ناقشت مؤسسة النبأ للثقافة والاعلام وضمن نشاطاتها الفكرية موضوعا تحت عنوان (فكر الهزيمة وانتاج التبعية)، بمشاركة عدد من مدراء المراكز البحثية وشخصيات دينية واكاديمية واعلامية، وذلك في ملتقى النبأ الأسبوعي الذي يعقد كل سبت بمقر المؤسسة.

هذا وقد أكد مدير الجلسة الشاعر والكاتب عادل الصويري "على أن أكثر التصدعات التي تواجهها البشرية اليوم تكاد أن تتمثل بعدة تمظهرات سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو حتى اقتصادية، كل هذه التصدعات ما هي الا قناع لصراع افكار، وكل فكرة بطبيعة الحال ستحاول أن تثبت فاعليتها وتفوقها على الفكرة المنافسة، وبالتالي لما كان صراع الافكار محتدما فمن الطبيعي أن تكون النخب الفكرية والنخب الثقافية هي المغذي الرئيس لهذا الصراع، المغذي الذي من شأنه ادامة زخم الصراع الذي سيمتد إلى ما شاء الله من زمن".

"التأثير النخبوي على الشرائح المجتمعية تباين في مستواه بحسب الظروف المرحلية، هذه الظروف طبعا تفرض واقعها الذي ينعكس ايجابا أو سلبا على المزاج الفكري العام، والمزاج الفكري اذا كان الواقع المرحلي سلبيا سيحدث تشظيا وانقساما في صفوف المفكرين، وهؤلاء المفكرون اذا كان التأثير سلبي واذا عاشوا حالة الانهزامية، سيعيشون هم في عزلة وهذا العزلة ستلقي بظلالها على الواقع المجتمعي وعلى جميع شرائح المجتمع".

"طبعا الاخطر في موضوعة الفكر الانهزامي وانهزام النخب الفكرية والثقافية، يمكن في أن هذا الانقسام سيولد تعددية ولكن تعددية سلبية، وهنا ترتكز التعددية السلبية على تابعية أيدولوجية للأسف، وهذه التابعية الأيدولوجية ستؤدي إلى انقياد اعمى وتبعية محضة لعناصر الادلجة، وهنا يمكن الاستشهاد بحالة تعددت فيها الانماط الفكرية بعد نكسة حزيران عام (1967) حيث انهزام الجيوش العربية امام اسرائيل، طبعا هذه النكسة اوجدت حالة من التشاؤم الكثيف جدا على الوضع الفكري وانتجت المزيد من الاحباط والانكسار".

"بعد النكسة ظهرت ثلاثة انماط النمط الاول يسمى التراجيدي، وهذا النمط الفكري التراجيدي غلب عليه النقد الراديكالي، وهو نمط يأس ومهزوم بكل ما تعني الكلمة من معنى، حيث يأس من كل مستقبل، تمرد وطالب ايضا بنسف التراث بكل ما فيه وبنفس الوقت هو لم يقدم حلول، وطبعا هذا النموذج لم يهزم فقط بسبب النكسة، بل على العكس من ذلك احداث النكسة عززت هذا الشعور، في مطلع الثمانينات ظهر نمط اخر وهو نمط واقعي وسيمي (بالمثقف البديل أو البدائلي)، هذا النمط طالب بإعادة تقييم النظريات النقدية، التي لخصة المشكلات المجتمعية ومن ثمة امكانية وضع الحلول، ولكن لم يحالف النجاح هذا النمط لان الانهزامية لا زالت موجودة في داخل النفس الفكرية العربية".

"النمط الثالث وبمرارة شديدة لا زال مسيطرا إلى الان مسيطر على الوضع الفكري وهو (نمط المقاولين الثقافيين)، هؤلاء يحترفون التنظيرات الجاهزة والمفصلة على مقاييس السلطة والحزبية، مقابل الصفقات والامتيازات التي يسيل اليها اللعاب الفكري حيث لا وقت للتفكير بالمبادئ والقيم والاخلاق، وبمقارنة بسيط بين هذه الانماط الثلاثة نجد أن النمط الثالث هو الحاضر والفاعل والمتفوق، حيث صار للفكر سوق يروج ثقافيا لمشاريع السلطة والاحزاب، ولم يقتصر السوق الفكري على المشاريع المحلية، بل تعدى ذلك بانفتاحه على مشاريع السلطات في عدت بلدان".

