بقلم: ألكسندرا بورشاردت

أكسفورد ــ اعتمادا على المصدر الذي تستقي منه الأخبار، قد تكون رؤيتك لتطورات التحقيقات في اتهام الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالتقصير مختلفة تماما عن رؤية أصدقائك أو أقاربك أو جيرانك. بل ربما تتصور أيضا أن أي رواية أخرى للقصة تتنافى مع الرواية التي تقتنع بها كاذبة ببساطة. لا شك أن غياب الإجماع على الحقائق الأساسية على هذا النحو ــ وهو إلى حد كبير نتاج فرعي لوسائل التواصل الاجتماعي ــ يحمل في طياته مخاطر حقيقية، ومع ذلك لا يُبذل القدر الكافي من الجهد لعلاج هذا الظاهرة.

في السنوات الأخيرة، أضحت الحاجة لتحسين "ثقافة وسائل الإعلام" النصيحة المتكررة والمفضلة للساعين إلى محاربة التضليل الإعلامي في العصر الرقمي، خاصة هؤلاء الذين قد يفضلون فعل ذلك دون تشديد اللوائح المنظمة لشركات التكنولوجيا العملاقة مثل فيسبوك وجوجل. ويستندون في ذلك إلى منطق مفاده أن اكتساب الناس القدر الكافي من الفطنة في التعامل مع وسائل الإعلام، من شأنه أن يعطيهم المقدرة على التمييز بين الغث والسمين، وبهذا تسود الصحافة الجيدة.

لا يخلو هذا الرأي من بعض الصحة. فكما قد تعرض نفسك للمخاطر إذا قدت سيارتك في مكان حيث تجهل قوانين المرور المعمول بها، فإن التنقل الآمن في بيئة الإعلام الرقمي ــ بما لا يقتصر على تحاشي "الأخبار الكاذبة" وإنما أيضا تجنب تهديدات مثل التحرش عبر الإنترنت، ونشر مواد إباحية دون موافقة الأشخاص المعنيين بها (بغرض الانتقام)، وخطاب الكراهية ــ يتطلب معرفة ووعيا. وبالتالي لابد من بذل جهود قوية للارتقاء بالثقافة الإعلامية على المستوى العالمي. وتمثل وسائل الإعلام الإخبارية التي تتمتع بالحرية والمصداقية والاستقلالية ركيزة لأي ديمقراطية فعالة، حيث تشكل ضرورة أساسية لتمكين الناخبين من اتخاذ قرارات مستنيرة ومحاسبة القادة المنتخبين. وفي ضوء ذلك، يجب السعي لخلق ثقافة إعلامية في إطار حملة أوسع للارتقاء بالثقافة الديمقراطية.

اعتمدت الديمقراطية منذ ظهورها في اليونان القديمة قبل أكثر من 2500 عام على قوانين ومؤسسات تقيم التوازن بين المشاركة الشعبية والسلطة. ولو كان الهدف مجرد إتاحة الفرصة للجميع للتعبير عن رأيه علنا، لمثلت منصات مثل فيسبوك وتويتر قمم الديمقراطية، ولأفرزت تحركات شعبية مثل الربيع العربي في 2011 حكومات فعالة بصورة طبيعية.

لكن الهدف الحقيقي يتمثل في إنشاء منظومة للإدارة الحكومية يطبق من خلالها القادة المنتخبون معارفهم وخبراتهم لكي ينهضوا بمصالح شعوبهم. ويعد حكم القانون وفصل السلطات، المكفولان بنظام من الضوابط والتوازنات، عنصرين حيويين لتفعيل مثل هذه المنظومة. باختصار، لن تكون للحشد جدوى كبيرة طالما غاب التنظيم المؤسسي.

غير أن المؤسسات العامة اليوم تعاني من ذات فقدان الثقة الذي تعاني منه وسائل الإعلام الإخبارية. وهذا أمر مبرر إلى حد ما: فقد أخفقت حكومات كثيرة في الوفاء باحتياجات مواطنيها، وسط تفشي الفساد، مما أشعل التشكك المتنامي تجاه المؤسسات الديمقراطية، في ظل ميل الشعوب في أغلب الأحيان للمنصات الإلكترونية الأكثر عدالة في الظاهر، والتي يمكن من خلالها سماع صوت الجميع.

