بقلم: عمرو حمزاوي

تستطيع نخب الحكم المسؤولة، حتى وإن تصدرت نظما شمولية أو سلطوية، أن تسهم في صناعة بدائلها الآمنة حين تتيقن من الكلفة الباهظة لاستمرارها واستمرار صيغ حكمها دون تغيير.

قبل أن ينتهي نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، تفاوضت حكومة الأقلية البيضاء لسنوات مع نيلسون مانديلا في محبسه. الحصار الدولي والعقوبات الأمريكية والأوروبية والاضطرابات الداخلية المستمرة كانت العوامل التي دفعت حكومة البيض إلى التفاوض سرا ثم علنا مع مانديلا.

الهدف كان منع حدوث سقوط نظام الحكم وانهيار مؤسسات الدولة دون أن تتواجد إدارة بديلة، الهدف كان منع الفراغ الذي يعقب رحيل نخبة احتكرت مقاعد الحكم ويلي التغيرات الجذرية في أدوار مؤسسات الدولة حين تغيب الخطط المحددة لإدارة منظمة للرحيل والتغيير.

بعبارة أخرى، أدركت حكومة الأقلية البيضاء في جنوب إفريقيا في ثمانينيات القرن العشرين حتمية رحيلها وحتمية تغيير نظام الفصل العنصري، وأرادت هي الإسهام في صياغة البديل القادم لكي لا تنهار الدولة أو ينزلق المجتمع إلى حرب أهلية دامية.

بالقطع، تفاوض رئيس حكومة البيض آنذاك (ثمانينيات القرن العشرين)، فريدريك دي كليرك، مع نيلسون مانديلا أيضا بغية الحفاظ على بعض امتيازات الأقلية البيضاء الاقتصادية والاجتماعية وشيء من التمثيل في دوائر الحكم. إلا أن الهدف الرئيسي، كما أثبتت دراسات أكاديمية عديدة، كان إنقاذ جنوب إفريقيا من السقوط في هاوية الانهيار والحيلولة دون العجز عن إدارة التغيير القادم لا محالة.

لم تتبدل السمات الشخصية أو القناعات الراسخة لقادة الأقلية البيضاء لتصنع منهم نادمين على جرائم الفصل العنصري التي ارتكبوها أو لتجعلهم متنورين ملتزمين بالمساواة والحق والحرية للجميع بين عشية وضحاها أو لتمكنهم من اكتشاف السمو الأخلاقي والإنساني لقيمة العدل والتعايش المشترك بين الأغلبيات والأقليات. لم يحدث ذلك أبدا.

هم فقط فهموا بواقعية حتمية رحيل نظامهم العنصري، وامتنعوا عن الوقوف المكلف للغاية في وجه حركة التاريخ.

هم فقط أسهموا في صناعة «البديل الآمن» للتغيير للحيلولة دون الانهيار الكامل. وكان دور قادة ونخبة الأقلية البيضاء هذا، متواكبا بالقطع مع إلهام مبادئ مانديلا الداعية إلى التسامح والتصالح مع الماضي وتجاوز الجراح التي خلفتها قرون من الحكم العنصري بآليات مصارحة ومصالحة ومحاسبة رمزية، كفيلا بعدم انزلاق «النظام الجديد» –نظام ما بعد الفصل العنصري– إلى ممارسات انتقامية أو إجراءات عقاب جماعي لجلادي الماضي العنصري.

خلال العقود الماضية، برزت توجهات مشابهة لنخب حكم شمولية أو سلطوية في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية أدركت استحالة مواصلة قمع الشعوب وتوريط مؤسسات الدولة في المظالم والانتهاكات وحتمية التغيير الديمقراطي وضرورة إخضاع المؤسسات العسكرية والأمنية لرقابة المدنيين المنتخبين، ومن ثم أسهمت مع حركات المعارضة وقوى المجتمع المدني في صياغة بدائل آمنة وتنفيذ الانتقال المنظم من النظم الشمولية والسلطوية إلى نظم حكم تشاركية وتعددية.

تستطيع نخب الحكم المسؤولة، حتى وإن تصدرت نظما شمولية أو سلطوية، أن تسهم في صناعة بدائلها الآمنة حين تتيقن من الكلفة الباهظة لاستمرارها واستمرار صيغ حكمها دون تغيير.

تستطيع هذه النخب أن تسهم في صناعة البدائل الآمنة عندما تتيقن من حتمية رحيلها أو حين تتيقن من ضرورة الإدارة المنظمة للتغيير لمنع انهيار بلدانها ولإنقاذ الدولة والمجتمع.

ومع بالغ الأسف، لم تحضر مثل تلك النخب في اليمن وسوريا وليبيا وربما كان حضورها ليمنع الانزلاق إلى هاويات الحروب الأهلية وتفتت مؤسسات الدولة وتفكك المنظومات المجتمعية.

* تم نشر هذا المقال في صحيفة القدس العربي

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0