"وكما حدث مع المفكرين الذين روجوا للحرب العراقية الايرانية، وبالتالي هم اسهبوا في تمجيد المشروع القومي الضيق لهذه الحرب التي ابادت الآلاف من البلدين، بينما نراهم صمتوا اتجاه قضية هي في صلب القومية العربية ايضا وهي قضية (اجتياح العراق للكويت)، بالنسبة لمفكري الالفية الجديدة او مرحلة ما بعد الربيع العربي، ايضا هؤلاء تماهوا قوميا ومذهبيا مع مشروع الحرب على اليمن، نرى أن اكثرية المفكرين يروجون لفكرة الحرب على اليمن".

"لا شك أن مثل هذه المواقف التي تعتبر مواقف للمساومة، وامام تراجع النمط الفكري الواقعي وتخبط النمط التراجيدي الاول، فان اكثرية الشرائح المجتمعية ستكون هي الاخرى صدى للنخب التي اشترتها السلطات، بالتأكيد سيكون هناك حالة من الفوضى وتتحقق حالة من الاستلاب الحضاري، ويغلب عليها انعدام الطاقة الايجابية وفقدان الثقة بالنفس وعقدة النقص والانهزامية اتجاه الثقافات الاخرى".

وللخوض أكثر في تفاصيل هذا الموضوع تم طرح الأسئلة التالية:

 السؤال الاول: إلى أي مدى تؤدي التبعية الفكرية المؤدلجة الى مجتمع مهزوم وسلبي؟

دوام هذه الاسباب يجعل من الفكر التبعي فكرا مستمرا

 الدكتور حسين احمد رئيس قسم الدراسات الدولية في مركز الدراسات الإستراتيجية في جامعة كربلاء وباحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الستراتيجية "يرى أن الفكر الانهزامي له مسببات كثيرة وهي التي تجعل هذه التبعية مستمرة، هذه الانهزامية اساسها الاول سياسي وذلك لعدم قدرة الانظمة السياسية على بلورة وعي سياسي جمعي، باتجاه بناء الدولة واتجاه التبعية لنظام الدولة وليس للجهات الدينية أو الاجتماعية وتجعل من الادلجة ادلجة وطنية اتجاه الوطن ككل، وبالتالي ان استمرار هذه الانظمة السياسية باللعب على وتر التبعية والانقسام بين النخب السياسية المكونة لهذا النظام، هذا مما يجعل الشعوب ذات تبعية لتلك الجهات السياسية، لاسيما وأن مصالح هذه النخب السياسية تتكرس وتتعاظم اكثر بوجود هذه التبعية".

يضيف احمد "السبب الاخر هو سبب اقتصادي وهذا مهم جدا وهو يشغل بال الفئات الشعبية، فالأنظمة الاقتصادية للأسف انظمة ليست ذات فلسفة واطار واضح تجعل من المواطن يؤمن بان هذا النظام الاقتصادي هو نظام للمصلحة العامة وليس للمصالح الخاصة، ايضا سبب اخر وهو السبب الثقافي الذي يجعل الشعوب منقسمة على نفسها، لذلك نعتقد أن دوام هذه الاسباب يجعل من الفكر التبعي فكرا مستمرا، ويجعل من الشعوب شعوب ذات فكر انهزامي".

سببين للتبعية الاول سياسي واخر اقتصادي

الاستاذ حامد الجبوري باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية "يتصور وجود سببين للتبعية الفكرية الأول ديني والاخر اقتصادي، بالتالي نتيجة انخفاض العامل الديني خصوصا وأن هناك نوع من التوأمة ما بين السلطة الدينية والسلطة السياسية، فكل ما تكون السلطة الدينية تعمل على توعية المجتمع باتجاه النظام السياسي، حتى نخلق نظام كفوء يحقق تطلعات وطموح للشعب عندها نضمن عزل الشعب عن التبعية الفكرية، ايضا تراجع العامل الاقتصادي سيؤدي بنا الرجوع للسلطة الدينية أو للسلطة السياسية على امل تلبية مطالبنا".

الهزيمة تصنف إلى نوعين محمودة ومذمومة

 الاستاذ علاء محمد ناجي كاتب بشبكة النبأ المعلوماتية "يرى أن بعض العلماء يصنفون فكرة الهزيمة إلى نوعين وهما (تبعية محمودة وهي تبعية اهل البيت عليهم السلام) وتبعية اخرى مذمومة، وهي تأتي عن طريق الغزو الفكري الذي اوجد ظاهرة الالحاد، اضافة إلى ذلك ضعف العامل الفكري ناهيك عن غياب العدالة الاجتماعية في كافة المؤسسات، اما بخصوص فكر الهزيمة فتسعى الدول العظمى إلى بناء استراتيجيات عميقة من اجل النيل من الخصوم من جراء تنمية فكر الهزيمة الطرف بالمقابل".

