كل الاحزاب لديها هدف اساسي هو الوصول الى هرم السلطة، وهذا هدف مشروع يقره القانون والاعراف الديمقراطية، وليس عيبا ان يسعى الحزب بهذا الاتجاه، وفي مجتمع تعددي مثل العراق يحتاج الحزب الى كتلة جماهيرية واسعة تؤمن له عددا كافيا من الاصوات الانتخابية، ما يعني حصوله على اكبر قدر ممكن من المقاعد في البرلمان.

وقد تلجأ بعض الاحزاب الى اساليب قديمة مثل توظيف الايدلوجيا او الدين من اجل كسب الجماهير، لكن لا الايدلوجيا ولا الدين بقيا على حالهما مثلما كان سابقا، رغم ان العامل الديني ما يزال مؤثرا في الساحة لكنه ليس بتلك القوة التي كانت سابقا كما ان التطور الاجتماعي وغلبة المادية على معظم انشطتنا تقلل منطقيا من سطوة الدين، وبتحولنا الى مجتمع مستنسخ بنسخة غير اصلية من المجتمع الرأسمالي نحتاج الى بعض ادوات الرأسمالية حتى تستطيع الاحزاب مسايرة الوضع القائم قبل ان يجرفها التيار.

في المجتمع العراقي الذي استورد الماديات الرأسمالية يحب الناس هنا ان يلتهموا كل ما تنتجه الدول الغربية، ومنها استيراد فكرة فتح الاحزاب لوسائل اعلام بانواعها المختلفة، والعناية بهذا القطاع تعني الامساك بجزء كبير من السلطة، لكن كيف يمكن للحزب ان يؤثر ويمسك السلطة وجميع الاحزاب تملك مؤسسات اعلامية تنفق عليها ملايين الدولارات سنويا، ولها جمهور ايضا وتحرك بعض الشارع، هل ان افتتاح مؤسسة اعلامية يكفي لكسب الجماهير؟

الجواب لا، فالمؤسسة الاعلامية لا تعني ان توزع جريدة او تفتح قناة فضائية او موقعا الكترونيا، ولا حتى جيشا الكترونيا، المؤسسة الاعلامية تعني المحتوى المميز الذي يكتبه مجموع من الصحفيين الاذكياء الذي يجيدون اللعب بالكلمات والصور والفيديوهات، ويقلبون الاحداث رأسا على عقب، فان كانت في صالح الحزب ضخموها، وان كانت الاحداث تسير بطريقة مختلفة قللوا منها واخرجوا الحزب سالما، هذا اذا لم يقلبوا الصورة عبر اكتشاف الثغرات وتحويلها في صالح الحزب.

هؤلاء الصحفيون الذين نتحدث عنهم هم اقرب للميكافيلية، الذين يقولون شيئا ويفعلون شيئا اخر، هم صحفيون انانيون، يهتمون بالشهرة، ويتسللون تحت المهنية تارة والاخلاق تارة اخرى، يستطيعون تبرير افعالهم مادامت توصلهم الى الشهرة وتقربهم من المال الوفير الموجود لدى الأحزاب.

قد يقول زعيم الحزب انه لا يريد هذا النوع من الاشخاص، لكن الحقيقة ان زعيم الحزب هو يشبههم ايضا ويعرف نفسه انه كذلك، ولا يحتاج ان نقول انه يستخدم شعارات غير حقيقية من اجل الوصول الى السلطة او البقاء فيها اطول فترة ممكنة، يخرج للاعلام مؤيدا هذا القرار ورافضا ذاك ليس لانه مقتنع به، بل لانه يريد اقناع الجمهور بانه مقتنع، انه قد يلجأ لايدلوجيا معينة (وقد يستخدم الدين) ويتمسك فيها سنوات ليس لانها قناعته المطلقة، بل لانه يرى فيها طريقة سهلة نحو السلطة والمال والنفوذ والشهرة، بالضبط كما يفعل الاعلامي الذكي الذي يبحث عنه.

يا زعيم الحزب، الاعلامي الذكي الذي تبحث عنه يعرفك ويعرف انك لا تملك مشروعا غير الاهداف الخفية، فلا داعي لصرف الوقت باشياء هو يضحك بداخله عندما تتحدث عنها، اختصر الطريق وقدم له الصفقة، اوجد له المكان الذي يريد. طيب ماذا يريد الاعلامي الذكي؟

الاعلامي الذكي باحث عن الشهرة، فاحرص يا زعيم الحزب على ان تكون مؤسستك الاعلامية مشهورة، ولا تعتقد ان مجرد تاسيسها سيجعلها مشهورة، اهتم بكل الاشياء المادية من البناية الى الاستوديوهات الى كل القضايا التي تدل على ضخامة المؤسسة، ثم اجلب اجمل المذيعات، واكثرهن جرأة في الملبس والكلام، واغدق عليهن المال حتى يستطعن صرف المال على عمليات التجميل، وادعمهن عبر جيوشك الالكترونية ليحصلن على جمهور واسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وبعد ذلك لا تعلن عن حاجة المؤسسة الاعلامية الى موظفين في مواقع حساسة، سوف يبدأ الصحفيون الاذكياء بطرق ابوابك، فانت تملك الان المؤسسة الحلم، (بناية كبيرة فخمة، ورواتب مجزية، وصحفيات جميلات))

تبقى مسألة سياسة المؤسسة، هل هذا يكفي لتصبح المؤسسة مشهورة؟ انت وصلت الى مرحلة متقدمة، لكنك بحاجة الى التنازل على بعض السلطات لصالح هؤلاء الصحفيين ليس لانهم يستحقون مؤسسة مستقلة، وليس لانك صاحب رسالة عظيمة، بل لان الامر يحقق مصلحتك، فمثلما تسمح لسائق سيارتك ان يوصلك للبيت يوميا وتعطيه كامل الصلاحيات بقيادة السيارة فيجب عليك ان تعطيهم كامل الصلاحيات لانهم لا يخرجون عن اهدافك، كل ما عليك ان لا تتدخل في شؤونهم، فقد ينشرون اخبارا لا تعجبك، وقد ينتجون فيلما وثائقيا لا يعجبك اطلاقا، لكنهم يعملون مثلما يعمل سائق سيارتك الذي قد تظنه لا يجيد القيادة في بعض الزحامات رغم انه اخرجك من اخطر المواقف، فمن يكون خلف المقود يشاهد الشارع اكثر من الشخص الجالس بجانبه، او خلفه.

واعلم ان الصحفي الذكي الذي سوف تجلبه وتعطيه هذه الحرية سوف يكون حريصا على تلميع صورة حزبك اكثر منك، لانه يعرف ان اي صعود لك، يعني مزيدا من المال ومزيدا من الشهرة، فكيف له ان يخونك، بالفعل هو لا يخونك ليس لايمانه بك، لكنه حريص على المكان الذي هو فيه، فاحرص انت على توفير البيئة اللازمة لشهرته، فتتحقق مصلحتكما، انت تحقق المزيد من الاتباع وهو يحصل على المزيد من الشهرة.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0