في احدى أيام الشتاء الباردة وأنا في طريقي الى المنزل سمعت حس أنين وصوت يرتجف من إحدى المنازل القديمة التي خلت من الأبواب والسقوف، والتي أوشكت على السقوط، فأثارني الفضول لأعرف من يسكن هذا البيت يا ترى؟!

دخلت الى المنزل وشعور الخوف يعلوني، يتصببُ عرقي رغم شدّة البرد، التَفَتُ يميناً ويساراً فلم أجد أحداً فهممتُ بالخروج، وإذا بي أرى طفلةً صغيرة قد التجأت إلى زاوية خاوية من زوايا المنزل العتيق، قد لوّن السواد وجهها وتمكن التراب من اختراق شعرها، منظرها ومنظرُ منزلها أكدَّ لي أن حياتها كانت جميلة، فالورود التي حولها احنتْ رأسها الى التراب وسُلِبَ منها بُهرجها، أما الأرض فقد ابتلعت عشبها والتجأت الى وضعيةِ التشققِ والانهيار، فملابسها قد بَدَت جميلةً من بعيد مزينة بالزُمُردِ والياقوت، ولكن عندما اقتربت رأيتها ممزقة مهشّمة وأحجارها قد فقدت شكلها البرّاق وسُرِقت منها طاقتها. هرولت نحوها وجلست بجانبها، ما بكِ يا صغيرتي؟

سؤال خرج مني بعشوائية لهول المنظر، احسستها فرحت بقدومي فجلست استمع لها، فقالت: من أنتِ؟ فَقُلْتُ: أنا من سكّان هذه المدينة سمعتُ صوتك وكأنما دعاني للدخول إليكِ، فابتسمت ابتسامةَ حزنٍ وقالت: أنا كنتُ كنزٓ كلِّ إنسان عربي يتخذني سلاحه البتّار الذي يحامي به عن نفسه، أعيش في كل تفاصيل حياته، كان يستخدمني في لسانه وفي قلمه، فهل عرفتي من أنا؟

سرحت في كلامها قليلاً تأخذني الأفكار يميناً وشمالاً وفجأة! عيناي لامست عينيها، نعم انها هي.. أي والله هي.. هكذا قال لي عقلي ...انها لغتنا العربية التي تربعت في كل تفاصيل حياتنا من الألف الى الياء ولكن من الذي فعل بكِ هكذا؟

فأجابتني انهم البشر ذاتهم أنكروا فضلي ورموني في هذا البيت المهجور، اتخذوا من الأحاديث الهزلية لغةً لهم، وأصبح تفاخرهم في لغات غيرهم، طأطأتُ رأسي وخجلتُ من نفسي فأنا أحد الافذاذ الذين تتكلم عنهم، حاولتُ إخراجها فرفضت ونأت بوجهها عني وقالت: لن أخرج إلا أن يتفق المجتمع العربي على إخراجي، ولكن نَحْنُ نعلم (اتفق العرب على ان لا يتّفقوا).

خرجت وأنا ألوم نفسي وأعاتبها أهكذا نُجَازِي لغة الرسول الكريم وهو الذي ضحّى من أجل أن يهدينا الى الطريق القويم؟ أهكذا نُجَازِي لغة أجدادنا الذين أورثونا كل الصفات الطيبة التي نفتخر بها امام العالم؟! وهي اللغةُ التي نزل بها القرآن الكريم ليوحدَ العرب. ولقد عرَّفها علماءُ النفس بأنها (شكل من أشكال التعبير اللفظي وغير اللفظي الذي يرثه الفرد من مجتمعهِ فهي الجزء الاجتماعي من عملية الكلام أو هي مظهرٌ اجتماعي يُستَخدم للتواصل أو التفاهم بين أفراد الأمةِ الواحدة)، فلقد ذكروا بأنها صفةٌ وراثية يتغذّى بها الفردُ من مجتمعهِ اي انها تعني "الانتماء" فإذن اللغة هي الانسانُ والوطنُ والأهل، والشخصُ الذي ينكرُ لغتهُ ويستبدلها بلغات أخرى ينكرُ ذاتهُ ووطنهُ وأهله، وكثيرٌ من الأشخاص يعتقدون ان ترك اللغة العربية هي ثقافةٌ ورقي ويتفاخرون بإدخال كلمات أجنبية إلى لغتهم، والبعضُ الآخر يضحكُ ويسخر من الذين يتكلمون اللغة العربيةِ الفصيحة ظاناً بأنها لغة أيام الجاهلية.

لا يعلمون بأنهم بأفكارهم المتخلفةِ هذِهِ يعيشون الجهل بحد ذاته ولكن سيكتبُ التاريخ إنَّ أُمَّة الرسول قد اختلفوا فيما بينهم فدّمروا أوطانهم وتركوا لغتهم وثقافتهم ليتعلموا ثقافة الأغراب التي لا أصل لها منذُ القِدَم.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
0