هناك فرق شاسع ما بين التبعية الفكرية وما بين الانفتاح الفكري

حيدر الاجودي باحث في مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية "يعتقد أن النفس الانسانية بطبعها تميل نحو الهدوء والسكينة وعدم المواجهة الفكرية، بالتالي فإن فكر الهزيمة ليس بحاجة إلى نظر أو فك الغاز لأنه واضح على وجوه المنهزمين، السؤال هنا كيف يتم تحصين المجتمع من الافكار الانهزامي وكيف تتم مقاومته، فمتى ما ضعفت الجبهة الداخلية تضعف على اثرها جميع الجبهات، اما ما يخص التبعية الفكرية فهو مرض خطير وفتاك لأنه يستهدف المناهج التعليمية والفكرية والتربوية والحياة الاجتماعية".

اضاف الاجودي "فعندما نقول التبعية الفكرية يذهب العقل نحو اتباع الثقافة الغربية، وهذا خطأ فادح لأنه هناك فرق شاسع ما بين التبعية الفكرية وما بين الانفتاح الفكري".

الافكار الوافدة والمستوردة لا تدعو إلى الهزيمة

 محمد علي جواد تقي مدير تحرير مجلة الهدى "يرى أن الافكار الوافدة والمستوردة لا تدعو إلى الهزيمة بل على العكس من ذلك هي متفائلة ومنفتحة على الآخر، لكن المشكلة الاساس تتركز كون تلك الافكار لها مناخات خاصة واجواء خاصة تنمو من خلاله، لذا هي عندما خاطبت النفس الانسانية التي تعيش في اجواء مغايرة صيرت تلك النفس وهزمتها من الداخل".

الاختراق سيخلق مجتمع سلبي ومهزوم

كمال عبيد مدير تحرير شبكة النبأ المعلوماتية "يعتقد أن فكر الهزيمة الذي ينتج التبعية الفكرية جاء من عاملين اساسيين وهما (العولمة والحرب النفسية) وتتفرع منهما مفاهيم أخرى (الحداثة والتغريب)، بداية العولمة هي عبارة عن (صورة من صور الاستعمار الفكري تقوم على اختراق المجتمع واستبدال الاصالة بقيم جديدة)، وبالتالي هي تقوم بتشويه الافكار القائمة في المجتمع من خلال مجموعة ذرائع وحجج جاذبة كالحرية المطلقة وطرح الافكار واشاعة الثقافات، وهذا اشبه ما يكون بدس السم بالعسل، وهنا يمكن أن نأتي على ذكر مدى خطورة الهزيمة الفكرية التي تنتتج التبعية الفكرية".

 اضاف عبيد "وهي تأتي من جانبين الجانب الاول هو اختراق المجتمع بقيمه وعقائده وكذلك اختراق المؤسسات الاجتماعية والتعليمية، وهذا الاختراق سيخلق مجتمع سلبي ومهزوم، لذا فإن السؤال الاهم هنا كيف نتحرر من التبعية الفكرية".

الفكر الانهزامي هل ينتجها المؤثر أم المؤثر عليه

قيصر حمد، مشاور قانوني ومسؤول الشعبة القانونية في دائرة صحة كربلاء المقدسة "يسال من هو ينتج التبعية ومن هو ينتج الهزيمة وتلك الافكار الاخرى، فهل ينتجها المؤثر أم المؤثر عليه، بالتالي المجتمع لا ينتج فكر الهزيمة ولا ينتج التبعية بل المؤثر هو الذي ينتج تلك التصورات ونعني هنا المفكر أو السلطة، وذلك لأنه يمتلك ادوات متكاملة للتحكم في تلك المجتمعات، ففي كل دول العالم المجتمعات لديها نسبية فيما يتعلق بالوعي العام، بالتالي ففي مجتمعاتنا العربية ولله الحمد تمتلك فكر الهزيمة اكثر من غيرها".

