصل بعد الى مرحلة الانهيار، ومع ذلك هي ذاهبة بهذا الاتجاه لا محالة، لضعف ادامتها بالتعليم والتثقيف.

ولي في ذلك تجربة مريرة مع زملاء عندما كنا في لجنة علمية لمقابلة متقدمين للدراسات العليا، وعددهم أربعون طالبا، وخطر في بالي أن أسالهم عن آخر كتاب قرأوه، وأظهرت النتيجة ان جميع الطلبة لم يقرأوا في حياتهم كتابا واحدا، باستثناء الكتب المنهجية التي درسوها في المراحل الدراسية المختلفة.

ان القراءة بوصفها آلية يُستعان بها لفك الرموز اللغوية المكتوبة، حافظت على عنفوانها الأول، بدلالة ان جميع الناس تقرأ ما ينشر على مواقع التواصل الاجتماعي، وربما تستغرق القراءة في هذه المواقع أضعاف ما كانت تستغرقه من وقت في عقود ما قبل ثورة الشبكات الالكترونية، ولكن السؤال : ماذا يقرأ المستخدمون لهذه المواقع، ولأي هدف؟.

قد يقول أحدهم: ان بعض المستخدمين للمواقع الالكترونية استعاضوا عن الكتاب الورقي بالكتاب الالكتروني، لكن هذه الاستعاضة لم تبلغ المطلوب، بل مازالت في بدايتها، وان الجمهور لم يعتد بعد القراءة العميقة الكترونيا، وان اتساع القراءة الالكترونية يقتصر في غالبيته على ما يطلق عليه بالإعلام الاجتماعي.

لا معنى للإجابة على السؤالين المذكورين ان لم نجب على السؤال الأكثر أهمية، وهو لماذا يقرأ الناس؟، ما دواعي بذل هذا الجهد العقلي المتعب الذي يحول دون القيام بأعمال اخرى نافعة، وأعني ان الانسان ينتظر من العمل الذي يقوم به جدوى مادية ومعنوية، لأنه يعيش في وسط اجتماعي تحقق له هذه الجدوى مكانة مرموقة ومستوى لائق من العيش، وبغياب هذه الجدوى يعد ذلك العمل مضيعة للوقت. وفي بلادنا فُقدت الجدوى بأشكالها المختلفة في اطار فوضى الدولة التي نعيشها.

لم تعد الثقافة والعلم معيارا للتمييز بين الناس، فالمثقفون يحتلون أدنى المراتب الاجتماعية، وحتى لو كانت هناك بقية لقيمة معنوية للمثقف، فهي غير فاعلة لعدم دعمها بقيمة مادية، كما ان الطرق لم تعد مغلقة أمام الذين لا يتوافرون على حصيلة ثقافية لتحقيق مكاسب لا يستحقونها، ويستطيع الأثرياء منهم شراء كل شيء، المناصب، والوجاهة، والشهادة ايضا، وبالثقافة يستحيل تحقيق ذلك.

للذي يريد للمجتمع أن يكون مثقفا ومتنورا، وذلك لن يحصل من دون التزود بما هو رصين علميا وثقافيا، عليه أن يجعل للقراءة النوعية جدوى، أن تكون الثقافة معيارا لا يمكن الاحتيال عليه او تجاوزه، نحتاج الى اجراءات صارمة في منح الشهادات العلمية وفي اعتلاء المناصب الادارية، بمعنى ألا تكون الطرق سالكة وسهلة للوصول اليهما، ومدخل ذلك يكمن في الاهتمام بالنوع وليس الكم، وان يقابل الحصول على الشهادة والمنصب بذل جهود علمية حقيقية، والناجحون فيها يفترض أن يتقدموا المجتمع ماديا، عند ذاك سنخلق نماذج يُحتذى بها، وبعكسه فنحن ذاهبون الى المجهول.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق