بقلم مصطفى سعدون

لم يتمكّن رئيس الحكومة العراقيّة عادل عبد المهدي من إكمال كابينته الحكوميّة، على الرغم من مرور أكثر من شهرين على تكليفه بمهمّة تشكيلها.

للمرةّ الثانية خلال أقلّ من شهرين، يغادر رئيس الحكومة العراقيّة عادل عبد المهدي مبنى مجلس النوّاب العراقيّ بحكومة غير مكتملة، في وقت كان التعويل عليه بإكمال كابينته في الجلستين الأولى أو الثانية، لكنّه لم يتمكّن من ذلك.

حتّى الآن، لم يتمكّن عبد المهدي من إقناع الكتل السياسيّة بمرشّحيه المتبقّين لـ5 وزارات هي العدل والتربية والدفاع والداخليّة والهجرة والمهجّرين، بعد 3 أشهر تقريباً على تكليفه بتشكيل الحكومة من قبل رئيس جمهوريّة العراق برهم صالح.

وطرح عبد المهدي وزراء حكومته في جلستين سابقتين لمجلس النوّاب العراقيّ، لكنّه لم يتمكّن من الحصول على ثقة البرلمان لـ5 وزراء بسبب عدم التوافق عليهم بين الكتل السياسيّة، خصوصاً منصب وزير الداخليّة الذي تدور خلافات كبيرة حوله بسبب رفض زعيم التيّار الصدريّ مقتدى الصدر تسلّم فالح الفيّاض المنصب.

وعلى الرغم من الرفض السياسيّ خارج جلسات البرلمان لـ5 وزراء متبقّين، إلّا أنّ عبد المهدي يبلغ الكتل السياسيّة دائماً بأنّه لن يستبدل مرشّحيه ما لم يتمّ رفضهم داخل جلسات البرلمان، ويؤكّد في الوقت ذاته أنّ لديه البدلاء عنهم.

واقترح رئيس الحكومة العراقيّة عبد المهدي مجموعة حلول على رئيس مجلس النوّاب محمّد الحلبوسي تخصّ الإسراع في إكمال التشكيلة الحكوميّة، وهي تقديم أسماء جديدة كلّيّاً أو جزئيّاً وعرضها على رئيس الوزراء للاتّفاق عليها.

واقترح أيضاً التصويت على الوزارات المتّفق عليها وتأجيل الباقي، وحسم أمر الوزارات المؤجّلة إمّا بالتوافق أم بإعطاء طرف حقّ الترشيح والآخر حقّ الرفض.

وفي 22 كانون الأوّل/ديسمبر الحاليّ، حذّر النائب عن ائتلاف دولة القانون عبد الهادي السعداوي من "انهيار" حكومة عبد المهدي بسبب الخلافات بين تحالفي البناء بقيادة نوري المالكي وهادي العامري والإصلاح والإعمار بقيادة مقتدى الصدر وعمّار الحكيم.

قال أستاذ العلوم السياسيّة في الجامعة الأميركيّة في مدينة السليمانيّة عقيل عبّاس لـ"المونيتور": "هناك خيبة أمل واسعة من عبد المهدي، حيث ظهر في هذه التجربة ضعيفاً منقاداً إلى صراعات الكتل السياسيّة بسبب غياب القدرة على الحسم والاستقلاليّة، لكنّه أيضاً لا يريد أن يعطي من رأس ماله السياسيّ في هذا الصراع على المناصب السياسيّة".

وأضاف: "عبد المهدي يترك الكتلتين السياسيّتين الكبيرتين المتصارعتين على الوزارات لاستنزاف نفسيهما لتعودان إليه في ما بعد. لا يريد استهلاك نفسه بملفّ المناصب، بل بالإصلاحات وغيرها. هذه الصراعات وإن انتصر فيها، إلّا أنّها لا تعدّ مكسباً حقيقيّاً. المكسب هو أن يقتنع الجمهور بأنّ العادات السياسيّة السابقة اختلفت وبأنّ هناك شيئاً على الأرض".

