يتوسل النموذج الغربي الأمريكي بكل الوسائل التي تقوده إلى احتلال الصدارة وجعل العالم مبهورا بهذا النموذج، كطريقة تفكير وحياة معا، مع الحرص على إلغاء النماذج الأخرى القائمة على ثقافات مختلفة، والسعي لدمجها أو تذويبها حدّ الفناء، وعدم فسح المجال أمام حضارة أو ثقافة أخرى تنافس الغرب فيما يطرحه ويطبقه على العالم من طريقة تفكير وسلوك وعيش وحياة غربية بحتة.

وانطلاقا من النتائج التي توصل إليها هربرت تشيللر حول مكونات الثقافة الإعلامية الجماهيرية في الولايات المتحدة، حيث توصل أن هذه الثقافة تقوم على خمس (5) فرضيات أو مسلّمات سمّاها أوهاماً أو أساطير، حيث يرى هربرت تشيللر بأن تسطيح الوعي يتم عن طريق ترسيخ نوع من الوهم لدى الجماهير، الذي من شأنه أن يزيّف وعيهم، يعلّبه ويضلل عقولهم من أجل تطويعهم وكسب تأييدهم للنظام القائم الذي لا يخدم المصالح الحقيقية للأغلبية وذلك عن طريق تكريس الاعتقاد لديهم بخمس أساطير، وبما أن تدفق المعلومات –حسبه- هو مصدر سلطة لا نظير لها، فليس من الواقعية في شيء أن يتم التخلي عن هذه السلطة.

وتتمثل هذه الأوهام أو الأساطير في :

1- وهم الفردية: أي جعل الإنسان يعتقد أن حقيقة وجوده محصورة في فرديته، وكل ما عداه أجنبي عنه ولا يعنيه، وإنما يعمل على تمزيق وتخريب الرابطة الجماعية التي تجعل الفرد يعي أن وجوده إنما يكمن في كونه عضوا في جماعة، في طبقة أو أمة، وبالتالي فوهم الفردية يهدف إلى إلغاء الطبقة والأمة وكل إطار اجتماعي آخر.

2- وهم الخيار الشخصي: يرتبط بالأول ويكمله، إنه يكرّس الوعي الأناني ويعمل على طمس الوعي القومي والطبقي.

3- وهم الحياد: مادام الفرد وحده الموجود، ومادام حرا مختارا، فهو محايد وكل الناس والأشياء إزاءه محايدون، وبالتالي إقصاء الالتزام بأية قضية جماعية، وطنية، طبقية وأخلاقية، حيث يقتضي التضليل الإعلامي واقعا زائفا هو الإنكار المستمر لوجوده أصلا، ولذا يجب أن يؤمن الشعب بحياد ومؤسساته الاجتماعية، في حين يتم اللجوء إلى هذا الحياد لوصف الأداء الوظيفي للأنشطة المحملة يقيم وأغراض محددة تقدم الدعم للنظام المؤسساتي السائد.

4- وهم الطبيعة البشرية الثابتة: التي لا تتغير والذي يرمي إلى صرف النظر عن المطالبة بإلغاء الفوارق الاجتماعية بين الأغنياء والفقراء، البيض والسود، وقبولها بوصفها أمورا طبيعية كالليل والنهار، بمعنى إعطاء النظام الاجتماعي بعدا استاتيكسا تماما، وبالتالي تكريس الاستغلال والتمييز العنصري.

5- وهم غياب الصراع الاجتماعي: الذي يأتي صريحا في منطوقه ومفهومه، حيث أن تكريس غياب الصراع الاجتماعي معناه – إذا قبلنا به وسلمنا له- الاستسلام إلى الجهات المستغلة من شركات ووكالات وطبقات وأقليات متسلطة، أي إلغاء الصراع الطبقي وتعطيل النضال وغلق الأبواب أمام آفاق التغيير نحو الأحسن.

ومحصلة كل هذه الأوهام التي تكرسها الثقافة الإعلامية الجماهيرية الأمريكية هي ما أسماه الجابري بـ " أيديولوجيا الفردية المستسلمة" بالنظر على ما تعمل هذه الأوهام على إقصائه والتخلص منه، أو ما عبر عنه أديب خضور بالعقم الثقافي للمواد المنتجة بغرض التصدير إلى البلدان النامية... من خلال تخفيف وتطهير هذه المواد من أي مضمون ثقافي- حضاري أصيل محلي وخاص، وجعلها سلعة موجهة إلى كل الأذواق، أي أنها نماذج حسب الطلب خالية من أية هوية وخصوصية، ترسيخ السطحية والنمطية.

ولعل الاختراق الثقافي الذي يمثل أحد المداخل المهمة لاقتحام عقول المثقفين العرب والمخاطبة الفكرية معهم ومن ثم التأثير في قناعاتهم بالأسس والمرتكزات الجوهري التاريخية للثقافة العربية، سيكون الآن وسيبقى غدا المحرك والموقد المغذي للصراع التناحري والحرب الأهلية في المجتمع العربي... الحرب بين الأصول والتغريب.

ويوضح ذلك الجابري من خلال إدراجه لمثال الصراع بين ثقافتين:

• ثقافة علماء التراث: تحكمها مرجعية عربية إسلامية قرووسطوية بمفاهيمها وآلياتها ورؤيتها للعالم واستشرافها الماورائية.

