بدون مقدمات، أسرد اهم الجمل المفتاحية التي استخدمت في النقاش الحامي بعد الظهور التلفزيوني لرغد صدام ومن ثم أناقشه في ضوء أهم النظريات الإعلامية:

• لقاء تافه لا يستحق الرد.

• محاولة لإعادة إحياء البعث.

• المنظومة السياسية الحاكمة تستغل الظهور التلفزيوني لابنة صدام من أجل تبرير فشلها والتغطية عليه.

• منظومة ضعيفة تلك التي تخاف من امرأة ضعيفة لا حول لها ولا قوة.

• لا مبرر للمخاوف من الظهور التلفزيوني لرغد صدام فالدستور العراقي جرم حزب البعث، والقوانين منعت عودته مجدداً.

• لا فرق بين البعث والحكم الحالي، اختلف الأسلوب والإجرام واحد.

• فشل المنظومة السياسية الحالية لا يبرر الترويج لفكر البعث.

ماذا تقول نظريات الإعلام عن هذه الظاهرة؟

تجيبنا نظرية ترتيب الأولويات عن ظهور رغد صدام على قناة العربية، إذ تهتم نظرية ترتيب الأولويات بدراسة العلاقة المتبادلة بين وسائل الإعلام والجمهور الذي يتعرض لتلك الوسائل في تحديد أولويات القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

وتنطلق هذه النظرية من فرضية أن لوسائل الإعلام تأثيراً في تركيز انتباه الجمهور نحو الاهتمام بموضوعات وأحداث وقضايا معينة، كما تفترض أن وسائل الإعلام لا تستطيع أن تقدم جميع الموضوعات والقضايا التي تقع في المجتمع، وإنما يختار القائمون على هذه الوسائل بعض الموضوعات التي يتم التركيز عليها بشدة والتحكم في طبيعتها ومحتواها.

وفي المقابل تثير هذه الموضوعات اهتمامات الناس تدريجياً وتجعلهم يدركونها، ويفكرون فيها ويقلقون بشأنها، ومن ثم تمثل هذه الموضوعات أهمية لدى الجمهور أكبر نسبيا من الموضوعات الأخرى التي تطرحها وسائل الإعلام، فمدى اهتمام قناة تلفزيونية بقضايا معينة وإبرازها والتركيز فيها تتوقع القناة أن تكون تلك القضايا في مقدمة اهتمامات الجمهور نتيجة لمشاهدات القناة، وهكذا بالنسبة لباقي وسائل الإعلام، الصحف والمواقع الإلكترونية والإذاعات.

وما قامت به قناة العربية هو إعادة ترتيب أولويات الجمهور العراقي في منعطف سياسي تاريخي يتمثل بقرب الانتخابات البرلمانية سواء كانت مبكرة أو حتى الرسمية، وهذا قد يعيد الجمهور إلى عقلية ما بعد سقوط نظام حزب البعث، ويفتح النقاش على أبوابه الواسعة، سواء كان سلبياً أو إيجابياً، الأهم أن الموضوع الذي يراد له أن يتصدر المشهد يسير وفق ما رسم له.

وفي هذا الصدد كتب نورتن لونج مقالاً عام 1958 قال فيه: "إن الصحف (وسائل الإعلام) هي المحرك الأول في وضع جدول الأعمال الإقليمية ولها دور كبير في تحديد ما سوف يتحدث عنه معظم الناس وما يفكرون فيه على أنه حقائق بالإضافة إلى الطريقة التي يعتبرونها مناسبة للتعامل معها".

وهناك نص مباشر حول وضع الأولويات حينما اعتبر برنارد بيرلسون Bernarad Berelson 1948 في مقالته "الاتصالات والرأي العام" إذ اعتبر أن وسائل الإعلام تعد المسرح السياسي للمناظرات الجارية، ويرى أن هناك بعض الدلائل بأن المناقشة الخاصة حول المسائل السياسية تأخذ مؤشراتها من عرض وسائل الإعلام والاتصال لهذه المسائل إذ أن الناس يتحدثون في السياسة متمشين في ذلك مع الخطوط التي ترسمها وسائل الإعلام والاتصال.