يضيف حمد "والسبب يعود هنا للحاجة البيولوجية والمادية والمجتمعية والنفسية وإلى اخره من الحاجات التي يحتاجها الانسان العربي كي ينتج وعي كامل، لذلك من السهل جدا أن يأتي الفكر ونزرعه في ذلك الوسط، لذا فهل هناك فكر مغاير لكسر تلك الافكار الانهزامية ام لا يوجد، ففي كل دول العالم عندما تظهر افكار انهزامية تتوفر هناك اصدارات لكسر تلك الافكار، فعلى سبيل المثال هتلر والنازية وعندما وصلت إلى مرحلة من الرقي والثورية في احتلال العالم، كان هناك فكر انكساري في بعض مراحلها وانتجوا فكرة جديدة اسمها (الامة)، فهل نحن في الامة العربية ننتج فكر مغاير ونستطيع تصديره بشكل يناهز الفكر الانهزامي".

التبعية السيئة وعدم معرفة القيادة الحقيقية هي التي تنتج الهزيمة

الباحث عدنان الصالحي، مدير مركز المستقبل للدراسات الإستراتيجية "يتصور أن الهزيمة تنتج من التبعية غير الصالحة، وبالتالي فإن القيادة الطالحة هي التي تقود شعوبها إلى الهزيمة وتصورها بانها انتصارات، فكم من المعارك التي دخلت بها الشعوب الاسلامية وخرجت بمآسي وخرج الحكام يتحدثون عن انتصارات بقائهم على الكراسي، وهذه المعركة تشكلت منذ وجود الانسان على الارض، لذا فنحن تركنا القيادات الصالحة واعتصمنا بالقيادات الطالحة التي تجرعنا سم العزيمة، بالتالي فإن التبعية السيئة وعدم معرفة القيادة الحقيقية هي التي تنتج الهزيمة".

مشكلتنا في التبعية باننا مجتمع يتبع او يقلد جيداً

الدكتور علاء إبراهيم الحسيني التدريسي في كلية القانون بجامعة كربلاء، والباحث في مركز آدم "يعتقد أن التبعية تسبق الهزيمة وذلك على اعتبارها هي المقدمة الحقيقية التي تؤدي حتما إلى الهزيمة، لذا فإن جذور التبعية هي ضاربة في العمق وهي لا تتوقف عند نكسة حزيران، وان سببها الرئيس هو العوز أو الفقر أو النقص لنوع معين، فمثلا التبعية الفكرية هي عدم امتلاء الشخص فكريا، التبعية الاقتصادية هي عدم تمكن هذا الشخص أو هذا المجتمع من استثمار موارده، التبعية السياسية هي عدم تمكن هذا المجتمع من قيادة نفسه بنفسه فيحتاج إلى النصح والارشاد".

اضاف الحسيني "مشكلتنا في التبعية باننا مجتمع يتبع او يقلد جيداً، لكنه لا يبتكر ولا يحرص على اظهار مكامن القوة التي يمتلكها، فلو رجعنا إلى الوراء قليلا وتساءلنا عن اسباب التبعية التي يمكن الوصول اليها من خلال معركة الطف التي اراد الحسين عليه السلام ان يتغلب على الفكر الانهزامي، ايضا الدولة العثمانية رسخت هذا المبدأ عند الشعوب العربية وانها لابد أن تبقى تابعة للسلطان العثماني، ولما جاء الفرنسيين والانكليز حاولوا ايضا استثمار هذا المعنى من زاوية اخرى، وبعدها دخلنا في التبعية الاستعمارية والاستكبارية منذ العام (1917) وإلى الان لم نخرج ولن نخرج منها، ما دام هناك تبعية وما دام هناك شعوب تتقبل الافكار الوافدة على علاتها دون تمحيص".

الاستعمار يبدأ من النفس

الشيخ مرتضى معاش المشرف العام على مجلس إدارة مؤسسة النبأ للثقافة والإعلام "يتصور أن الحرب الثقافية التي تسير في العالم هي تعتمد على هذا المبدأ، وذلك على امل الاستفادة من القيم السلبية المترسخة في ثقافة الشعوب، ومن ثمة استثمارها بشكل ملموس من اجل تحقيق التبعية السياسية والاقتصادية، واليوم لاحظنا ذلك من خلال السلوكيات الوافدة اليها وهي تكاد ان تتمظهر على شكل قصات الشعر والملابس والطعام والاحتفالات والاعياد واستيراد المناهج التعليمية، وهذا يدل على الاستلاب الكامل لحضارتنا وقيمنا".

