يبدو اليوم أن أغلب الإعلام يَتّخذ لصناعة الأكاذيب ثلاث طرائق معروفةً لدى صانعي الخبر، وهي: التغييب أو التضليل أو التلفيق. فمن خلال التغييب يمكن دفن قضايا مهمة وطمسها من خارطة اهتمام المتلقي ببساطة من خلال عدم ذكرها. أما استراتيجية التضليل، فتقوم على طرح الخبر لكن بتفاسير ورؤى غير حقيقية، وغالباً ما تُستخدم هذه الاستراتيجية في تشويه صورة الخصوم. وثالث هذه الاستراتيجيات وأكثرها خطورة هي استراتيجية التلفيق التي تطرح على الأغلب خبراً أو حدثاً غير صحيح، أو تحوِّر خبراً ما، أو أي حادثة وقعت، فتقلب فيها الحقائق وتدُس في ثنايا طرحها الافتراءات والأكاذيب التي غالبا ما تخلق تصوُّراً مختلفاً تماماً عن الحقيقة، التي يتم اغتيالها وسحقها بدم بارد في الآلة الإعلامية.

بدءاً لا بد من الاعتراف بأن البشرية تمر بمرحلة من أخطر مراحل تكوينها الحضاري والثقافي، حيث تتعرض لصراعات تغذيها النعرات الطائفية والمصالح السياسية، ومحاولات فرض الرؤى والنفوذ، بينما يقوم الإعلام المسموع والمرئي والمقروء، ووسائل التواصل الاجتماعي المختلفة، بصناعة دائرة خالية من الحقائق، ومليئة بالزيف والتضليل والتلفيق، وتهديد نهج الأمن والاستقرار في المجتمعات.

وبفعل العولمة والطفرة الحديثة في وسائل نقل المعلومات، برزت في الفضاء الدولي وسائل إعلامية كثيرة، تقليدية ورقمية، تملأ عقول المشاهدين بكثير من المعلومات والتحليلات التي لا ترقى كلها بالضرورة إلى مرتبة الحقائق.

إن اعتقاد المتلقّي الدائمَ بوجود ما هو خفيٌّ وراءَ الأحداث يسهّل على أصحاب الأغراض من الإعلاميين، أن يبثُّوا الأكاذيب ويلفِّقوا أقاصيصَ خياليّةً تعبث بعقول العامة. وهكذا، يتخبط الجمهور في ظل من التلفيقات الإعلامية، فلا ضوابطَ مهنيّةً تحدد ما يقوله المعلقون، ولا منظمات إعلامية لمراقبة المعايير المهنية، ولا متابعة لما يظهر على الشاشات من اتهامات وتخوين وقراءات مغلوطة للأحداث. وفي كل هذا، فإن عقل المواطن العادي الذي لا يملك رفاهيةَ تقصِّي الحقائق هو الهدف والضحية.

إن صور وسائل الإعلام لا تنحصر في أسلوب معين، إنها سياسة فضفاضة تحوي الكثير من غسيل الأدمغة والمغالطات والتهويلات والهراء، وليِّ عنق النصوص والأخبار، وبتر الحقائق، وتهويل الأخطاء، وتضخيم الإخفاقات، والتلفيق والتشويه والتحقير والتحريف والفبركة، والخداع والتدليس والتزييف والتعتيم وشيطنة الخصم.

فمن خلال الإعلام، استطاعت الأنظمة تشكيل العقل الجمعي والتحكم فيه، كظاهرة سمّاها خبير العلاقات العامة الأمريكي إدوارد بيرني (بلورة الرأي العام)، وهي كما يصفها، ليست صناعة الرأي العام فحسب، بل تجميده عند حدّ معين يختاره صانعو القرار، ويرفض المتلقي عند هذا الحدّ قبول أيّ فرضية أخرى غير تلك التي لُقنت له عبر وسائل الإعلام. بينما رأت الباحثة الألمانية (إليزابيث نويل) أن الإعلامَ كثيراً ما يشكل ضغطاً رهيباً على الرأي العام؛ ليصبح الرأي العام هو ما (يريده الإعلام، لا ما يريده الشعب) عبر آلية أو نظرية أطلقت عليها: دوامة الصمت.

