ثقافة وإعلام - صحافة

ماذا إن لم تنته الحرب في أوكرانيا؟

التداعيات العالمية لصراع طويل الأمد
بقلم: ليانا فيكس، مايكل كيماج

تنتهي كل الحروب. وغالباً ما تكون لحظاتها الأخيرة النابضة بالحياة عصية على النسيان. مثلاً، استسلام روبرت إي. لي، جنرال الولايات الكونفيدرالية [التي حاولت الانشقاق عن الاتحاد الفيدرالي الأميركي، إبان الحرب الأهلية في الولايات المتحدة]، أمام ليوليسيز إس. غرانت، جنرال الاتحاد، في أبريل (نيسان) 1865، وقد وضع ذلك الاستسلام نهاية للحرب الأهلية في الولايات المتحدة. على غرار ذلك، هنالك الهدنة التي طوت صفحة الحرب العالمية الأولى، وجرى التوقيع عليها من قبل ألمانيا والحلفاء في عربة قطار بالقرب من باريس في نوفمبر (تشرين الثاني) 1918.

هنالك أيضاً نهاية "الحرب الباردة" [يصف هذا المصطلح الصراع بين المعسكر الغربي بقيادة أميركا والدول الاشتراكية بقيادة الاتحاد السوفياتي السابق، بعد الحرب العالمية الثانية]، التي يرمز إليها انهيار جدار برلين في نوفمبر 1989، ولاحقاً تمثلت أيضاً بإنزال العلم السوفياتي عن مقر الكرملين في يوم عيد الميلاد من سنة 1991. تخيم تلك النهايات بشكل ضخم على المخيلة الثقافية بوصفها لحظات حاسمة وفرت شعوراً بنهاية مؤكدة.

لكن يمكن أن يكون المشهد حول نهاية الحرب مضللاً. إن استسلام القوات الكونفيدرالية في مقر "محكمة أبوماتوكس"، لم يُؤدِّ إلى تسوية التوترات السياسية أو الثقافية بين الشمال والجنوب، ولم يفتح الباب أمام حل لوجوه التحيز العرقي والفوارق السياسية المتصلة به التي بقيت زمناً طويلاً بعد إلغاء العبودية [شكل إلغاء العبودية مسألة أساسية في الحرب الأهلية الأميركية]. كذلك كانت فترة ما بين الحربين العالميتين في أوروبا خلال عشرينيات القرن العشرين وثلاثينياته، مشبعة بالقلق والتوترات التي وصلت ذروتها في حرب كبيرة أخرى. ومثلت خاتمة الحرب العالمية الثانية فجراً لـ"الحرب الباردة". وعلى الرغم من انهيار الاتحاد السوفياتي، لربما لم تنتهِ "الحرب الباردة" وقتها، ولعلها لا تزال مستمرة، وفق ما جادل أخيراً المؤرخ ستيفن كوتكين على صفحات هذه المجلة.

وربما لن يكون هنالك في الحرب الروسية في أوكرانيا لحظة منفردة تمثل نهاية الحرب، في الأقل لن يحصل هذا لبعض الوقت. وبعد ثمانية أسابيع من بدء الحرب، وتلك فترة أطول بكثير، بحسب ما يبدو، مما توقعه أي من الطرفين، ثمة احتمال واقعي بأن لا يحقق أي من البلدين كل ما يتمنى تحقيقه. هكذا، ربما لن تستطيع أوكرانيا أن تطرد جميع القوات الروسية من الأراضي التي أخذتها منذ شنت موسكو غزوها في فبراير (شباط) الماضي. والأرجح أن روسيا لن تتمكن من تحقيق هدفها السياسي الرئيس، أي السيطرة على أوكرانيا. وبدلاً من التوصل إلى حل محدد، فإن الحرب قد تبشر بعصر جديد من الصراع يتميز بحلقة من الحروب الروسية في أوكرانيا، وإذا لم تنته الحرب في أي وقت قريب، فسيكون السؤال الحاسم هو من الذي يقف الزمن [استمرار الحرب على مدى طويل] إلى جانبه؟