يضيف معاش "فالاستعمار يبدأ من النفس ويتشكل من خلال الاستعمار الذاتي، بالتالي من الاسباب الرئيس لفكر الهزيمة هو الشعور بالضعة الذاتية، لذلك نحن عندما نستورد نستورد السلبيات، ايضا سبب من اسباب الهزيمة في بلادنا هو الاستبداد الذي يجعل الشعوب مقموعة غير قادرة على انتاج نفسها وارادتها الحرة وبالتالي تصبح مستلبة الذات، الشيء الاخر هو فشل مناهجنا في عملية تجديد مناهجها الذاتية، وهذا مما جعل شعوبنا امام خواء ثقافي سهل عملية استيراد الثقافات الغيرية، خاصة وان غالبية المناهج التعليمية هي مناهج غربية لا سيما تلك التي تعنى بالجانب الاقتصادي والقانوني وعلم الاجتماع، وهنا بطبيعة الحال تتشكل الهزيمة وتترسخ التبعية".

يكمل معاش "لذا ومع الاسف الشديد فان قيادتنا ونخبنا تمارس هذا الدور، وذلك من خلال الاصطفاف مع المصالح الشخصية وبالتالي هي تنتج واقع يائس ومحبط، والاحباط لزاما ينتج الهزيمة والهزيمة تنتج التبعية، فعلى على هذا الاساس لابد على النخب والقيادات أن تبدأ بقراءة الواقع ومحاولة الاستفادة من قيمنا الذاتية، حتى نستطيع خلق فكر الانتصار ومن ثمة الاستقلالية".

الانسان في طبيعته يحتاج إلى تبعية وإلى قيادة وإلى تأسي

الشيخ مصطفى محمدي رئيس قنوات الامام الحسين العالمية "يظن أن التبعية ليست على الدوام هي سلبية، بل الانسان في طبيعته يحتاج إلى تبعية وإلى قيادة وإلى تأسي، ومن خلال ذلك نجد القرآن الكريم والاحاديث النبوية طالما يحثنا على حالة التأسي بالرسول الكريم (ص) وبالأولياء الصالحين، وهناك حديث نبوي شريف يقول (صنفان من أمتي إذا صلحا صلحت الأمة وإذا فسدت فسدت الأمة السلطان والعلماء)، فالمشكلة مشكلة السلاطين والعلماء".

يضيف محمدي "هناك ايضا رواية شريفة عن الامام علي (ع) يقول فيها (ذا تركتم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، سلط الله عليكم سلطاناً ظالماً لا يبجل كبيركم ولا يرحم صغيركم، ويدعو خياركم فلا يستجاب لهم، وتستنصرون فلا تنصرون، وتستغفرون فلا يغفر لكم)، الحالة هنا حالة دورانية فالشعوب تترك الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، بالنتيجة القادة يكونون من اشرار الخلق، لذلك ظاهرا افضل الحلول هي تثقيف الشعب وتثقيف الناس والامر يبدأ من الاطفال صعودا، وبالتالي الشعوب هي نفسها من تحل مشاكلها، الشيء الآخر الذي لابد من الوقف عنده هو فصل السلوكيات الشخصية عن الانتماء العقائدي والديني والمذهبي".

الانهزامية تفرض اليوم على الشعوب العربية بالقوة

الدكتور عباس فاضل رسن التميمي التدريسي في جامعة أهل البيت كلية السياحة "يدعو إلى البحث عن المثقف الحقيقي ودعمه من اجل نشر الفكر الثقافي الحقيقي، اما اولئك الذين يكونون جزء من فكرة وعاظ السلاطين فيجب ابعادهم، الفكرة الاخرى الانهزامية تفرض اليوم على الشعوب العربية بالقوة وليس بالأفكار، وحتى لو رفضت الشعوب فهي ليست قادرة على أن تكسب حريتها في التعبير عن الرأي، فهذه الصورة عن الشعب العربي هي صورة مفروضة، فعلى سبيل المثال الشعوب الاسلامية اليوم مستهدفها في كل شيء في اخلاقها في نظمها الاقتصادية والاجتماعية، لذا يتحتم علينا نشر الوعي الوحدوي والثقافة الوحدوية".

