عبدالحسين الهنين

 

تُعــد مؤسسات التصنيف الائتماني شركات مالية خاصة تصدر تقارير دورية تعبّر عما يًسمى بالجدارة الائتمانية لدولة ما أو مؤسسة ما، وتظهر اهمية تقاريرها في أنها تؤثر في ثقة المستثمرين في هذه الدولة أو المؤسسة سلباً أو إيجاباً من خلال بيان قدرتها على الاستدانة من الأسواق المالية .

قبل أيام ثبتت وكالة التصنيف الائتماني العالمية ستاندرد آند بورز (Standard & Poor's Financial Services LLC )، وهي حدى اكبر ثلاث شركات في العالم في هذا المجال، تصنيف العراق الائتماني عند (B-/B) مع نظرة مستقبلية مستقرة ، وهو لا يشكل حافزا مشجعا للاستثمار الاجنبي في الوقت الحالي حيث ان درجة التصنيف تقدم للمستثمرين خارطة طريق لاستثماراتهم في البلد لاسيما في عملية تداول السندات لأنها تحدد بذلك نطاقاً لتداولها في اسواق السندات العالمية بعد تحديد المخاطر. وبرغم ذلك فهي مرحلة مقبولة تتناسب مع واقع العراق الاقتصادي الذي يتوقع ان ينخفض نمو الناتج المحلي الاجمالي إلى مستويات أقل من 2% في 2017 - 2019 نتيجة التأثيرات السلبية لما تقوم به الحكومة من اجراءات في السياسة المالية يقابلها طلب محلي ضعيف على عكس ما تقدمه لنا وزارة التخطيط العراقية من بيانات خادعه اضافة الى اصرار البنك المركزي العراقي على انتهاج سياسة نقدية منحازة للمنتج الاجنبي، لكن الشيء الحسن هو ان العراق دخل قائمة التصنيف الائتماني لأول مرة ليحصل على اول درجة تصنيف ائتماني في تاريخه في ايلول 2015 لكونه لم يكن يمتلك سابقا درجة تصنيف ائتماني بسبب السياسات الاقتصادية الخاطئة والحروب في فترة النظام السابق ثم مرحلة الفوضى المالية بعد 2003 حيث ساد الفساد والهدر عملية ادارة الاموال العراقية .

يُعـد هذا التصنيف منجزاً مالياً للعراق الذي كانت أهم اسبابه الضغط الكبير الذي تمارسه الولايات المتحدة على المؤسسات المالية الدولية لدمج العراق في المجتمع الدولي وخصوصا في التعاملات المالية الدولية. ويمكن ان تشجع هذه الخطوة العراقيين كأفراد وشركات وحكومة في تحسين مستوى العراق الائتماني اذا سلكنا طريقاً راشداً في إدارة الاموال ووضعنا قيوداً افضل على الفساد واذا تحولنا الى شعب يمتلك قدرة جيدة في فهم الارقام.

ولكي نفهم واقعنا الائتماني وتأثيراته يجب ان نفهم معنى التصنيف الائتماني بشكل عام فهو قياس درجة المخاطرة حين التعامل المالي مع شخص أو شركة أو دولة حيث يوفر رؤية واقعية لقدرة الدولة او الاشخاص او الشركات على تسديد القروض التي تم اقتراضها من مؤسسات مالية مانحة وكيفية تقدير نسبة الفوائد اعتماداً على درجة المخاطرة فكلما زادت المخاطر زادت نسبة الفوائد على القروض لأن أهم الأهداف الرئيسة لتقارير التصنيف الائتماني هو إرشاد المستثمر في كيفية حساب العائدات على الاموال التي سوف يستثمرها في صورة قروض لدول او شركات، و يمكن ان يكون التصنيف الائتماني قصير الأجل مما يعبر عن قدرة عالية للدولة أو الشركة أو الأفراد على سداد القروض المستحقة خلال سنة من تاريخ صدور التصنيف، أو قد يكون طويل الأجل وهو تعبير عن قدرة السداد في فترة طويلة ، و هناك العديد من المؤسسات المالية التي تقدم تقارير سنوية عن التصنيف الائتماني لكن أهمها الثلاث الكبار التي تهيمن على سوق التصنيفات في العالم وهم كل من موديز (Moody's) وستاندرز آند بورز وفيتش (Fitch) وجميعها مؤسسات أمريكية.

انخفاض التصنيف الائتماني للعراق يعبر عن قدرة منخفضة للعراق على تسديد الديون، وعندها تكون نسبة المخاطر عالية للإقراض، والعكس صحيح، فعند ازدياد المخاطر تنصح المؤسسات المالية بفرض فوائد عالية على القروض وقد تكون النصيحة بعدم منح القروض اساسا، و يمكن وصف وضع العراق المالي بالمتذبذب أو بين المستقر والقلق وان الحاجة قائمة لاتخاذ اجراءات اقتصادية ومالية راشدة تساعد في انتقالنا الى وضع افضل مستقر نسبيا.

يختلف التصنيف الائتماني من مؤسسة الى أخرى لكن ما يهمنا المؤسسة التي وضعت تصنيف العراق أخيرا وهي (ستاندرز آند بورز) التي اعلى درجة تصنيف لديها هيAAA ، وهذا يعني ان المخاطر تكاد تكون منعدمة تماماً في عملية منح القروض مما يفرض نسبة منخفضة جدا من الفوائد، و يأتي بعد ذلك AA+ ثم AA ثمA+ ثم A ثم A- ، وهذا يمثل المستوى الاول من التصنيف ، اما المستوى الثاني فيبدأ بـ BBB+ ثم BBB ثم BBB- ثم BB+ ثم BB ثم BB- ثم B+ ثم B وأخيرا B- وعندما يكون التصنيف تحت BBB- يكون الاستثمار مرتفع المخاطر مما يفرض فوائد عالية جدا على القروض ( العراق حاليا يقع ضمن هذا المستوى).