استعدوا للصعوبات المحتملة

يمكن أن يكون الوقت في مصلحة روسيا. إن حرباً يطول أمدها، وتستمر من أشهر إلى سنوات، قد تكون نتيجة مقبولة أو حتى ربما محبذة بالنسبة إلى موسكو. وستكون بكل تأكيد نتيجة رهيبة بالنسبة إلى أوكرانيا التي ستتعرض للدمار كبلد، وأيضاً بالنسبة إلى الغرب الذي سيواجه سنوات من عدم الاستقرار في أوروبا والتهديد المستمر بتمدد الصراع إلى مناطق جديدة. وستحدث حرب طويلة الأمد آثاراً ملموسة على المستوى العالمي، وستسبب على الأرجح موجات من المجاعة والغموض الاقتصادي. وإن حرباً تستمر إلى ما لا نهاية في أوكرانيا تنطوي على المجازفة بتآكل الدعم الذي تحظى به كييف في مجتمعات غربية ليست في وضع يسمح لها بتحمل صراعات عسكرية طاحنة، حتى لو دارت في أماكن أخرى. إن مجتمعات ما بعد الغربية وصاحبة التوجه التجاري، قد اعتادت على أسباب الراحة في عالم زمن السلم المعولم، قد تفقد الاهتمام بالحرب، خلافاً لسكان روسيا الذين حرضتهم بروباغندا الرئيس فلاديمير بوتين الدعائية وحشدتهم ليصبحوا مجتمع زمن حرب.

وعلى الرغم من أن لدى الولايات المتحدة وحلفائها ما يبرر أملهم في تحقيق انتصار أوكراني سريع، والعمل من أجل بلوغ هذا الهدف، إلا أنه يتوجب على صناع السياسة الغربيين أيضاً أن يحضروا أنفسهم لحرب مديدة. ولن تتغير أداوت السياسة الموجودة المتاحة لهم، من قبيل المساعدات العسكرية والعقوبات، بالنسبة إلى مدة الحرب. ويعتبر تقديم أقصى الدعم العسكري إلى أوكرانيا بمثابة أمر أساسي، بصرف النظر عن مسار الحرب. ومن شأن العقوبات التي تستهدف روسيا، خصوصاً الموجهة إلى قطاع الطاقة، أن تؤدي إذا عملت بشكل مثالي، إلى تغييرات في الحسابات الروسية مع مرور الوقت، إذ تبدو ملائمة بشكل جيد لإحداث انهيار طويل الأمد في آلة الحرب الروسية.

ولا يكمن التحدي الأساسي في طبيعة الدعم المتاح لأوكرانيا، بل في طبيعة الدعم الذي تحظى به الحرب ضمن الدول التي تدعم أوكرانيا. وفي عصر وسائل التواصل الاجتماعي، والصورة المحركة للعواطف، يمكن للرأي العام أن يكون متقلباً. وكي تنجح أوكرانيا، يتعين على الرأي العام العالمي أن يتشبث بقوة بتأييده لها. وسيعتمد ذلك على وجود قيادة سياسية ماهرة وصبورة، أكثر من أي شيء آخر.

أداء اللعبة الطويلة

يملك بوتين عدداً من الأسباب التي تجعله لا ينهي الحرب التي بدأها، إذ لم يصبح بعد على قاب قوسين أو أدنى من تحقيق غاياته الأساسية. وحتى الآن، لم يكن أداء جيوشه جيداً بما فيه الكفاية حتى تجبر روسيا أوكرانيا على الاستسلام، بل إن روسيا بعيدة كل البعد عن إسقاط الحكومة الأوكرانية. وجاءت أخطاء بوتين علنية بشكل مهين. وبعد أن انسحبت القوات الروسية بشكل مفاجئ من المناطق المحيطة بكييف، بات يتعين عليها أن تشاهد الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلينسكي مستضيفاً الزوار الأجانب في عاصمة البلاد، والسفارات تفتح أبوابها من جديد. وقدم إغراق سفينة موسكوفا الحربية الروسية، جراء إصابتها بصواريخ أوكرانية على الأغلب، مثل آخر مرئي بوضوح عن الإحراج الذي تتعرض له القوات المسلحة الروسية على أيدي القوات الأوكرانية.

ولقد دفع بوتين سلفاً ثمناً باهظاً للغزو الذي نهض به. ومن منظوره، ستكون أي اتفاقية سلام يجري إبرامها في المستقبل ولا تمكنه من انتزاع تنازلات كبيرة من أوكرانيا، غير متناسبة مع ما تكبدته روسيا من خسائر في الأرواح والعتاد وما عانته من عزلة دولية. وبعد أن حشد بوتين الروس من أجل الحرب، مستعيناً بصراعات رمزية كحرب الاتحاد السوفياتي الوطنية العظمى ضد ألمانيا النازية في سياق هذا التحشيد، فقد لا يرضى بسلام غير مشرف.