نظرية المؤامرة ايضا تكاد أن تكون مؤثرة في الفكر الانهزامي

الدكتور قحطان الحسيني، الباحث في مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية، يجد "إن الشعوب العربية والاسلامية تمر بمرحلة من الاحباط من جراء الهزائم المتكررة، لذا فإن فكر الهزيمة هو نتاج نظري للامة، هذا الانتاج يكون مترافق مع السلوكيات التي تكرس بعض عناوين الضعف والعجز وغياب القدرة على التطور في كل المجالات، وبالتأكيد هذا السلوك يؤدي إلى انحدار حضاري في كل الميادين، مما يجعل هناك فجوة واسعة جدا بين الشعب المنهزم والشعوب الاخرى التي تشعر بالانتصار والتي تمتلك القدرة على الابداع والابتكار، وبهذا التوصيف يمكن القول بأن فكر الهزيمة هو الوجه الاخر للإحباط".

اضاف الحسيني "وهذا الاحباط هو نابع من عوامل عديدة منها الهزائم المتكررة وعبر مراحل تاريخية متعددة، وممكن أن تتعرض لها الشعوب خاصة هزائم في مجال (الحروب/الاقتصاد/الفكر الاجتماعي)، ايضا عامل اخر هو الحكومات المستبدة كونها تفرض العديد من القيود على الشعوب، حتى تضمن الاستمرار والبقاء في السلطة وتضمن الولاء المطلق، ايضا الثقة بالنفس تكاد تكون غائبة في المجتمعات المنهزمة، وهذا عامل مهم جدا لأنه يكون مانع بين الانسان والقدرة على التغيير وعلى الابداع وعلى التفكير، انقسام المجتمع على نفسه ايضا عامل يضاف إلى تعزيز الفكر الانهزامي، وتهيئة الاجواء لبروز مجتمع منقاد وتبعي تبعية سلبية".

يكمل الحسيني "غياب الاعلام الحر الذي يروج لفكرة لابد أن يكون الإنسان حر نير، كل هذه العامل خلقت لدينا فكر انهزامي في مجتمع غير قادر على العطاء، وبالتالي كل توصيفاتنا تكاد ان تنحصر في الجانب النفسي، لذا فإن فكر الهزيمة يشبه بانه مرض نفسي وهو بحاجة إلى علاج نفسي قبل كل شيء، خصوصا اذا ما شخصنا المنهزم بأنه عادة ما يرفض الهزيمة، وهذه هي اساس المشكلة فعندما يعترف بالهزيمة ممكن أن يتكيف مع الهزيمة، ولكن الشعوب العربية ترفض هذا الاعتراف وتحاول أن تخلق من الهزيمة انتصارا وهميا، لذلك فهو يعيش في عالم وهمي وافتراضي، نظرية المؤامرة ايضا تكاد أن تكون مؤثرة في الفكر الانهزامي، فعادة الشعوب المنكسرة تحاول أن تبرر فشلها بإيجاد اعذار واهية".

السؤال الثاني: هل تستطيع المنظمات المستقلة الحد من ظاهرة التبعية الفكرية؟

الدكتور حسين احمد: "يعتقد بضرورة تحديد هوية الامة والمجتمع والدولة بشكل عام، بالتالي نستطيع أن نشكل منظومة قيمية جديدة، المنظمات المستقلة لها الدور الجزئي بالإضافة إلى اداور جهات اخرى كالأعلام والجهات الاكاديمية والمؤسسات الثقافية، النظام السياسي يعتبر هو الراعي الاول لتحديد هوية الامة شريطة أن تنطبق وتنسجم مع تاريخ وتراث وثقافة هذه الامة بشكل عام، وهذا الامر بالتأكيد يعتمد على مجموعة عوامل منها دور هذه المنظمات، وايضا ايمان الافراد بهذه المنظمات وهذا الدور، والجنبة الاخرى هذا الدور ليس انفرادي وانما هناك حلقة متكاملة من جهات متعددة، لكن بدون اعلام لن تحصل على مبتغاها، بالتالي فان الدور دور تشاركي بين الجهات المعنية".

حامد الجبوري: "يرى بأنه من غير الممكن على المنظمات المستقلة العمل على تحقيق الاستقلال الفكري، الذي هو عكس التبعية الفكرية ما لم نتخلص من التبعية الاقتصادية، لذا الحل يكمن في الوصول إلى الاكتفاء الاقتصادي والتخلص من الاقتصاد الريعي خصوصا في العراق".

علاء محمد ناجي: "يؤكد على وجود اربعة نقاط يمكن من خلال المنظمات المستقلة التخلص من التبعية الفكرية، النقطة الاولى التغلب على حالة القهر والخوف النفسي، النقطة الثانية تعزيز الوعي الثقافي، النقطة الثالثة تغيير المناهج حتى تتلائم مع تفكير الفرد العراقي، النقطة الاخيرة والاهم هي الثقة بالنفس".