اما المستوى الثالث فهو CCC+ ثم CCC ثم CCC- ثم CC ثم C والدرجتان الأولى والثانية تعنيان أن درجة المخاطرة شديدة الارتفاع أما اذا وصل الحال الى CCC- فيعني أن المخاطرة حتمية وان احتمال قدرة المقترض على سداد الديون ضعيفة جدا ، ويعبر المستوى الاخير أ والرابع D عن حالة الافلاس واستحالة قدرة المقترض على سداد الديون . وان الدولة او الشركة التي تقع ضمن هذا المستوى تكون خارج حسابات المؤسسات المالية .

من هذا يتضح ان العراق لازال في وضع مستقر نسبيا وبعيد نسبيا عن مخاطر الافلاس، لكن ذلك لا يشكل عامل اطمئنان مع طبقة سياسية مراهقة في فهم معنى الدولة. ولكي نضمن تحسُّن وضعنا الائتماني يجب ان نعمل على تحسين اداء الاقتصاد العراقي بالانتقال التدريجي من دولة ريعية قابضة على المال والسلطة الى دولة جباية وخدمات يكون القطاع الخاص فيها هو المحرك والقائد الفعلي للاقتصاد. ومن المخاطر المحدقة بنا هي اذا اعتبرنا رأي هذه الشركات في وضع العراق المالي شيكا مصدقا لأثبات اننا بخير فذلك يعني اننا لازلنا لا ندرك حجم المسؤولية في ادارة البلاد ماليا، وذلك لان هذه الشركات قد ارتكبت أخطاء كارثية سابقة، وتعرضت بسبب ذلك الى انتقادات منها المساهمة بشكل جزئي في وقوع الأزمة المالية عام 2008 بسبب تقاريرها التي خفضت حجم مخاطر الاستثمارات في مجال الرهون العقارية بالولايات المتحدة، حيث كان إعطاء مؤسسات التصنيف الائتماني تقييمات غير صحيحة لأوراق مالية سوقتها بنوك أميركية كبرى من بين أسباب اندلاع أزمة القرض العقاري في الولايات المتحدة في عام 2008، والتي كانت الشرارة التي فجرت الأزمة المالية العالمية. كما وجهت إليها أصابع الاتهام في تفاقم أزمة الديون السيادية في منطقة اليورو نتيجة ما أعلنته من تخفيضات متوالية لتصنيف عدد من البلدان المضطربة ، ونتيجة لذلك فقد باشر المدعي العام في ولاية نيويورك في أيار 2010 تحقيقا مع مسؤولين في عدة بنوك كبرى مثل سيتي غروب (Citigroup Inc) وغولدمان ساكس (GS Bank USA) ومورغان ستانلي(Morgan Stanley) بشأن احتمال قيامها بتضليل وكالات التصنيف بشأن الجدارة الائتمانية لسندات متعلقة بقروض الرهن العقاري لتحقيق مكاسب، إذ منحتها تقييمات عالية قبل أن يتبين فيما بعد أنها غير جديرة بهذا التصنيف العالي.

وفي خضم الصراع المالي والاقتصادي الدولي كانت الفرصة سانحه لرئيس مؤسسة التصنيف الائتماني الصينية غوان جيانزونغ لكي ينتقد بقسوة مؤسسات التصنيف الأميركية التي تسيطر على سوق التصنيف لتسببها في الأزمة المالية، مؤكدا أن الصين يجب أن يكون لها رأي في كيفية تصنيف الحكومات وديونها، حيث وصف تلك المؤسسات بأنها مسيسة الى حدٍ كبير وأنها تحابي دولاً غربية وتخالف معاييرها الموضوعة من قبلها كقيود في عملها، لكن قوله في ما يخص الانحياز ينافي ما تعرضت له الأسواق الأميركية والعالمية لاضطراب وموجة هبوط عقب خفض مؤسسة (ستاندرد أند بورز) تصنيف الحكومة الأميركية في حزيران 2011، وكان هذا القرار يعني أن سندات الإدارة الأميركية غير جديرة بالتصنيف الممتاز AAA، ويؤكد أن هناك احتمالا بعدم قدرة واشنطن على سداد ديونها، أو على الأقل بتأخير السداد، حيث عزت ستاندرد أند بورز هذا الخفض إلى عدم استطاعة واشنطن خفض حجم دينها السيادي الضخم، والذي كان آنذاك يساوي ثلاثة أرباع حجم الاقتصاد الأميركي، ومن نتائج هذا الصراع المالي والاقتصادي ايضا زيادة المطالبات في ألمانيا بتأسيس وكالة أوروبية مستقلة للتصنيف الائتماني بغرض التخلص من هيمنة المؤسسات لأميركية، وجاءت هذه الدعوات بعد خفض ستاندرد أند بورز التصنيف الممتاز لتسع دول أوروبية وصندوق الإنقاذ المالي الأوروبي من درجة AAA الى درجة AA.

واخيرا يبقى السؤال المهم: هل نحتاج الى مؤسسات التصنيف؟ والجواب ببساطة نعم من دون تردد، لكن يتطلب الأمر المزيد من الشفافية وتحسين الأداء وصرامة اكثر من الهيئات الرقابية، ويجب ان لا ينظر لهم من قبل الدولة على أنهم يقدمون مقاييس مطلقة للمخاطر، بل على الدولة وضع تقييم خاص بمؤسساتنا المالية ووضعنا الاقتصادي بشكل عام من قبل خبراء عراقيين ماهرين يمتلكون قدراً كبيراً من الاستقلالية والشجاعة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
0