ومع أن الحرب جسدت خطأً استراتيجياً بالنسبة إلى روسيا، فمن الأرجح أن بوتين سيلحق الضرر بنفسه سياسياً من خلال الاعتراف بخطئه الفادح. وقبل غزوه لأوكرانيا، احتفظت روسيا بعلاقات مع أوروبا والولايات المتحدة، إضافة إلى امتلاكها اقتصاداً فاعلاً. في المقابل، كانت أوكرانيا رسمياً دولة محايدة فيها عدد من الانقسامات الداخلية ونقاط الضعف. ولم تكن هناك خطط وشيكة لتوسيع حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أي اتجاه. وبعد أسابيع قليلة من ذلك، دمرت الحرب في أوكرانيا علاقات روسيا مع أوروبا والولايات المتحدة. وستحطم الاقتصاد الروسي مع مرور الوقت، في حين أنها أخذت تدفع أوكرانيا إلى الاقتراب أكثر من الغرب. وستنضم كل من فنلندا والسويد إلى حلف الناتو هذا الصيف على الغالب. هكذا، بدلاً من أن يؤدي خوض روسيا لحرب من أجل منع التطويق المزعوم لها [من قبل الناتو]، فقد تمخض عن تعزيز حلف الناتو وتقوية الروابط عبر الأطلسي. وهذا من شأنه أن يجعل خفض خسائر بوتين في أوكرانيا أكثر صعوبة مما هو عليه حاضراً، وليس أشد سهولة.

قد يلجأ بوتين إلى حرب استنزاف من شأنها أن تحقق له مكاسب عدة. فإذا كان سيتعرض للهزيمة، سيكون بمقدوره أن يؤجل هزيمته من خلال حرب طويلة الأمد، ولربما استطاع أن يورث الصراع المحكوم عليه بالفشل إلى من سيخلفه في الحكم. وقد تتناسب الحرب طويلة الأمد مع بعض نقاط القوة الفطرية في روسيا. فمن شأنها أن توفر الوقت الكافي لموسكو من أجل تجنيد مئات الآلاف من الجنود الجدد وتدريبهم، وهو الأمر الذي قد يغير النتيجة. وإذا استمرت الحرب سنوات، ستستطيع القوات المسلحة الروسية أن تعيد بناء قواها المستنزفة، خصوصاً إذا بقيت ميزانية الدولة الروسية مستقرة، أي إذا بقيت تتلقى مدفوعات الطاقة من أوروبا وأماكن أخرى. كذلك قد لا تحتاج روسيا بالضرورة إلى انتصارات في ميدان المعركة من أجل ممارسة الضغط على كييف، خصوصاً إذا طال أمد الحرب، إذ قدر "البنك الدولي" نسبة خسائر الناتج المحلي الإجمالي لدى أوكرانيا في 2022 بـ45 في المئة. ويعتبر دمار الاقتصاد الأوكراني واحداً من النتائج المهمة للحرب، ولو كانت من أقلها وضوحاً.

قد تساعد حرب استنزاف يشنها بوتين في ممارسة الضغط على التحالف عبر الأطلسي، خصوصاً إذا بدأ الدعم لأوكرانيا بالاضمحلال في الغرب. ينظر بوتين إلى الديمقراطيات الغربية كأنها غير مستقرة وغير فعالة، وربما يراهن على حصول تحولات سياسية في أوروبا والولايات المتحدة مع ازدياد الضغوط الناجمة عن الحرب، مع الوقت. وإذا أعيد انتخاب دونالد ترمب في الانتخابات الرئاسية 2024، فقد يحاول من جديد أن يعقد صفقة مع روسيا، من المرجح أنها ستكون على حساب الناتو. وكذلك من شأن انتصار مارين لوبان في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية الفرنسية في 24 أبريل (نيسان) 2022، أن يفتح الأبواب لبوتين. إنه ديكتاتور. وانطلاقاً من اعتقاد الحكام الديكتاتورين بأن قبضتهم على السلطة أبدية، فإن بوسعهم في أحيان كثيرة أن يتحملوا أعباء أداء اللعبة الطويلة الأمد. في الأقل، إنهم يظنون أن باستطاعتهم ذلك.