محمد على جواد: "يجيب بنعم بإمكان المنظمات المستقلة أن تقاوم فكر الهزيمة وتنشر فكر الانتصار، بالإضافة إلى ذلك بإمكانها أن تتوحد مع الجهود الاخرى في المؤسسات الاعلامية والدينية في الحوزة العلمية فضلا عن المؤسسات الاخرى، وهذا ما لمسناه فعلا من خلال فتوى الجهاد الكفائي التي غيرت المعادلة، التي اعتاد عليها الشعب العراقي وبرع بها وهي اليأس والاحباط".

علي حسين عبيد: اديب وكاتب "يرى بأننا لدينا تجربة سيئة وحافلة بالأخطاء بالنسبة لما تقدمه المنظمات من دعم للمثقفين، وهناك امثلة كثيرة تتصدر المشهد العراقي لاسيما وأن هناك العديد من وسائل الاعلام لا تمنح من يعارضها بالفكر اي مبلغ في حين تكيل مبالغ مجزية لمن يتفق معها، بعض المؤسسات تستخدم ذات الفكرة اما أن تكون معي أو انت ضدي، ولهذا فتجربة المنظمات المستقلة فاشلة في العراق لحد هذه اللحظة على اقل تقدير".

المحامي زهير حبيب الميالي: "يعتقد أن منظمات المجتمع المدني لها دور كبير في تعزيز روح الارادة لدى الفرد والابتعاد عن الهزيمة، وبالتالي هي مطالب بالمزيد من الخطوات من اجل سحق روح الهزيمة، وهذا ما سعت اليه من المؤسسة الدينية من خلال تنمية روح التضحية والبناء وجعل الارادة الوطنية غير مستسلمة ومنهزمة امام قوى الشر".

كمال عبيد: "يجد أن المسؤولية مشتركة وأن الحد من التبعية الفكرية سيكون نسبيا، بالتالي اذا عملت المنظمات المستقلة على العناية بقادة الرأي والفكر والعلم وعلى المستوى المادي والمعنوي، يمكن من خلال ذلك تقديم افكار وقيم جديدة على أمل أن تخلق تلك الخطوة جيل مستقل فكريا، ايضا ومن اجل الخروج من نفق الهزيمة لابد التصدي لموجة الاغتراب داخل الوطن وموجة الاحباط، على الجانب الاخر لابد على القائد والمفكر أن يتحول من متأثر إلى مؤثر وصانع لأفكار وقيم جديدة تقوم على الاستقلالية المسؤولة، وعلى المنظمات المستقلة تقع مسؤولية في تغيير الصورة النمطية وجعلها ايجابية، من اجل أن تحيي الاصالة والقيم الاسلامية والاجتماعية على نحو واحد".

قيصر حمد: "يرى أن هذه المنظمات المستقلة تعمل في مجتمعات تمتلك رصيد ثقافي ورصيد من الديمقراطية، فهي بالتأكيد تمتلك هذا الدور في فكر الهزيمة، اما المنظمات المستقلة التي تعمل في مناطقنا الشرق اوسطية والبسيطة في افكارها جدا، هي لا تمتلك هذا الدور بشرط واحد الا اذا كان لديها واعز روحي وفيما يتعلق بالمسائل الدينية".

الدكتور علاء الحسيني: "يرجح حقيقة التمييز بين مجتمعين وهما مجتمع سياسي ومجتمع اخر مدني، فالمنظمات في المجتمع السياسي عملها الدؤوب هو تكريس فكر الهزيمة والتبعية من خلال السوط والدينار، المجتمع الاخر هو المجتمع المدني وفيه الكثير من المنظمات ومنها منظمات مستقلة وهناك منظمات شبه مستقلة وهي تابعة إلى الدولة كالنقابات والاتحادات والجمعيات، وهذه اغلبها مؤسسة بقوانين وهي تابعة إلى الدولة ولا يمكن التعويل عليها كثيرا، بل ربما المراكز البحثية المنظمات غير الحكومية قد تكون هي المعول عليها فكريا، بالتنظير للتخلص من هذا الفكر الذي يأتي على الافكار الايجابية ويحولها إلى افكار سلبية".

