تؤدي وسائل الاعلام اليوم أدوارًا كبيرة ترتقي الى مستوى الدبلوماسية الإعلامية، والتواصل بين الشعوب، وهي تحمل رسائل قد تتفق او تختلف مع الثقافة المحلية ما يجعل من الضروري على كل مواطن أن يفهم كيف تعمل وسائل الاعلام والى أي شيء تهدف؟ فقد تكون ذات اجندات إنسانية خالصة وقد تحمل اجندات تتعارض مع الأهداف الوطنية الكبرى.

فوسائل الاعلام اذن اخذت مساحة دبلوماسية بالإضافة الى مساحتها الأساسية وهي العمل الإعلامي والاخباري وتداخلت بشكل كبير مع السياسة، ويكفي ان نذكر بعض الأمثلة التي تثبت هذه الفرضية، فقد فرض الاتحاد الأوربي عقوبات ضد قناة روسيا اليوم ووكالة سبوتنيك الروسيتين لتأثيرهما على الرأي العام الأوربي.

الولايات المتحدة الأميركية اتهمت الاعلام الروسي بالتأثير على المواطنين الاميركيين، كما فرضت الدول الخليجية المقاطعة لقطر عقوبات على قناة الجزيرة وكان شرطها الأهم هو توقف هذه القناة عن البث لتأثيرها الهائل على الجماهير العربية واتهامها بتحريك الجماهير العربية خلال احتجاجات الربيع العربي، فضلا عن تأثيرها على الراي العام العالمي من خلال قناتها التي تبث باللغة الانجليزية.

وشاهدنا كيف تم إيقاف العديد من وسائل الاعلام العربية عن البث واختفى بعضها عن الساحة بسبب التضييق التقني عليها كما حدث مع قناة المنار اللبنانية.

ونفس الحال ينطبق على قناة العالم الإيرانية التي ضاعت بين القنوات الإعلامية لمحاربتها تقنيا والسبب الأساسي في هذه الحرب هو ما قامت به من تحريك للرأي العام العربي، لكن وبعد انتشار مواقع التواصل الاجتماعي أضيفت دماء جديدة للإعلام متمثلة بالعمل الرقمي، استطاعت بعض المؤسسات التي حجبت سابقا الاستفادة من النافذة الجديدة وهي مواقع التواصل الاجتماعي، لتنافس وسائل الاعلام الكبرى، حتى ان بعض المدونين لديهم من المتابعين ما يفوق مؤسسات إعلامية كاملة، الا ان مواقع التواصل الاجتماعي يتم حجبها أيضا اذ قام موقع فيسبوك بحجب مواقع روسية أبرزها روسيا اليوم وسبوتنيك التابعتان للرئاسة الروسية، حيث يحظيان بمتابعة ملايين الناس حول العالم.

وما نتحدث به عن وسائل الاعلام التقليدية ينطبق بنسبة كبيرة على مواقع التواصل الاجتماعي، فهي تتبع سياسات معينة وقد تكون هذه السياسيات تتعارض تماما مع الخطط والاهداف الوطنية المحلية، وقد تؤدي الى حدوث كوارث سياسية واجتماعية لكونها تعمل على تهديم البنى السياسية والاجتماعية السائدة بدون تقديم بديل حقيقي، نتحدث اليوم عما جرى خلال احداث الربيع العربي وكيف تم تحريك الجماهير عبر مواقع التواصل الاجتماعي والتغطية الواسعة من قبل وسائل الاعلام التقليدية واجتماع الوسيلتين معا اعطى قوة معلوماتية هائلة انفجرت بوجه السلطات الحاكمة التي تميزت بالديكتاتورية واحتكار الحكم.

وما حدث يثير الحماس، فوسائل الاعلام تستطيع احداث التغيير السياسي وتحقيق رغبات الشعوب بحكم نفسها وتقرير مصيرها بعيدا عن الحكومات العسكرية او الديكتاتورية، لكن ما يحدث على ارض الواقع مختلف ولا علاقة له بحكم الشعب لنفسه، هناك تحريك خارجي، ومثالنا هو ما تقوم به الجزيرة والعربية على سبيل المثال، فهما تدعمان إقامة حكم ديمقراطي في سوريا وكانتا تبرران كل أفعال المعارضة السورية حتى الاجرامية منها بحجة دعم الشعب، بينما لا يوجد تقرير واحد عن نظام الحكم السلطوي لديهما سواء في السعودية او قطر.