لا تتسرعوا

تملك أوكرانيا أيضاً عدداً من الأسباب التي تمنعها من إنهاء الحرب عبر وقف لإطلاق النار في وقت سابق لأوانه وبالشروط الروسية. ولقد قدمت قواتها المسلحة أداءً باهراً. ففي مواجهة هجوم لا مبرر له من واحدة من كبريات القوى العسكرية في العالم، صدت القوات الأوكرانية روسيا في الشمال والشمال الشرقي للبلاد. وخسرت روسيا معركة كييف، وعجزت عن الدفع بقواتها إلى ما وراء مدينة "ميكولايف" الجنوبية باتجاه مدينة "أوديسا". وأظهرت أوكرانيا أن المثابرة والروح المعنوية، اللتين تدعمهما الطائرات المسيّرة والأسلحة الحديثة المضادة للدبابات، تستطيعان تحصين القدرات الدفاعية للجيش. لدى روسيا فرصة جيدة بخسارة الحرب، ولذا ثمة فرصة جيدة أمام أوكرانيا بتسوية الحرب وفق شروط أفضل من التنازلات الكبيرة إلى حد غير مقبول التي تريدها حالياً موسكو من كييف.

وسيكون من الصعب بالنسبة للحكومة في كييف ألا تسعى جاهدة من أجل تحقيق شروط أفضل من خلال إحراز مزيد من التقدم في ساحة المعركة وصد الهجوم الروسي في شرق أوكرانيا. وقد تسببت متابعة روسيا بشكل وحشي للحرب بتعقيد المفاوضات حول وقف محتمل لإطلاق النار في المستقبل. واستهدفت روسيا المدنيين والبنى التحتية المدنية في أنحاء أوكرانيا. وعلى نطاق واسع أيضاً، ارتكبت جرائم حرب وفظائع، بما في ذلك انتشار العنف الجنسي وترحيل المواطنين الأوكرانيين إلى روسيا. لقد كانت هذه حرباً على شعب أوكرانيا. وعلى المرء أن يفترض أن أي أراض تحتفظ بها روسيا ستخضع لاحتلال بغيض. لا تستطيع الحكومة الأوكرانية أن تقبل ممارسة مثل هذه الفظائع ضد سكان بلادها وضمن أراضيها، بالتالي قد يؤدي وقف سابق لأوانه لإطلاق النار بشروط روسية، إلى تخلي أوكرانيا عن سيطرتها على بعض الأراضي التي وضعت روسيا يدها عليها منذ بدأ الغزو في 24 فبراير (شباط) 2022. وسيشمل ذلك استيلاء روسيا على شطر من إقليم "دونباس" أوسع من ذلك الذي وضعت روسيا طوقاً حوله في عام 2014، ومن المحتمل أن يتضمن مدينتي "خاركييف" و"ماريوبول". وستسعى روسيا أيضاً إلى انتزاع تنازلات أكبر بشأن وضعية أوكرانيا العسكرية. وقد وافق زيلينسكي فعلياً على عدم الانضمام إلى حلف الناتو. وفي المقابل، فمن شأن ترويض القوات الأوكرانية [بحيث تصبح غير مؤذية لروسيا] وتجريدها من سلاحها، أن يقيدا السيادة الأوكرانية على المستوى المجرد، وعلى أرض الواقع أيضاً. وما إن تحصل روسيا على هذه التنازلات حتى يكون بوسعها أن تستأنف في وقت لاحق الحرب ضد جيش أوكراني "مجرد من السلاح" بهدف إنهاء ما بدأته.

ويجب أن يوافق السكان الأوكرانيون أيضاً على أي تنازلات من جانب كييف، إذ تدفع أوكرانيا ثمن هذه الحرب الرهيبة بدمائها. وقد ينظر إلى صفقة مع الشيطان على أنها أسوأ من عدم عقد صفقة على الإطلاق. نجح زيلينسكي في توحيد الشعب الأوكراني وحشد الدعم على مستوى العالم لمصلحة أوكرانيا، وتنتشر الإعلام الأوكرانية حالياً في كل مكان خارج أوكرانيا. لقد اقتربت الحكومة والسكان من بعضهما بعضاً، وصارت البلاد أكثر تماسكاً حالياً مما كانته قبل الحرب. وإذا كان هناك من يستطيع أن يقنع الأوكرانيين بتسوية يجري التوصل إليها عن طريق التفاوض، فإن ذلك الشخص هو زيلينسكي الذي يتمتع بالكاريزما والشعبية. في المقابل، سيتوجب عليه أن يقدم صفقة بشروط تكون مقبولة من عامة الناس.