وهناك أساليبُ كثيرةٌ للتلفيق والتضليل؛ كطمس الحقائق بالإخفاء، بمعنى أن إخفاء الحقائق أو الأخبار هو أسرع الوسائل للتخلص من الأخبار المزعجة. والكثير من الأخبار الهامة في العالم لا تصل أبداً إلى المشاهد أو القارئ بسبب تعمُّد إخفاء هذه الحقائق. وهذه الحقيقة أصبحت معروفةً بعد انتشار الفضائيات والإنترنت التي تتيح للباحث معرفة ما ينشر في العالم مقابل ما ينشر ويذاع في وسائل الإعلام، وهناك الهجوم على مصدر الحقيقة، ومن المعروف إعلامياً أنك إن لم تستطع أن تخفي خبراً، فيمكنك أن تهاجم من نقله وتتهمه، لإضعاف مصداقية الخبر المنقول.

وتستخدم هذه الخدعة الإعلامية طوال الوقت لتشويه الحقائق وإخفائها أيضاً، ثم هناك الكذب. وتكرار الكذب، حيث يستخدم تكرار الكذب في الحملة الإعلامية المنظمة والمستمرة بعد أحداث سبتمبر في الولايات المتحدة للربط بين الإسلام والإرهاب، وتبرير احتلال العراق، لتحقيق نجاحات في التأثير على العامة. وكذلك استخدام أسلوب تمرير المعلومات، من خلال المؤسسات السرية أو أحد الأحزاب دون التثبت منها.

وتمارس وسائل الإعلام التأثير النفسي عن طريق خلق أنماط مقبولة وهميّة، والمتمثلة بسلاح الضغط الفكري – النفسي على الجماهير باستعمال المعارف السيكولوجية، لاكتشاف النفسية الاجتماعيّة من الظواهر والاحداث، والاعتماد على الخرافات والآراء الباطلة، واستغلال الانفعالات البشرية عن طريق التوجه إلى العواطف وليس إلى العقول. والتأثير على الجانب العاطفي من النفس البشرية بإثارة الانفعالات الأكثر بدائية عند الجمهور بالاعتماد على المبدأ القائل (الاستغلال المصطنع للعواطف) بمساعدة الدعاية، والتركيز على الثانوي في الظاهرة وجعلها رئيسيّة، وإهمال المسائل المهمة وجعلها ضعيفة الأهمية من مبدأ أساسي هو (تحويل بؤرة الاهتمام).

يبدو أن ظهور الإنترنت ووسائل الإعلام الاجتماعيّة والإعلام البديل، ساعد هذه الوسائل الإعلامية على التلاعب بالحقائق، وأصبحت الحكومات أيضاً واعية لمثل هذه المشاكل. مع التأكيد على عدم تضخيم قدرة الإعلام وتأثيره على الوعي الجماهيري، وتصوير إمكاناته بأنها قدرة مطلقة لا يحدُّها حدٌّ ولا يصفها وصف، ذلك لأن الوعي مرتبط دوما بالواقع، والأكاذيب لا جذور لها، لذلك مهما حاول الإعلام التضليل والتلفيق سوف تكشفها النتائج الواقعية والمحصلات العملية، فالإنجازات الوهمية في الدول الفاشلة سيأتي عليها يوماً ليكتشف الجميع أنها إخفاقات، والسجالات الفكرية العقيمة لابد لها من وقت تنجلي فيه الحقائق، وتبقى المحصلة الواقعية أعلى صوتاً من أي دعاية إعلامية، وقيل إن الناطق بالهراء لا يتنكر لسلطة الحقيقة كما يفعل الكذّاب، وعليه، فإن الهراء عدو ألدّ للحقيقة من الأكاذيب نفسها!.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

12