الفاشية تجدد نفسها. أحزاب اليمين المتطرف، عدا القليل منها، طورت خطابها. لم تعد طروحاتها قائمة على أساس العرق واللون كما كانت حتى أواسط القرن العشرين. استعارت طروحات المحافظين وبعضاً من المفاهيم الديموقراطية، واحتفظت بتوجهاتها القومية وبمعاداة الآخر المختلف.

أفادت من العولمة ومن النيوليبرالية المتوحشة اللتين تسحقان الطبقات الفقيرة لتعبئ الشعوب ضد المؤسسات الراسخة والطبقة السياسية والدولة العميقة. ظاهرة ترامب ولوبن ليست وليدة اللحظة. هي ليست ابتكار هتلر أو موسوليني أو فرانكو أو مكارثي. لم تهبط من السماء. هي نتاج تفاعل مستمر مثل أي ظاهرة اجتماعية أو سياسية. تتداخل في تكوينها عوامل اقتصادية واجتماعية ونفسية.

في ظل الأزمات تزدهر الفاشية. هذا تاريخها في ألمانيا، حيث صعدت بعد هزيمة برلين في الحرب العالمية الأولى وأفقرت شروط الاستسلام المذل البلاد، ما أتاح لهتلر والحزب النازي الانتشار والوصول إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع، تماماً مثلما وصل موسوليني في إيطاليا. ويكفي أن نعدد بعض الأحزاب اليمينية المتطرفة التي نشأت منذ السبعينات إلى اليوم في أوروبا كي نعرف مدى تجذر الثقافة الفاشية في هذه القارة: الحزب القومي البريطاني، حزب الاستقلال الإنكليزي، تحالف الشمال الإيطالي، حزب الحرية في النمسا، الجبهة الوطنية في فرنسا، النازيون الجدد في ألمانيا، وهناك عدد من الأحزاب والتجمعات الصغيرة الأقل انتشاراً وشهرة.

بروز الفاشية بشعبويتها مرتبط تاريخياً بالأزمات والحروب وبالنقمة على الأنظمة التي تحملها مسؤولية هذه الأزمات. ولأن أوروبا الليبيرالية تعيش أزمة اقتصادية استطاعت الأحزاب اليمينية المتطرفة استقطاب فئات من الشعب، خصوصاً الفقراء وسكان الأرياف، وهي تخوض لعبة الانتخابات على أساس استعادة كرامة «الأمة» وتخليص هؤلاء من الطبقة السياسية الحاكمة التي همشتهم.

ففي بريطانيا، على سبيل المثال، استطاع اليمينيون إقناع الغالبية الشعبية بأن الخروج من أوروبا سيعيد إليهم هويتهم، وجواز سفرهم «الأزرق»، على ما يقول زعيم حزب الاستقلال نايجل فراج، ويخلصهم من القوانين الأوروبية التي تفرض حرية التنقل بين دول القارة، ويوفر أموالهم التي يدفعونها إلى الاتحاد لصرفها في الداخل وتحسين قطاعات تعاني أزمة مالية مثل قطاع الصحة (قدرها بـ 300 مليون جنيه إسترليني في الأسبوع)، والأهم بالنسبة إليه عدم السماح للأجانب، خصوصاً الأوروبيين، بالعمل في البلاد ومنافسة عمالها.

ولا تختلف لوبن كثيراً عن فراج فمن أولوياتها الخروج من الاتحاد الأوروبي للأسباب ذاتها التي يركز عليها اليميني البريطاني المتطرف، فضلاً عن استعادة أمجاد فرنسا الاستعمارية. ولا ننسى تصريحات ترامب، خلال حملته الانتخابية وبعدها، وتركيزه على استعادة أميركا قوتها التي فرطت بها الطبقة السياسية (الديموقراطيون والجمهوريون)، وذهب في الرهاب أبعد من الأوروبيين بتعهده بناء جدار على طول الحدود لمنع المكسيكيين من منافسة العمال الأميركيين، فضلاً عن تعهده إعادة المصانع المقفلة إلى العمل والإنتاج، وإجبار الدول التي تحظى بحماية واشنطن على دفع ثمن هذه الحماية. لكن من أهم قراراته التي اتخذها على الصعيد الداخلي كان خفض الضرائب على المتمولين، والسعي إلى إلغاء الضمان الصحي المعروف بـ «أوباما كير».

أما ظاهرة ماكرون المتوقع فوزه بالرئاسة الفرنسية فتختلف شكلاً عن ظاهرة الفاشيين، فالرجل الآتي من مؤسسات روتشيلد يمثل النيوليبرالية بكل ما تعنيه من التوحش والسعي إلى الهيمنة في الداخل والخارج، وعدم تدخل الدولة، وتحكم الشركات بالاقتصاد، إلا عندما يكون هذا التدخل لمصلحتها، مثلما حصل في أميركا عام 2008 حين انهارت مصارف كبرى، ما اضطر البيت الأبيض إلى التدخل لوضع حدد للانهيار المالي الذي طاول أوروبا والشرق الأقصى والدول العربية أيضاً.

لكن أين نحن من صعود الفاشية والنيوليبرالية في القارة القديمة وفي الولايات المتحدة؟ ما تأثير ذلك في بلادنا، حيث يصعب تصنيف أنظمتها التي ما زالت إقطاعية في معظمها ملحقة بالشركات المتعددة الجنسية، والوطني لا يمكن تصنيفه إلا في خانة الديكتاتورية. بلداننا، مهما كان نوع الأنظمة في أوروبا، عرضة للحروب المتعاقبة، في ظل الليبيرالية المتحالفة مع إسرائيل منذ إنشائها، وتروج مقولة الحضارة اليهودية- المسيحية، والفاشية التي طردت اليهود إلى فلسطين.

الفاشية تزدهر. لوبن تتقدم. ترامب يركز سياساته ويستعيد أميركا القوية، والجميع يساعدنا ديموقراطياً لإنقاذنا من الرقص على جثث قتلانا والاحتفال بفنائنا.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0