وهذه الشروط التي تسمح لأوكرانيا بأن تحمي أكبر قدر ممكن من سيادتها وسلامتها وأمنها، ستعتمد غالباً على تحقيق مزيد من التقدم الأوكراني في ميدان المعركة. وقد تكون تكاليف إنهاء هذه الحرب بشكل سريع أعلى بالنسبة إلى أوكرانيا منها لروسيا. وبالنسبة إلى روسيا، ينطوي إنهاء الحرب بشروط أوكرانيا على المجازفة بإلحاق الأذى بكبرياء الديكتاتور. وفي المقابل، بالنسبة إلى أوكرانيا، إن التسرع في قبول الشروط الروسية يعرض رفاه مواطنيها ووجودها كدولة مستقلة إلى الخطر.

ومع ذلك، فإن حرباً طويلة الأمد تمثل تحديات سياسية بالنسبة إلى أوكرانيا. إذا استمرت الحرب سنوات، سيكون على أوكرانيا أن تحافظ على نظامها السياسي سليماً وديمقراطيتها على قيد الحياة. من المقرر إجراء الانتخابات الرئاسية الأوكرانية المقبلة في ربيع 2024، وذلك بالضبط في الوقت الذي ستجرى فيه الانتخابات الرئاسية الروسية المقبلة، لكن ستكون انتخابات روسيا زائفة، بينما ستكون انتخابات أوكرانيا حقيقية. ووفق ما حذر منه الفيلسوف السياسي أليكسس دي توكفيل، إن "حرباً مديدة لا يمكنها أن تفشل في تعريض حرية بلد ديمقراطي إلى الخطر". سيتعين على أوكرانيا أن تثبت أنه على خطأ.

على مسافة طويلة من هوليوود

ستكون هناك عواقب وخيمة لحرب طويلة الأمد في أوكرانيا بالنسبة إلى القارة الأوروبية. ومع تلك الحرب، لن تكون أوروبا كاملة وحرة وفي سلام، بل ستضم في داخلها منطقة حرب مشحونة بخطر التصعيد. وليست جيوش روسيا في وضع تستطيع معه الدخول إلى بولندا أو جمهوريات البلطيق، لكن خط الخطر المتعرج سيمتد من الشمال إلى الجنوب، وهو أقل رسوخاً من الستار الحديدي لحقبة "الحرب الباردة"، ما يتطلب من حلف الناتو اتباع أساليب جديدة للدفاع. سيستمر نزوح اللاجئين الأوكرانيين، ومع مرور الوقت قد يقرر المهاجرون أن يستقروا في أوروبا بشكل نهائي.

وستكون هناك تداعيات على صعيد عالمي لحرب طويلة الأمد في أوكرانيا. وإذا ترسخت، فمن المؤكد أنها ستفضي إلى تفاقم الجوع العالمي باعتبار أن أوكرانيا وروسيا دول رئيسة منتجة للمواد الغذائية كالقمح. ويقع الجوع العالمي بمنزلة الرافعة لزعزعة الاستقرار في العالم. وقد يجد سكان أفريقيا والشرق الأوسط، الذين يبدون بعيدين عن أوكرانيا، أنفسهم في أزمة سياسية ناجمة عن الآثار غير المباشرة للحرب في أوكرانيا. وسيؤدي هذا الواقع البغيض إلى تعطيل الأحلام بخروج أنيق من جائحة كورونا. وقد بدأت تبرز فعلاً التناقضات في الاستجابة الدولية للصراع. فهناك دول عدة ترى نوعاً من إزدواجية المعايير في حماس الغرب لاستقبال اللاجئين الأوكرانيين ومعاقبة روسيا على حرب شنتها باختيارها، في الوقت الذي خاضت فيه الولايات المتحدة عدداً من حروب كهذه في السنوات الأخيرة، بحسب زعم بعض المراقبين. وإذ فرضت 37 دولة عقوبات على روسيا، فإن 141 دولة قد دانت الغزو في الأمم المتحدة، وهو تناقض يظهر عدم وجود اتفاق كامل بين أعضاء المجموعة الدولية حول الحرب في أوكرانيا.