تواجه حكومة عبد المهدي أيضاً محاولات من كتل سياسيّة لاعتبارها "غير قانونيّة"، على اعتبار أنّ الفقرة الأولى من المادّة 76 من الدستور العراقيّ تنصّ على أن "يكلّف رئيس الجمهوريّة، مرشّح الكتلة النيابيّة الأكثر عدداً، بتشكيل مجلس الوزراء، خلال 15 يوماً من تاريخ انتخاب رئيس الجمهوريّة"، وهو ما تعتبره هذه الكتل مخالفة قانونيّة لأنّ عبد المهدي لا ينتمي إلى الكتلة الأكبر.

ويحمّل السياسيّ العراقيّ عدنان السراج الكتل السياسيّة مسؤوليّة تأخّر إكمال الكابينة الحكوميّة لأنّها، بحسب قوله، "أخطأت" في التعامل مع عبد المهدي الذي وصفه أيضاً بأنّه "يتحرّك في شكل كامل مع الجمهور".

إنّ الأزمة التي تواجه عبد المهدي لا تتعلّق بالوزراء الذين لم ينالوا ثقة حتّى الآن فحسب، بل بوزيري الشباب والرياضة والاتّصالات، حيث يتّهم الأوّل بالإرهاب، بينما يتّهم الثاني بانتمائه إلى حزب البعث، وهو ما يهدّد وجودها في التشكيلة الحكوميّة.

وتكمن المشكلة الأساسيّة في تشكيلة عبد المهدي بحقيبتي الداخليّة والدفاع، ومن المتوقّع أن تبقيا بالوكالة بسبب عدم توافق الكتل السياسيّة على مرشّحي الوزارتين، وهذا ما هدّد به عبد المهدي الكتل السياسيّة عندما أبلغها: "لا مشكلة لديّ في إبقاء الوزارتين بالوكالة"، بحسب مقرّب منه تحدّث إلى "المونيتور".

ويتّفق المحلّل السياسيّ ابراهيم الصميدعي مع ما ذهب إليه عقيل عبّاس حول "نقل" عبد المهدي الأزمة إلى داخل الكتل السياسيّة، وقال لـ"المونيتور": "إنّ خيار نقل الأزمة إلى طرفي التوافق (البناء والإصلاح والإعمار) يؤدّي إلى استنزاف قوّة الطرفين".

وأضاف: "لو بقي عبد المهدي أسير التوافق بينهما، لتخبّط بعمله الحكوميّ، كما أنّه يعمل على كسب الوقت من هذا الصراع بين البناء والإصلاح والإعمار".

إنّ الخلافات بين تحالفي البناء والإصلاح والإعمار قد تضع عبد المهدي أمام خيارات عدّة، أوّلها وضع "تفكّك" حكومته الذي صار أشبه بالخطر الذي تحذّر منه الكتل السياسيّة، لكنّه في المحصّلة قد لا يحصل ذلك، على اعتبار أنّ حكومة التوافق مدعومة من كلّ الكتل.

لم تترك لعبد المهدي حرّيّة اختيار وزرائه، مثلما روّجت له الكتل السياسيّة قبيل تشكيل الحكومة، وهذا يؤشّر إلى أنّه صار ينقاد إلى مواقف الكتل السياسيّة الداعمة وغير الداعمة، وما يؤكّد عدم وجود مساحة له لاختيار الوزراء، هو إصرار الكتل السياسيّة على مرشّحيها الذين يرفضهم عبد المهدي وكتل سياسيّة منافسة.

ويختتم أستاذ العلوم السياسيّة في الجامعة الأميركيّة عقيل عبّاس تحليله لوضع عبد المهدي حاليّاً، ويقترح إعطاءه 6 أشهر أو عاماً كاملاً لإثبات جدارته ومن ثمّ الحكم عليه، لكنّه في الوقت ذاته، يعتقد أنّه في حال استمرّ وضع الحكومة على ما هو عليه الآن، فإنّ عمرها سيكون في أقصاه سنة واحدة.

في المحصّلة، إنّ عبد المهدي فشل حتّى الآن في إقناع الكتل السياسيّة بمرشّحيه، فحتّى الوزراء الذين تمّ التصويت عليهم يواجهون خطورة الإقالة من مناصبهم.

http://www.al-monitor.com

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1