عبدالامير المجر

اتذكر، في العقود الماضية، كان يأتينا بين مدة واخرى، في قرانا المتاخمة للاهوار، اشخاص تبدو عليهم علامات البؤس، وان كانوا بصحة جيدة، لكنهم يرتدون كوفيات زرقاء او خضراء. يجوبون القرى ويطلبون المساعدة التي تتنوع حسب امكانية كل عائلة، اذ يكاد يكون اعطاؤهم المال او غيره، امرا ملزما للعوائل.

ولربما للتباري أي منها الاكثر كرما مع الشحاذين، او(المجادية)! وهي تسميتهم الشعبية الشهيرة .. الشيء اللافت في الامر، هو ان هؤلاء او اكثرهم، بعد ان يجمعوا ما يحصلون عليه من طحين ورز من القرويين، يذهبون الى السوق في المدينة ليبيعوه بدلا من ان يأخذوه لعوائلهم الجائعة حسب ادعائهم، فيما يبقى المال في جيوبهم التي تكبر بعد بيع ما جلبوه ايضا!.

لم يسأل احد من الناس، فيما اذا كان هؤلاء شحاذين بصدق ام مخادعين ونصابين، لان الناس تعتقد ان الذي يريق ماء وجهه من اجل ان تجود عليه الناس بما عندها لا بد ان يكون فقيرا.

بعد ان اتيت الى بغداد، فوجئت بأشخاص يشبهون الذين كانوا يأتون الينا في الريف، وهؤلاء يمارسون (المهنة) نفسها، أي الشحاذة، لكن صدمتي الكبيرة كانت عندما عرفت ان هؤلاء هم من المنحرفين الذين باتوا عبئا على الناس، بعد ان سقطوا اخلاقيا، وصاروا يتفننون في كيفية الحصول على المال، من دون عمل او جهد، لأنهم يمضون الليل في الحانات، بعد ان يستبدلوا ثياب الشحاذين في النهار بثياب اخرى، وينغمسون في ملذاتهم التي يحصلون عليها بهذه الطرق الرخيصة والمهينة، فهم باتوا لا يعرفون معنى للكرامة.. وعرفت ايضا ان الناس، الذين كانوا ينخدعون باللباس الرث للشحاذين القدامى، ظلوا على ديدنهم القديم، يخدعهم النصابون ولو كانوا اصحاء وبثياب جيدة بعد ان يستدروا عواطفهم بعبارات يرددونها بلباقة على ظهر قلب في الطرقات او في السيارات، يحفظونها او يتم تحفيظها لهم، ليتقاطر عليهم المال كل يوم من دون عناء.

تفاقم هذه الظاهرة واستفحالها بشكل غير مسبوق، بدأ مع الحصار الاقتصادي، اذ صارت لها مافيات واسواق ومقاطعات محجوزة لكل جهة، حيث تقف وراء كل مجموعة من الشحاذين (جهات مجهولة) تحجز لهم الاماكن، لا سيما النساء، وتأتي اليهن بالاطفال المخطوفين طبعا، والذين يخدرون ليستلقوا جوارهن بعد ان يتوزعن في اماكن مختلفة من العاصمة التي ضاقت بهذه الظاهرة المدمرة، والتي اصبحت من اخطر الظواهر التي يعانيها المجتمع، ولعلنا نتذكر المسرحية التي اخرجها الراحل قاسم محمد في تسعينيات القرن الماضي، بعنوان

(اب للبيع) على ما اتذكر، وتناولت مأساة رجل كبير اختطف في بغداد ليستجدى به من قبل عصابة في الموصل.

اليوم، باتت هذه الظاهرة تمثل الارهاب الثالث، بعد ارهاب التكفيريين وامثالهم وارهاب الفساد الذي دمر الدولة، وكان من نتائجه استشراء هذه الظواهر التي يثير تفاقمها الريبة، لانها تمارس الآن بحرية، وتتم وفق حلقات متكاملة، ويجب ان يبقى تكاملها مستمرا، لانها صارت مصدرا لجمع الملايين من الدنانير يوميا ... نعم، فهناك نصابون ونصابات بلباس الشحاذين، وخلفهم عصابات لخطف الاطفال لتزودهم بهم باستمرار، لان من غير المعقول ان يبقى طفل صغير حيا لمدة طويلة وهو تحت حر الصيف وبرد الشتاء كل يوم، وجسده الطري مخدر لاكثر من نصف اليوم. وهناك ايضا جهات توزعهم بعجلات مهمتها اليومية هي هذه، وبالتأكيد هناك جهات تدير اللعبة، ولابد وبالتأكيد كذلك ان هناك جهات متنفذة باجهزة الدولة المعنية تغض النظر عن هذا الخراب الذي بات كالسرطان، ينهش بجسد المجتمع ..

لا ادري لماذا يصر بعض الناس على اعطاء هؤلاء النصابين المال؟ ولا ادري ايضا لماذا تصر كل اجهزة الدولة على السكوت وهي ترى الاطفال مرميين في الشوارع قرب نصابات يستبدلنهم بين مدة واخرى بآخرين، لتستمر فواجع ذويهم الذين لا يعرفون اين بات مصيرهم، بينما هم يموتون كل يوم امام انظار الجميع؟. هل الامر يستحق ان نكتب عنه مادة رأي، بينما نحن مشغولون بأمور كبيرة؟ اقول نعم، لان الفاجعة باتت تكبر وهي في صميم مفردات الارهاب الذي يقتل شعبنا كل يوم!.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0