منذ صغري وانا اسمع كلمات المسيئة من امي وابي، والتجاهل والاساءة، لم أنسى تلك الكلمات (انت غبي، انت فاشل، ولد غير صالح)، مازالت معي هذه الكلمات وتعيق عملي فكلما تقدمت خطوة تذكرتها فأسقط في قاع الفشل، لم أستطع ان أنسى صوت والدتي وهي تصرخ في وجهي بأنني لست مهذب ولا يليق بعائلتنا ان يكون لها ولد مثليِ وانني وصمة عار، اما والدي فكان يتمنى موتي، دعواته كانت قاسية عليّ وامام الملا، مما جعل الجميع يكرهني.

لسوء حظي انني لم احقق احلام عائلتي وكانت تصرفاتي صبيانية تزعجهم، وكثرة الشكاوى عندهم، وباءت كل محاولات الاقرباء لتودد والتقرب بيني وبينهم بالفشل لان والدي كان يعترض على تدخلاتهم ويعلق على مواعظهم بانه حريص على تربيتي وتعليمي، ووالدتي هي الاخرى كانت ترفض ان تسمع التعليقات حول تربيتها.

مضت السنوات ورحل والدي من عالمي، لكني أتذكر كل يوم شتائمه، كما لو كان الأمر بالأمس، يقشعر بدني اتمنى لو كنت رجلا في وقتها لقول: ان كلامك كان رصاص يا ابي وليس حروف، سهام ترمي في قلبي، لو حدثتني بطيب وحسن الخلق لتغيرت، لكنك كنت ترفض ان تسمع مني او تصدقني، تأنبني وتعاقبني لكن دون جدوى، بقيت عنيداً، مشاغباً، مزعجاً، هكذا تحدث احمد عن يومياته مع عائلته لرفيقه جعفر.

اجابه جعفر: لا تحزن يا رفيقي وترحم على ابيك، ولا تجعل نفسك اسير الماضي، كن انت التغيير الذي تريده، فانت الان رجل وتستطيع ان تغير شخصيتك؟، اجابه احمد بحزن منكسر: يا رفيقي لو زرعت عشر سنوات في الارض زهورا ماذا ستقطف هل تقطف ازهار ام اشواكا؟، والدي كان يزرع في داخلي الاشواك ووالدتي تسقيها من دون قصد منهما انا اعلم، ولكن كما تعرف خرجت الزهرة صبارة.

جعفر: مما لا شك فيه أن ضرب الطفل يترك كدمات وندبات على جسمه، كذلك الكلمات الجارحة يا احمد تترك جروحا لا تري بالعين بل في القلب، لا أحد يعرف ما يحدث للطفل كما قلت تصبح الزهرة صبارة !! فقد قرات ذات يوم عن العنف اللفظي واثاره، ووفقا لدراسة أجرته ناتالي ساكس - اريكسون، في جامعة فلوريدا، على العنف اللفظي، وجدت ان الناس الذين تعرضوا لأي نوع من أنواع السباب خلال طفولتهم لديهم أعراض الاكتئاب والقلق أكثر من 1.6 ضعف من أولئك الذين لم يتعرضوا للسباب، ويتضاعف احتمال معاناتهم من اضطرابات القلق أو المزاج أكثر في حياتهم ، فقد نشرت مجلة لا نسيت الطبية مؤخرا في بريطانيا دراسة أشارت إلى أن 10% من الأطفال يعانون من واحد أو أكثر من مختلف أنواع الاعتداء، بما في ذلك العنف اللفظي أو الجسدي أو الاعتداء الجنسي،

معلوماتك قيمة يا جعفر وهل هنالك انواع لهذا العنف اللفظي ؟، نعم يا احمد من أنواع العنف اللفظي: إطلاق أسماء على الطفل، أو استخدام لغة سوقية جافة، بالإضافة إلى انتقاده باستمرار، الرفض أو التهديد بترك الطفل، أو تمني عدم وجود الطفل، وإعطاء الطفل الشعور بأن الأسرة لا تريده، والتهديد بضربه، مما يزيد مخاوفه، إلقاء اللوم على الطفل: فلوم الطفل الدائم، يمنحه لشعور بأنه شخص سيء يفعل الخطأ باستمرار، استخدام السخرية: فالتهكم علي الطفل، يحط من اعتداده بنفسه.