وسائل الاعلام الأميركية تتحدث عن حقوق الانسان في العراق وتطالب بالقصاص من المنتهكين لحقوق المواطنين الأبرياء الذين يتعرضون للمضايقات، لكنها تصاب بالصمت المطبق حينما يصل الامر الى إسرائيل وجرائمها، او جرائم السعودية في اليمن وغيرها من الأنظمة السياسية الحليفة لها.

الاعلام الإيراني يتحدث عن جرائم السعودية في اليمن ويطالب بتحقيق العدالة ضد القوات السعودية، لكنه يخفي بشكل كامل الجرائم التي ترتكب بحق الشعب السوري بحجة الحرب ضد الجماعات الإرهابية.

هكذا تعمل وسائل الاعلام، فهي تعبر عن حالة صراع دائم بين الدول، والمعلومات التي تنشرها ليست مجانية، وليست معلومات كاملة ولا موضوعية، انما هناك اهداف محددة، فالمعلومة مهمة للجمهور لذلك تستخدم مثل الطُعْم الذي يوضع في الصنارة لاصطياد الأسماك، علينا ان نكون حذرين عند التعاطي معها، الا اننا لا نملك الأدوات اللازمة والامر ليس بهذه السهولة، نحن في العراق لا نستطيع حجب المواقع الالكترونية التي تستهدف العراق ومصالحه واستقراره الاجتماعي، لان ذلك يتعارض مع النظام الديمقراطي، وهذا ينطبق على مسألة حجب القنوات الفضائية والإذاعة لذات السبب المتعلق بحرية الرأي والتعبير.

لكن النظام الديمقراطي لا يعني الفوضى والسماح للجميع بزعزعة الاستقرار الاجتماعي، فاذا كانت كل مؤسسة إعلامية لها اجنداتها الخاصة كما اتضع لنا من العرض السابق، وان النظام العراقي لا يسمح بالمواجهة المباشرة عبر الغلق كما تقوم الدول الأخرى، فلا يبقى امامنا الا ان يفهم الشعب هذه المعطيات، عبر تعليمه أساليب التفكير الناقد، وقد قامت كليات الاعلام بإقرار مادة علمية متخصصة بهذا الشأن تسمى "التربية الإعلامية" التي تدرس طلابها طرق التعامل النقدي مع وسائل الاعلام، وفك رموز الرسائل الاتصالية وفرز الملوثة منها عن المعلومات المجردة والموضوعية، لكن هذا لا يكفي.

بلد مثل العراق يحتاج الى إقرار مادة "النقد الإعلامي" في الثانويات العامة من اجل تحصين الطلاب من التلويث المعلوماتي، وبعد سنوات نستطيع حصد ثمار هذه المادة العلمية المهمة، فوسائل الاعلام اليوم أدوات معرفية مهمة واكتساب مهارة التعاطي السليم معها يكسبنا مجتمعا متعلما تعليما نقديا.

الجهات المختصة في وزارتي التربية والتعليم العالي مدعوة للتفكير جليا بمناقشة مادة "النقد الإعلامي" واقراها في الثانويات العامة لما لها من مكاسب مستقبلية مفيدة، لا سيما وان وسائل الاعلام هي الأساس في المجتمع الديمقراطي لكن بشرط ان يحسن الشعب التعاطي معها عبر توسيع مداركه وتحسين مهاراته في اكتساب المعلومات الصادق وبعيدا عن البروباغندا السياسية الملوثة.

انقر لاضافة تعليق
mortada alsalih
iraq
احسنت دكتور نحتاج الى خطاب اعلامي رصين يعتمد على لغة هادئة مهنية موضوعية بعيدا عن الانفعالية المؤدلجة التي اثبتت انها لم تنفع الا تهييج العواطف... فعلا كما قلت نحتاج الى تربية اعلامية تعتمد على التفكير وانبثقات العقل.. الكلمة الطيبة هي لاتتناغم مع السب والشتم والكلمات الحادة.. ارجو ان تستمر في تناول هذا الموضوع... دمت مميزا.2020-09-17

مواضيع ذات صلة

0