تكمن المشكلة هنا في أن مثل هذه المنصات تفتقر إلى الضوابط والتوازنات التي يتطلبها اتخاذ قرار مستنير. لكن خلافا للتوقعات المبكرة لبعض الرواد في مجال الإنترنت، لن تظهر تلك الضوابط والتوازنات بشكل طبيعي. بل على العكس من ذلك، تمنع نماذج العمل الخاصة بشركات التكنولوجيا العملاقة، والتي تحركها الخوارزميات، ظهور ضوابط وتوازنات لأنها تقوم على تضخيم الأصوات وفقا لعدد النقرات وإشارات الإعجاب، وليس وفقا للقيمة أو المصداقية والصحة.

لهذا استغل الساسة الشعبويون غياب الضوابط والتوازنات للوصول إلى السلطة، التي يستخدمونها غالبا لإسعاد مؤيديهم، متجاهلين احتياجات معارضيهم أو جماعات الأقلية. ويشبه هذا النوع من حكم الأغلبية حكم الغوغاء إلى حد كبير، مع محاولة القادة الشعبويين الهيمنة على الأجهزة التشريعية والمحاكم لإشباع رغبات ناخبيهم ــ وهي رغبات تشكلها في الغالب الأكاذيب والدعايات. وتشكل محاولة رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون الأخيرة لتعليق البرلمان بغية تقليص قدرته على منع الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي دون اتفاق مثالا واضحا في هذا الصدد.

في أي دولة ديمقراطية، يجب أن يكون جميع أفراد الشعب قادرين على الثقة في حرص قياداتهم على دعم حقوقهم وحماية مصالحهم الأساسية، بغض النظر عن من أعطوا صوتهم له. وينبغي أن يكونوا قادرين على مباشرة حياتهم اليومية وهم واثقون في تكريس الموظفين العموميين وقتهم وطاقتهم لاتخاذ قرارات مستنيرة ــ وأن من لا يفعلون ذلك سيخضعون لرقابة داخلية متمثلة في ضوابط وتوازنات من قبل بقية الموظفين. كما ينبغي أن تدعم وسائل الإعلام المستقلة ذات المصداقية هذه العملية.

في حالة جونسون، قامت السلطة القضائية بواجبها بكبح جماح السلطة التنفيذية. لكن مع كل هجمة على المؤسسات الديمقراطية تضعف المساءلة، ويتزايد الإحباط بين الناس، وتتدهور شرعية النظام. وبمرور الوقت، يؤدي هذا إلى تضاؤل الحافز الذي قد يدفع الموهوبين إلى العمل في مجالات كالصحافة والسياسة، مما يفضي إلى المزيد من تآكل فعالية وشرعية مثل هذه المجالات.

ويتطلب كسر تلك الحلقة المفرغة التوسع السريع في التثقيف الإعلامي والديمقراطي، بما في ذلك بيان كيفية عمل منظومة الحكم ومن يمتلكها ويشكلها. لكن كما توضح دراسة مرتقبة من إعداد لجنة الخبراء المعنية بالصحافة الجيدة في العصر الرقمي، التابعة للمجلس الأوروبي (التي كنت أحد أعضائها)، تقتصر غالبية برامج التثقيف الإعلامي الموجودة على تعليم تلاميذ المدارس كيفية استخدام المنصات الرقمية وفهم المحتوى الإخباري. وهناك قلة قليلة للغاية تستهدف أشخاصا أكبر سنا (وهم الأشد حاجة) وتبين لهم من يتحكم في وسائل الإعلام والبنية التحتية الرقمية، أو تعلمهم آليات الاختيار الخوارزمي.

تتعرض الديمقراطيات في كل أنحاء العالم لاختبار إجهاد. فإن أرادت النجاح، عليها أن تعمل على تعزيز ركائزها المؤسسية. وهذا يتطلب أولا وقبل أي شيء فهم ماهية هذه الركائز، وأسباب أهميتها، ومعرفة من يحاول تفكيكها.

* ألكسندرا بورشاردت، كبيرة الباحثين في معهد رويترز لدراسة الصحافة بجامعة أكسفورد
https://www.project-syndicate.org

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1