صدقت يا صديقي هذا ما كنت اشعر به ما هي آثار العنف اللفظي على الطفل يا جعفر؟، آثار العنف اللفظي على الأطفال بالغة جدا، وفي بحث نشرته الدورية الأميركية للطب النفسي، كشف عن أن الإساءة اللفظية في الطفولة يمكن أن تجرح الأطفال بشدة وقد تكون مباشرة من الاهل او عن طريق المدرسة او شاشة التلفاز في المسلسلات والافلام التي يشاهدها الاطفال.

• عدم الثقة النفس.

• السلوك المعادي، وقد يكون رد فعل بعض الأطفال كضرب او التكسير.

• سوء المعاملة المستمر قد يؤثر على نمو طفل جسمانيا، واجتماعيا، وأكاديميا أو عاطفيا، وقد يبدأ الطفل بإظهار علامات الاضطراب العاطفي مثل مص الإبهام، أو التبول اللاإرادي أو عدم التفوق الدراسي. - وعلي المدي الطويل، أظهرت الدراسات أن الطفل قد يكون عرضة للاكتئاب والقلق عند الكبر، وبعض الأطفال قد يلجئون للعنف كوسيلة للتفاهم.

• أن العنف اللفظي والنفسي يؤديان إلى أضرار دائمة في طريقة تكوين الدماغ تبقى مدى الحياة كجروح وندوب في الدماغ، وهذا ما أكده الباحث مارتن تاتشر وزملاؤه في كلية الطب بجامعة هارفرد، إن هذه الجروح والندوب الدائمة في الدماغ التي تعوق نمو الدماغ بطريقة سليمة يمكن مشاهدتها بالوسائل الحديثة للتصوير الدماغي، وهذا ما تم بحثه في دراسة مقارنة نشرته المجلة الأميركية للطب النفسي، إذ وجدت الدراسة أن دماغ أولئك الأفراد الذين عانوا من عنف لفظي يحتوي على نسبة أقل من المادة الرمادية التي يعتقد أن لها علاقة وطيدة بمستوى الذكاء والقدرة على التحليل والتفكير المعقد.

• نطق غير سليم وتأخر في القدرة على الفهم، قلق، احباط، البكاء من غير سبب، لا يبدي مضايقة عندما يؤخذ من والديه رغم صغر سنه.

كيف نمنع الإساءة اللفظية يا جعفر؟، من الصعب جدا يا احمد ايقاف العنف اللفظي لأنه لا توجد له علامات ظاهرة مثل علامات أو كدمات أو أي من الأشكال الأخرى التي يحدثها العنف البدني مثلا، يحتاج الى متابعة وتحري من قبل الاستشاريين ومثال على ذلك الحصول على نتائج ضعيفة في المدرسة، أو أن يكون الطفل معزول اجتماعيا، أو أن يظهر على الطفل سلوك معاد للمجتمع.

كيف نعالج الطفل من العنف اللفظي؟، الأبحاث الحديثة بينت أن العنف اللفظي يترك آثارا أكبر بكثير مما كان يعتقد سابقا، وذلك بفضل تطور الأجهزة الحديثة للتصوير الدماغي، فهو يؤدي إلى ضرر دائم في تركيب ونمو وتطور الدماغ البشري، بل في دراسة على أفراد أعمارهم تتراوح ما بين 18 و25 سنة تعرضوا للعنف اللفظي، وجد تخلف في تطور الاتصال بين الفصين الأيمن والأيسر من الدماغ، وهي نفس المجموعة التي تعاني من نسبة أعلى من التوتر والاكتئاب والغضب والعداء والإدمان نتيجة العنف اللفظي في مرحلة مبكرة من أعمارهم.

الاهتمام بطفل وزرع الثقة في داخلة من خلال التشجيع على المبادرات المفيدة, مثل المسؤوليات التي تناسب سنه، التعامل مع الطفل بشكل إيجابي (عاطفيا أو نفسيا) بتوفير المكان المناسب والمأكل والمشرب، و تقديم المكافأة المادية أو المعنوية لكل عمل ايجابي يقوم به الطفل، زيادة الوعي عند الأب والأم حول كيفية تربية الأطفال تربية اسلامية صحيحة، وتأديبهم دون الحاجة للعنف، وزيادة الوعي الديني والأخلاقي والتربوي في الاسرة، عدم التفرقة المعاملة بين الأبناء، الابتعاد عن تعاطي المخدرات، أو تناول الكحول من قبل الاب، دعم الطفل ومساندته في التعليم وان كان ضعيفا، احتضانه وتقبيله يعزز ثقته ويحسن خلقه، كما قال الرسول محمد صلى الله عليه واله وسلم : «أكْرِمُوا أوْلاَدَكُمْ وَأحْسِنُوا آدابَهُمْ».

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
0