لكن أفضل تصريح حول ترتيب الأولويات ظهر لدى برنارد كوهين Bernard Cohen في كتابه "الصحافة والسياسة الخارجية" عام 1963 الذي قال: "أن الصحافة يمكن ألا تكون ناجحة كثيراً في أن تقول للناس بماذا يفكرون، ولكنها ناجحة إلى حد كبير في أن تقول للقراء عن الأشياء التي يفكرون حولها".

ولنظرية ترتيب الأولويات علاقة ارتباط مع نظريات الاعلام الأخرى، فهي ترتبط بنظرية حارس البوابة التي تتعلق بالقائم بالاتصال التي توضح كيفية تحكم القائم بالاتصال بكم الأخبار والمعلومات التي سوف تصل إلى الجمهور، بالإضافة إلى كيفية تناول هذه الأخبار والموضوعات وهي عملية بمجملها تعني تحديد ما هو مهم وقليل الأهمية لدى المؤسسة الإعلامية والتي بدورها تريد من الجمهور أن يتبنى هذا الترتيب في الأهمية.

ومن جانب آخر للنظرية علاقة بنظرية الاستخدامات والإشاعات فهي تؤكد على أن تركيز وسائل الإعلام على قضية معينة يرفعها في سلم أولويات الجمهور وهذه ترتبط بالاستخدام الكثيف من خلال العلاقة بين العرض المكثف من قبل الوسيلة الإعلامية والاستخدام الكثيف من قبل الجمهور، وهو ما يوفر اشباعا لحاجات معينة لدى الجمهور.

وهنا استغرب من بعض العراقيين الذين استهانوا بالظهور التلفزيوني لرغد صدام، واعتبروها حملة إعلامية مضادة ومضخمة، وبالفعل هي حملة إعلامية مضادة، وهو ما يريده القائمون على البرنامج التلفزيوني، إنهم يريدون رفع الفكرة إلى مستوى النقاش، وجس نبض الشارع العراقي ومعرفة اتجاهاته.

ولا يمكن تفسير ما نقوله ضمن نظرية المؤامرة، إنما هذا ما تجيب عليه نظريات الإعلام المثبتة علميا.

وإذا ما ارتفعت القضية إلى مستوى النقاش تأتي المرحلة الثانية وهي تأطير النقاش في سياق معين، والتأطير هو فكرة مركزية تدور حولها الأحداث والنقاشات، ونظرية التأطير قائمة على ثلاثة مرتكزات هي الإنتقاء والإبراز والإستبعاد، وكما أوضحها:

الإنتقاء: وتعني أن وسائل الإعلام تختار حدثاً معين دون غيره.

الإبراز: وهو جعل الحدث رقم واحد مثلا تخصص نشرة أخبار كاملة عن الحدث.

الإستبعاد: وتعني إستبعاد الأحداث الأخرى وإخفائها عن الشاشة، وهو ما استفادت منه قناة العربية بعد تحول اللقاء التلفزيوني الحدث رقم واحد واستبعد تلقائيا الاحداث الأخرى.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر
1. حسن عماد مكاوي وليلى حسن السيد، الاتصال ونظرياته المعاصرة، ط8، بيروت، الدار المصرية اللبنانية، 2009.
2. حسني محمد نصر، نظريات الاعلام، العين، دار الكتاب الجامعي، 2015.
3. صالح خليل ابو اصبع، الاتصال والاعلام في المجتمعات المعاصرة، ط5، عمان، دار مجدلاوي، 2006.
4. محمود قلندر، نظريات الاتصال من عصر الجماعة الى عصر الجماهير، عمان، مكتبة الفلاح للنشر والتوزيع، 2016.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

5