بات واضحا تقدم حراك التسوق الإلكتروني حتى في بعض البلدان التي لا تزال تعتبر أقل مرونة وتطورا على صعيد خدمات الشبكة الدولية. وهذا يعني، أن قطاع التجزئة التقليدي يواصل تراجعه لحساب "الإلكتروني"، لأسباب عديدة، في مقدمتها سهولة وصول المستهلك إلى المنتج، فضلا عن أن أسعار السلعة عبر الخدمة الإلكترونية تكون أقل مقارنة بالسلعة نفسها في السوق التقليدية، لاعتبارات تتعلق بتكاليف التشغيل. يضاف إلى ذلك، أن التشريعات والضمانات المتجددة الخاصة بالتسوق الإلكتروني وصلت إلى أعلى مستويات الجودة، بما في ذلك حقوق المستهلك من كل النواحي. وقد أسهمت مرونة القوانين الحكومية في غالبية البلدان، في دفع التسوق الإلكتروني قدما إلى الأمام، إضافة طبعا إلى الخيارات الواسعة اللامحدودة التي يوفرها هذا النوع من التسوق.

ومع تحسن أداء السوق الإلكترونية، تحسن بالتوازي أداء النقل والتوصيل، ما زاد من عدد المتسوقين، إلى جانب طبعا الإجراءات الخاصة بحماية عمليات الدفع عبر الإنترنت، خصوصا مع ظهور مؤسسات مالية كبرى يمكن أن تقوم بهذه المهمة مباشرة نيابة عن المشتري، على أن يتم التحصيل مسبقا أو لاحقا. أي أن كل العناصر الكفيلة بدفع السوق الإلكترونية إلى الأمام تعاظمت في السنوات القليلة الماضية، وأخذت أشكالا جديدة، دفعت التسوق التقليدي إلى مرحلة التهديد الحقيقي. ولأن الأمر كذلك، فقد أخذت مؤسسات من كل الأحجام في توفير بضائعها وخدماتها عبر الإنترنت، ليس فقط لمواكبة التطور الإلكتروني، بل للحفاظ على حصتها التقليدية في السوق. فغالبية المتاجر التقليدية التي لا تزال قائمة فعلا، تقدم خدماتها الإلكترونية على السلع نفسها.

وفي النتائج الفصلية الأخيرة لعدد كبيرة من المتاجر الكبرى والمتوسطة في الولايات المتحدة وأوروبا، ظهر استقرار في أرباح بعضها، ونمو بسيط للغاية لأرباح بعضها الآخر، والسبب الرئيس هو انكباب المزيد من المستهلكين على المتاجر الإلكترونية أو تلك التي توفر الخدمات عبر الإنترنت وتنجح في الوقت نفسه بإيصال السلعة في الوقت المناسب. وفي الأعوام القليلة الماضية، أعلنت مجموعة من المحال التجارية الشهيرة في الولايات المتحدة وأوروبا، أن حجم مبيعاتها عبر الإنترنت تساوى مع حجمها عبر المحال وفروعها في المدن بل وفي البلدان الأخرى. وقامت مجموعة من هذه المتاجر (على سبيل المثال)، باستحداث قسم جديد يعنى بمسألة التوصيل، وفتحت حسابات خاصة للعملاء الذين يفضلون التسوق عبر الإنترنت.

ومع النتائج الأخيرة للشركات التجارية التي تعتمد البيع بالتجزئة، بات ضروريا لكل المتاجر إما أن تدخل ضمن النطاق الإلكتروني كقسم جديد آخر فيها، أو أنها ستعاني تراجع الأرباح، بل وتكبد الخسائر في السنوات القليلة المقبلة. خصوصا بعد أن أصبح التسوق الإلكتروني يشمل حتى محال البقالة. بل بات من السهل للمستهلك، أن يحتفظ بياناته لدى هذا المتجر أو ذاك، لأي عملية شراء جديدة، بما في ذلك نوعية احتياجاته الاستهلاكية. بكل الأحوال، هناك ثورة انطلقت منذ وقت ليس قصيرا على صعيد التسوق، وإنها أخذت شكلها المستدام، مع التطورات السريعة والهائلة للأدوات المستخدمة سواء في عملية الشراء أو في طريقة وصول السلعة إلى المشتري.

صحيح أن هناك شرائح من المجتمعات المختلفة لا تزال تفضل التسوق التقليدي، لكن الصحيح أيضا أن نسبتها باتت تتراجع بصورة مخيفة فعلا، إلى درجة أن بعض المتاجر الشهيرة قلصت مساحات العرض لديها، بسبب انخفاض عدد مرتادي المحال. ثقافة التسوق الإلكتروني بكل عناصرها لم تعد جديدة، فيعود تاريخها إلى أكثر من 20 عاما. المثير فيها هي السرعة الفلكية في تجددها وتطورها.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
1