الشهادة التقديرية، هي تكريم شخص ما يبدع أو يبتكر شيئا ما، وتقديرا لنبوغه وتميزه في الإبداع أو الابتكار، يتم منحه شهادة تقديرية من جهة ذات شأن متميز، يجب أن يوازي حجم الإبداع أو الابتكار، ولا يصحّ لكل من هبّ ودب أن يقوم بتقديم (درع الإبداع) أو الشهادة التقديرية لمبدع ما، ولكن واقع العراق بالأخص، والدول العربية عموما يشي بأننا أمام فوضى تشبه الزلزال في قضية منح الدروع الإبداعية والشهادات التقديرية.

في العراق بعد نيسان 2003، برزات ظواهر عديدة، منها الجيد ومنها ما هو خارج على المقبول، ومن بين تلك الظواهر، تلك الفوضى العارمة في تقديم الشهادات التقديرية، والتنوع في طرائق وأساليب التكريم، فما هي الأسباب التي تكمن وراء هذه الظاهرة، وما طبيعة تقييمنا لها؟

من أهم أسباب شيوع التكريم وأساليبه، هو رفع الكابوس السلطوي الدكتاتوري عن صدور الناس، فالتكريم في ظل السلطة الدكتاتورية كان محصورا في فئات وشخصيات محددة مسبقا، وهي غالبا ما تكون مؤيدة للسلطة، أو من المقربين من رأس النظام الدكتاتوري، ولا يوجد عد آنذاك في تقديم التكريم لهذا الشخص أو ذاك، ولا توجد معايير عادلة لتنظيم هذه الفعالية المهمة التي تدخل في إطار تشجيع المبدعين والمبتكرين على مواصلة إبداعهم وابتكاراتهم.

ونتيجة للغبن الذي لحق بالعراقيين، وشعورهم الكبير بالإقصاء والتهميش، وبعد زوال كابوس السلطة الدكتاتورية، انفتح العراقيون بشهية كبيرة على قضية التكريم بشهادات تقديرية أو دروع أو غيرها، وهذا أدى إلى غياب الضوابط أو ضعفها، فالشخص الذي يتم تكريمه قد يكون لا يستحق ذلك، لكنه يشعر بالسعادة والتميّز مع أنه في قرارة نفسه يؤمن أنه لا يستحق التكريم، لأنه هو أعرف الناس بنفسه، وهو يعرف بأنه لم يصنع شيئا متميزا نافرا، يجعله مستحقا لهذا التكريم أو ذاك، ومع ذلك هو يستقبل الشهادة أو الدرع وقد يظن بأن ذلك استحقاق له.

من جهة أخرى، المنظمات أو المؤسسات أو الشخصيات التي تقوم بمنح الشهادات التقديرية، أصابها زلزال التكريم أيضا، فتعددت وتنوعت وحملت أسماء وعناوين ما أنزل الله بها من سلطان، حتى أن مواقع التواصل الاجتماعي أُتخِمَتْ بصور التكريمات والشهادات التقديرية والدروع، وهناك نوع من الشهادات يمنح المكرَّم صفات كبرى!.

مثلا هنالك منظمات، أو حتى شخصيات تمنح هذه الشهادات وتكتب في أعلى الشهادة (دكتوراه فخرية من الدرجة العليا)!، وحينما نحث عن المبررات القانونية أو حتى المعنوية لمثل هذه الصفات التي غالبا ما تٌقَّدم لأشخاص لا يستحقونها، فإننا نتساءل من هو الذي منح المنظمة تقديم شهادة تحمل صفة الدكتوراه الفخرية، وعلى أي القوانين استندت، وما هي المبررات التي تستند إليها؟

هل من الجائز أن نبقى في ظل هذه الفوضى، وأن نتلقى أو نتعامل مع زلزال التكريم بلا ضوابط قانونية أو معنوية واضحة، وهل يجوز أن يستمر ذلك دون تشريعات ضابطة، بالطبع قد يقول قائل وما هو الضير في ذلك، ولماذا لا نترك الناس يشعرون بالسعادة وهم يتلقون هذا التكريم أو ذاك، هنا لابد أن نقول بأن زيادة الشيء أكثر من الطبيعي سوف تسيء له، وعندما يصبح التكريم حالة شائعة، لا تحكمها ضوابط أو تقنينات صحيحة، فإن النتائج ستكون عكسية تماما.

أحدهم لم يحصل على الشهادة الابتدائية، وتمّ تكريمه قبل أيام بشهادة تقديرية من إحدى المنظمات، منحته شهادة الدكتوراه الفخرية من الدرجة العليا؟، إذا وصل الأمر إلى هذا الحد من الاستسهال والفوضى، ماذا سيبقى للمبدعين المتميزين والمبتكرين الحقيقيين؟، وهل يصح أن يتساوى المبدع مع من يدّعي الإبداع، صحيح أن الشهادة ليست هي المعيار الوحيد للتميّز، ولكن ليس صحيحا أن ننثر الشهادات التقديرية والدروع كيفما اتفق، مجاملة لهذا أو لذاك من دون استحقاق.

كما أن الجهة المانحة لمثل هذه التكريمات المعنوية، يجب أن تحمل صفة أحقية منح هذا التكريم للمتميزين، وهذا يمكن معرفته من دور المنظمة أو المؤسسة في التطوير والتغيير والمساعدة على دفع الناس في طريق التقدم.

هل هناك حلول لهذه الظاهرة التي ضجّ بها العالمين الواقعي والافتراضي؟، نعم توجد حلول ناجعة يمكن أن تحد من تأثيرات زلزال التكريم، والفوضى الذي تسبّب بها، وذلك من خلال اتخاذ خطوات واضحة المعالم منها:

- تشريع قانون التكريم.

- منع المنظمات والشخصيات من ظاهرة منح الدروع والشهادات إلا وفق شروط واضحة.

- المؤسسة أو المنظمة المانحة يجب أن تكون مشهود لها بما تقدمه من أعمال وانجازات فعلية في الواقع.

- لا يمنح كل من هبّ ودب تكريما لا يستحقه.

- منع المجاملات من التسلل إلى هذا التقليد المهم.

بالنتيجة نحن تطرقنا إلى هذه الظاهرة، لأنها خرجت عن جادة المقبول من السلوك والنوايا والأهداف، فمثلا هناك من يلجأ إلى أسلوب التكريم عندما تقترب الانتخابات، حيث يقدم الشهادات حتى يكسب أصوات من يكرمهم، هذا مثال واحد من أمثلة عديدة، وقد يقول شخص أن التكريم يمكن أن يسهم في رفع معنويات الناس، نقول نعم هذا الصحيح، ولكن يجب أن تتم عملية التكريم وفق آليات مقننة واضحة تضمن حقوق المتميزين بالتكريم، وتمنع الجهات والشخصيات القائمة بالتكريم من استغلال هذه الفعالية لتحقيق مصالح مرسومة مسبقا!.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0