يضيف الحسيني "وهو بطبيعة الحال يثير في الشخص الضعف والوهن وعدم القدرة على التغيير الحقيقي، لذا نحن نحتاج اليوم إلى منظمات حقيقية تثير العناصر الايجابية في النفس الانسانية وفي المجتمع الانساني ولا تركز عل الجوانب السلبية، فلو اخذنا القنوات الاعلامية والمؤسسات الاعلامية مثالا، فمن تدعي الاستقلالية منها مثلا نجدها تركز على العناصر السلبية في المجتمع، وهي تحاول أن تبرز العناصر الاجتماعية السلبية كالعشائرية القبلية الممارسات غير الانسانية، لكنهم بالمقابل عنما يأتون إلى السياسية يركزون على اشخاص معينين وهيئات معينة لأنها لا تنفق عليهم، وبالتالي تلك المؤسسات لا تمتلك رسالة حقيقية".

الشيخ مرتضى معاش: "يشخص احد مظاهر الاستلاب الذاتي وفكر الهزيمة هو اندماج البعض في مجتمعات غيرية، واصبحوا ادوات قوية في ممارسة القمع والتسقيط ضد مجتمعاتهم، وهذا الاندماج والذوبان الكامل هو ذوبان ثقافي عقائدي بحيث ادى إلى استلاب كامل للفرد، وهذه هي نتيجة المستقبل في حال لم نتحرك نحو التصحيح، وبالتالي كل المؤسسات بما فيها الحكومية أو غير الحكومية وحتى تلك المرتبطة بالحوزات العلمية أو الجامعات ومراكز الدراسات والبحوث، كلها لها دور في عملية بناء الاستقلالية وبناء فكر الانتصار".

اضاف معاش "فاليوم عندما تكون الجامعات والحوزات والمدارس كلها تابعة للدولة، وعلى هذا الاساس فهي تكون تابعة وتعيش حالة من العبودية، لذا نحن نحتاج أن نجذر الاستقلالية في هذه المؤسسات وهذه المنظمات حتى تستطيع أن تخلق منتجا صحيحا وسليما، اليوم مراكز الدراسات والبحوث والمؤسسات الثقافية والاعلامية لها دور كبير في عملية بناء الاصالة وبناء التحديث الذاتي، فاحد اسباب الهزيمة هو فشل التحديث الذاتي وعندها تلقائيا نذهب نحو التحديثات الخارجية، بالتالي نحن نحتاج إلى بناء التحديث الذاتي والتأصيل وبناء المناهج الاقتصادية والسياسية والتعليمية الصالحة للامة وليست المستوردة".

يكمل معاش "لذا لا يمكن استيراد التصورات والافكار من بلد لأخر لان القيم والسلوكيات تختلف، فعلى هذا الاساس فإن المنظمات والمؤسسات لابد أن تؤكد على الاستقلالية وعلى التحديث الذاتي لمناهجنا وافكارنا وقيمنا الثقافية".

الشيخ مصطفى محمدي "يؤكد على أن المنظمات لها دور كبير في هذه القضية، ولكن بالمقابل نحن نحتاج إلى تربية الشباب المؤمن والمثقف، الذين يستطيعون من ادارة هذه المؤسسات وهذه المنظمات، وعنداك عندما يكون لدينا جيل واعي يستطيع من ادارة تلك المؤسسات، وهذا مما ينعكس تلقائيا على النشاط السياسي والاقتصادي".

الدكتور عباس فاضل رسن التميمي "يرى أنه في حال ضمان استقلالية تلك المنظمات هي تحتاج إلى ثلاثة عناصر (مثقف مستقل/ اعلام مستقل/ نظام سياسي يضمن لها حرية العمل)، وهي تحتاج ايضا إلى التحفيز المجتمعي والحركات الشعبية المستقلة كي تكون مساندة لها، اما التعويل على المنظمات وحدها فقط فهذا الامر غير ايجابي".

الدكتور قحطان الحسيني، يقول "هذه المنظمات على افتراض وجودها يجب أن يكون هناك شرطين لنجاح مهمتها، الشرط الاول هذه المنظمات يجب أن تستكمل شروط الاستقلال الحقيقي في (قياداتها/ رئاستها/ تمويلها/ في النظام الداخلي)، العنصر الاخر في نجاح هذه المنظمات هو تكثيف الجهود واعداد لبرامج فكرية وتوعوية ضخمة، وذلك للحد من فكر الهزيمة والشعور بالتبعية، وهذا الامر بالتأكيد يحتاج لمبالغ ضخمة ومن يوفر تلك المبالغ هو حتما مدفوع بأجندات وسياسيات معينة وعندها سندور في حلقة مفرغة".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1