ثقافة وإعلام - أدب

وتبقى اسباب الأمل

قصة قصيرة

أشار الطبيب المختص الى احد الاسرة في ردهة الكسور وهو يحدث طلبته الملتفين حوله قائلا:

" هذه الحالة لمريض تعرض الى صعقة كهربائية متوسطة الحدة، طرحته أرضا فتصدع عموده الفقري ولكن قلبه تعافى بسرعة ... سيبقى تحت المراقبة ثلاثة ايّام اخرى، وبعدها نتخذ قرارا بشأنه .. "

تقدم خطوتين الى الأمام وتوقف عند سرير اخر وأردف:

" هذا الشاب تم نقله إلينا صباح اليوم بعد تعرضه لحادث سيارة .. تسببت الصدمة في انبعاج قفصه الصدري، وتضرر الرئتين وكدمات بالراس لم تؤثر على الدماغ لحسن حظه .. لم يفقد الوعي تماما ..ولكن حالته قد تتغير ... بعد ساعتين ستعودون الى هذا المكان لوحدكم وتراجعون الصور الشعاعية وتحليلاته، بعد ان تصل من المختبر ونتناقش حولها في مكتبي ..."

واصل الجميع جولتهم بين اسرة المرضى، وهم يتوقفون عند كل حالة مستمعين الى ملاحظات الأستاذ، ثم تفرقوا بعد خروجهم من الردهة، كي يستأنفوا درسهم الميداني بعد فترة الغداء في منتصف اليوم .

جولات الطلبة بين المرضى بغياب الاستاذ لا تاخذ شكلها المألوف كما هو الحال عند وجوده... فهي غالبا ما تكون سريعة وتتعلق بتنفيذ التوصيات حول الحالات المطلوب مراجعتها بسبب أهميتها للدرس ...

وقف الجميع مرة اخرى عند سرير رقم ٣ حيث يرقد كريم الذي ما ان دخل عقده الثلاثيني، حتى فجعه القدر، بصدمة سيارة نقلته من عالم الحركة والحيوية والعمل والامل، الى واقع السكون، في احدى غرف مستشفى المدينة، بانتظار المجهول.. تناولت زميلة لهم لوحة البيانات المعلقة على الطرف الاخر من سريره .. سألته عن اسمه، فأجابها بصوت خافت دون ان تصلها إجابته، ولكنها أعادت عليه السؤال، مرة اخرى كي تتقصى قدرته على الاستجابة للمحيط الخارجي .....تطلع بصعوبة الى ملامح الطلبة المجتمعين حوله، وبدلاتهم البيضاء الناصعة وقصات شعرهم الأنيقة ... ثلاثة شباب ظهرت عليهم علامات النباهة، ولكنهم اصطفوا في نسق واحد يتشاورون ويتهامسون في امر بينهم، غير مبالين بما تقوم به زميلتهم من توثيق لحالة المريض الراقد أمامهم..

وقع بصره عليها فرآها اقصرهم طولا ولكنها بدت رشيقة، واكثر نعومة و عناية بمظهرها من النساء المتواجدات في القاعة .. وجهها الأبيض المطوق بحجاب وردي اللون، يجعلها منيرة حولها، وخدودها المطلية بطبقة خفيفة الحمرة تكسبها جاذبية ملفتة للنظر.

أجابها بصوت مسموع هذه المرة: كريم حسن ياسين فقالت : "ان شاء الله خير" ثم استدارت تناقش زملائها باللغة الانجليزية، حول نتائج الفحوصات وهي تمسك بلوحة البيانات فقال لها احدهم ممازحا باللغة نفسها:

"ستتزوجين شابا مثله !!!"

حدقت به باحتجاج وابتسامة خفيفة ثم أردفت :

"لهذا المستوى بلغت منزلتي عندك ؟؟ انت لا تستحي حقاً !!!" ... وقبل ان تنصرف تلاقت عيونها بعيونه ولمحت في معالم وجهه، امتعاضاً يدل على فهمه لتفاصيل الحوار حوله... شعرت باكتئاب شديد وحرج وحيرة ..تركت لوحة البيانات على السرير وخرجت بسرعة وخرج الجميع بعدها ..

عاد كريم الى عزلته يتأمل كل شيء حوله، وكأنه يكتشف المكان بعد صحوة تدريجية من اثر الصدمة وعقار التخدير .. طواف الممرضات العشوائي بين اركان الردهة، ووتذمر أهالي المرضى وأصدقائهم من الفوضى التي تعج بها اجواء المستشفى، وهم يشكلون جزءا منها ،وخصوصاً حين يحشرون أنفسهم بين الممرات وحول الاسرة بحجة زيارة المريض، زيادة على روائح الأدوية وسوائل التنظيف الممزوجة بروائح الأطعمة.

كل شيء في هذا المكان بائس و يبعث على القرف الا شيء واحد : الزائرة الرقيقة التي نفخت في هذا الفضاء نفحات من الجمال والحيوية، ولو للحظات، أزاحت بها غشاوة الموت الطاغية وأشباحه التي تملأ المكان.

انتعشت نفسه وشعر بارتياح كبير، أخرجه من هذا الجو الجنائزي، وخصوصا، حين استرجع ملامح وجهها الرقيقة وعينيها الداكنتين اللامعتين ، وابتسامتها المحتشمة ، وهي تحدثه كطالبة جميلة بهيئة طبيبة مكتملة... جوانب عدة فيها، ممتعة، الا جانب واحد يثير في داخله، مشاعر الانقباض والشفقة عليها : حالة الزهو وسلوكها المتعالي نحوه، وربما نحو غيره من المرضى..ما زالت كلماتها الاخيرة مع زميلها التي اطلقتها بلغة انجليزية ركيكة ترن في أذنه :" لهذا المستوى بلغت منزلتي عندك ؟؟؟ ......." كلمات قليلة ولكنها ثاقبة هبطت عليه، كرشقة سهام نفذت الى أعماقه وسلبت منه عذوبة اللحظات القصيرة ...توقف فجاة عن التفكير ومد يده تحت الفراش وتناول روايته الانجليزية المفضلة " جزيرة الرجل الميت " التي بدا بقراءتها قبل أسبوع واكمل ؛ (انا بكيت أسابيع وأسابيع ، وقضيت أيامي وحيدا في الغرفة.كنت وحيدا وحزينا ورغبت في الموت مبكراً..توقفت عن الخروج مع أصدقائي ولم اكن راغباً برؤية الاخرين.. توقفت عن سماع أغاني جاك روسو ومزقت صوره المعلقة على جدار غرفة النوم ....................)...ثم غرق في نوم عميق ...

وفِي اليوم الاول من الأسبوع التالي دخلت مع زملائها ردهة الكسور وتوجهت مباشرة الى السرير رقم ٣ فوجدت شخصاً اخر ووقفت حائرة ...بادرتها احدى الممرضات : تم نقل المريض الى مستشفى في بغداد، ولكنه أوصى بايصال هذا الكتاب لك... تناولته فوجدت :

رواية جزيرة الرجل الميت للكاتب الانجليزي ( جون ايسكوت)، مع كلمة اهداء على الصفحة الاْولى (أسعدني وجودك ونباهتك ولطفك سيدتي .. تقبلي مني هذه الهدية المتواضعة .. تذكرت وانا اكتب هذه الكلمات، اغنية زيكَي مارلي :

أنا انسان

ألم اعاني منذ زمن بعيد؟

وتبقى أسباب الامل!!

I am a human

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

3