وفيما تتواصل الحرب ويكبر سجل وحشية الروس، ستتراكم العقوبات وستستمر أسعار سلع كالنفط في الارتفاع. وستكون الآثار الاقتصادية ملموسة في أنحاء أوروبا، وسيدفع ثمنها الأوروبيون في المقام الأول. ولذا، قد يضمحل الدعم لأوكرانيا كلما طال أمد الحرب. وقد ترتفع الأصوات المطالبة بقبول أوكرانيا وقفاً لإطلاق النار بأي ثمن. وتبين صراعات أخرى، كالحرب في سوريا التي غابت منذ فترة طويلة عن الأنظار، أن حرباً لا نهاية لها يمكن أن تتحول إلى مصدر إزعاج بالنسبة إلى مجتمعات مشتتة الانتباه ويسودها الارتياح، فلا تعود [تلك الحرب المفتوحة] تحظى إلا بالإهمال مع الزمن. ويجب أن يواجه السياسيون الغربيون هذا التحدي بشكل فاعل، ويشرحوا لماذا لا يعتبر دعم أوكرانيا نوعاً من الإيثار، بل إنه في واقع الحال أمر جوهري بالنسبة للأمن الأوروبي ومستقبل المجتمعات الحرة. إن هذه الحملة لدعم أوكرانيا لن تكون بلا ثمن. في المقابل، إذا ربح بوتين في أوكرانيا فسيشعر بمزيد من الجرأة على توسيع محيط العدوان الروسي.

أوكرانيا تدفع ثمن هذه الحرب بدمائها

لا لبس في هدف أوكرانيا النهائي، إذ إنه يتمثل في الحفاظ على استقلال أوكرانيا وسيادتها. وهذا ما تستحقه البلاد، وما تحتاج إليه أوروبا من أجل أمنها. إذا انتصرت أوكرانيا، فإن سيادتها ستشكل سابقة حاسمة من أجل تقدم نظام عالمي ليبرالي مستقر. ولا يجب على الولايات المتحدة وأوروبا بأي حال من الأحوال تضغط على كييف لقبول تسوية تفاوضية. في المقابل، لا ينبغي لهما أن يعوقا أي تسوية يمكن أن يجدها زيلينسكي مقبولة لديه وللسكان الأوكرانيين، لكن ذلك لن يبرز إلا بعد سنوات من القتال. وفي غضون ذلك، يجب على القادة الأميركيين والأوروبيين أن يشرحوا لجماهيرهم ما هو على المحك في هذه الحرب، بالنسبة إلى الأوكرانيين والعالم.

والأهم من ذلك، أنهم يحتاجون إلى التعبير عن قيمة النصر الأوكراني. وقد أعادت الأسابيع الثمانية الأولى من الحرب إلى الأذهان من وقت إلى آخر، الأفكار الأساسية والصور النمطية لفيلم هوليوودي. فهناك الشرير، بوتين، بعيداً ووحيداً بشكل مرضي يجلس إلى طاولة الكرملين الطويلة. وهناك أيضاً البطل الشجاع، زيلينسكي، الذي يتحدى الموت لإنقاذ بلاده. وهناك أيضاً التغير اللافت في الحبكة المتمثل في عدم كفاءة القوات المسلحة الروسية ونجاح الأوكرانيين في ميدان القتال. وقد توحي هذه الأقواس الأخلاقية والسردية بأنه ستكون هناك نهاية سعيدة، وربما يتحقق ذلك، لكن إذا جرى كذلك، فلن تأتي النهاية السعيدة في وقت وشيك. ونظراً إلى أنهم يدركون المدى القصير لانتباه جمهورهم، يتوجب على القادة السياسيين في دول تدعم أوكرانيا أن يصيغوا رسائلهم بشكل أقل تماهياً مع نصوص هوليوود المسرحية التي تشيع الرضى الفوري، و[يعتمدوا بدلاً من ذلك] أكثر على خطابات ونستون تشرشل رئيس وزراء بريطانيا في أيام الحرب التي نصحت بالصمود ولم تعد أبداً بنصر سريع. ستتعرض كييف إلى انتكاسات عدة في حرب سيكون لها تداعيات استراتيجية وسياسية وإنسانية بعيدة المدى. ويجب على الولايات المتحدة وحلفائها الاستعداد لدعم أوكرانيا على المدى الطويل.

* ليانا فيكس زميلة مقيمة في "صندوق مارشال الألماني" بواشنطن.
** مايكل كيماج، بروفيسور في التاريخ في "الجامعة الكاثوليكية الأميركية"، وزميل زائر في "صندوق مارشال الألماني". وقد عمل بين عامي 2014 و2016، في "فريق موظفي تخطيط السياسات" بوزارة الخارجية الأميركية، حيث تسلم حقيبة روسيا/ أوكرانيا.
والمقال نشر في فورين آفيرز 20 أبريل 2022
© The Independent

اضف تعليق