قد يبدو لمتابعي موقع اخباري عراقي انه سريع جدا، ومتجدد الى اقصى حد، اشعارات متلاحقة تبلغك بالاحداث اليومية، واذا ما نسيت فتح الانترنت طوال النهار وحتى المساء فربما يتوقف هاتفك الذكي لعدم قدرته على مزامنة الكم الهائل من الاخبار التي تنهال عليه من تطبيق اخباري واحد.

هكذا هي الطريقة المتبعة في وكالات الاخبار العراقية، لتبدو وكانها مواكبة لكل صغيرة وكبيرة، والواقع يقول غير ذلك، هي متاخرة الى حد ما، لكونها تقوم باستنساخ قطع صغيرة معروفة من الواقع وعرضها على الجمهور، تُبلغ المتزوج انه اصبح متزوجا، والموظف انه يستلم راتبه نهاية الشهر، وسائق التكسي بان السيارة لا تسير الا باربع عجلات مملؤة بالهواء.

لا جديد سوى البيانات الحكومية التي غالبا ما تنشر في صفحات الفيس بوك، وموقع تويتر، والمواطن يعلم بها قبل وصولها للمحرر، او ان بعضا منها ينشر في مجموعات خاصة بالصحفيين يقوم بعضهم بنشرها في الفيس بوك قبل رفعها الى موقع الوكالة.

اما التصريحات الخاصة التي تنشرها الوكالات الاخبارية العراقية فهي عبارة عن تعليقات لشخصيات برلمانية تريد تمرير سياسة محددة، واذا شحت هذه يمكن اللجوء الى الخزين الاحتياطي من الاكاديميين باي اختصاص كان ليدلوا بدلوهم، ولا اهمية لتوافق الاختصاص مع الموضوع، فالمهم ان يسبق اسم الشخص كلمة "الدكتور" او "المحلل الاستراتيجي".

وهناك التصريحات الخاصة ذات القيمة الخبرية لدى المحررين، لكنها شحيحة الى درجة كبيرة، واغلبها تؤخذ من محللين سياسيين تكتب اراؤهم على انها معلومات عن الاحداث الجارية، رغم ان مهمتهم التعليق على الاخبار وليس اعطاء معلومات عنها، كما ان بعض تصريحات السياسيين تاخذ طابع الاستغلال للمحررين وتمرير سياساتهم عبر المواقع الاخبارية المختلفة.

مطبخ الاخبار

يعرف الخبر الصحفي في التقليد الاكاديمي والمهني بانه الكشف عن المعلومات الجديدة التي تهم مصالح المجتمع، وتصاغ بطريقة احترافية، لكنه غير صحيح بالنسبة للمواقع العراقية، فتعريف المؤسسة الاعلامية مختلف، انها تعني جلب مجموعة من المحررين مهمتم البحث عن الاخبار المعروفة وتبديل بعض كلماتها ونشرها على انها الجديد الذي يبحث عنه الجمهور.

ويقوم عمل غرف الاخبار تلك التي لا تتصل بالواقع الميداني، على تقسيم المهام، فهناك رصد دائم لوسائل الاعلام العراقية والعربية والاجنبية، والمحرر العظيم هو الذي يسبق الجميع بنسخ الخبر من الوكالات الاخرى التي قامت هي بالاساس بنسخه من صحيفة عربية او وكالة اجنبية.

حمولة صغيرة

في المواقع الاخبارية العراقية ممنوع على المحرر كتابة تقرير مفصل يروي ما وراء الاحداث، عليه ان يملأ ابواب كل موقع بعشرات الاخبار الصغيرة والمعروفة، فالتفضيل يكون للكم، وهو المعيار الاساس في تحديد كفاءة المحرر، يقول لك رئيس التحرير اجلب لي المزيد من الاخبار سوف اضعك في خانة المبدعين، اما كتابة المتابعة المتأنية للاحداث من اجل كتابة تقرير تفصيلي واسع فهذه تجعلك اقرب لباب الخروج من المؤسسة الإعلامية.

وبالنسبة للتصريحات الرسمية فغالبا ما تكون جزءاً من التقرير الاخباري، اما في العراق فهي القصة كاملة، وقد لا يجد موضوع ما طريقه لوسائل الاعلام لانه لا يحتوي على تصريح لمتحدث يلبس ربطة عنق انيقة، كما ان التصريح الواحد لا يمكن ان ينتج مادة إخبارية حقيقية الا في حالات نسبية، بينما يحدث العكس في المواقع الإخبارية العراقية، فحتى التقارير التي تنسخ من وكالات وصحف اجنبية يتم تقطيعها حسب التصريحات، فعلى سبيل المثال اذا كان هناك تقرير يحتوي على اربع تصريحات لشخصيات مختلفة، يتم تحويل كل تصريح من هذه التصريحات الى خبر منفرد.

وقد يتم اختيار نصف التصريحات الواردة في التقرير الأجنبي لكون النصف الثاني منها لا يتوافق مع سياسة المؤسسة التي تنشر عن الصحيفة الأجنبية، وهنا يتدخل عامل التقطيع الإعلامي، والتوظيف السياسي للاخبار وربط كل حدث بهدف سياسي يجعل المعلومة سلاحا لاسقاط الخصوم وليس تقديمها للجمهور كاحاطة بالاحداث، لذلك فمن الطبيعي ان ينشر تقرير مترجم لصحيفة اجنبية مقطع الى اشلاء ترفع منه كل المعلومات التي لا تعجب الصحفي بغض النظر عن الدقة والموضوعية.

وسائل الاعلام تمارس عملية نشر الاخبار القصيرة جدا بحجة مواكبة الاحداث، ومسايرة الواقع الإعلامي الجديد الذي يتطلب خاصيتي "السرعة والاختصار" لكن وسائل الاعلام العراقية لا تملك السرعة بنقل الاحداث لكون اغلب اخبارها منسوخة من مواقع التواصل او من تقارير لصحف عربية واجنبية، اما بالنسبة لتصغير حجم الخبر فلا توجد قاعدة ثابتة لجعل كل مادة إخبارية تتكون من عشرة اسطر او اكثر او اقل، انما القاعدة في مدى كفاية المعلومات وايراد التفاصيل الكاملة التي تجعل الواقعة مفهومة في سياقها الذي جاءت فيه.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0