• ثقافة النخبة العصرية: التي تنشد إنشادا قويا إلى المرجعية الأوروبية المطبوعة بطابع الحداثة الغربية، التي تعني أول ما تعني القطيعة مع ثقافة الماضي، أيّ ماضٍ كان والتمسك بالعصر كلحظة حاضرة تكفي نفسها بنفسها.

وهذه – كما يضيف الجابري- كما يضيف الجابري- كانت أول مظاهر الصراع في الثقافة العربية.

التنافر والتنابذ بين مرجعيتين:

- إحداهما: قديمة تنتمي إلى الماضي لكنها وطنية تحمل معها مصداقيتها التاريخية.

- الثانية: حديثة، أجنبية الأصل والمصدر، لكنها تفرض نفسها كمرجعية عالمية، كحاضر ومستقبل العالم كله.

وفي هذا الإطار لا بأس من التنويه عن رأي حامد خليل بخصوص هذا الصراع، فهو يرى أنه سواء بالنسبة للأنصار أو الرافضين للثقافة الغربية فقد وقعوا في خطأ منهجي قد يكون في تأجيج هذه الحرب الثقافية الأهلية العقيمة الدائرة بين التيارات في الوطن العربي – فبحسبه- الأنصار يدّعون أن الحداثة هي وسيلة العرب الوحيدة إلى امتلاك العصر، وبالتالي إلى تحقيق نهضتهم وهي التي تفصح عنها ثقافة الغرب التي ليس أمامنا من خيار سوى تبنيها، بينما يصر الرافضون على أن الثقافة المذكورة هي السبب في حالة الإخفاق العربي الراهنة على كافة الأصعدة، ولذا فإن السبيل الوحيد للخروج من هذه الحالة إنما – في نظره- هو العودة إلى قيم الأصول والتمرّس بها وتنفيذها حرفيا، ويضيف أن ما يشكل العائق الأكبر في وجه تأسيس ثقافة عربية حقيقية ليست الثقافة الغربية، وإنما بلادة بعضنا، التي تسمح للاحتكارات الغربية بدفعنا إلى تكريس نوع معين من الاستهلاك لنوع معين من المعارف والسلع والبضائع وعقم بعضنا الآخر الذي يصر على أن هذه هي الثقافة الغربية.

ومن الواضح أن الاختراق الثقافي إذن ما هو إلا نقل الثقافة الأمريكية بكل ما تتضمنه من قيم ومفاهيم إلى مستوى الثقافة العالمية، وتعميمها على الأمم والشعوب بوصفها ثقافة وأيديولوجيا كونية، ومثل ذلك بما يعنيه من سيادة وهيمنة النموذج الأمريكي على الثقافات الأخرى، أو ما يصطلح على تسميته بأمركة العالم، وذلك كله تحت شعار حرية الحصول على المعلومات، حرية الرأي والتغيير، التمسك بحقوق الإنسان، الديمقراطية، الحرية وغيرها.

على هذا الأساس فإن فلسفة عمل المنظومة الإعلامية – الثقافية المهيمنة تقوم من أجل ضمان بقائها بشكل دارويني، على مجموعة من المرتكزات تقوي نفوذها في مختلف الذهنيات وتمارس تأثيرها عليها، سيما منها الترفيه الذي يطغي على المواد المنتجة ويؤدي إلى بروز مجموعة من الظواهر السلبية: تسطيح الوعي، النمطية، الهروبية.

أو بمعنى آخر فيقصد بالاختراق الثقافي محاولات فرض النموذج الغربي (الأمريكي) في ميدان الثقافة والاتصال على دول العالم، من خلال ما تنشره وسائل الإعلام المختلفة من مواد قد تحمل في طياتها رسائل إعلامية تتعارض مع المثل، القيم والأخلاقيات السائدة في الوطن العربي، وبما يمثل نوعا من الحرب الثقافية من خلال محاولات فرض مظاهر الاغتراب اللغوي، الفكري الثقافي، محاولات طمس معالم الشخصية الثقافية العربية الإسلامية ومحاولات إغراق المجتمع العربي بمواد مناهضة للقيم الصحيح، العمل على تزييف التاريخ العربي الإسلامي والعمل على تغيير البناء الاجتماعي والسكاني.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*هذا المقال ملخص لاهم الأفكار العصرية من كتاب الاعلام الفضائي والتغريب الثقافي للكاتبة لمياء طالة.

انقر لاضافة تعليق
الكاتب الأديب جمال بركات
أحبائي
فرانسيس فوكوياما في كتابه نهاية التاريخ حاول أيضا أن يقول أن مبادئ الغرب وليبراليته سادت وستظل الرائدة
لكن وقائع الواقع تقول ان الصين تتقدم بخطى سريعة في الإقتصاد لتلحق بالإقتصاد الأمريكي وتتخطاه وتكون القائدة
الغرب وأمريكا على وجه الخصوص تريد تصدير رسالة الى العالم التي تهيمن عليه بالترهيب والترغيب بأن تحديها ومنافستها ليس منه فائدة2019-01-04

مواضيع ذات صلة

0