إنَ الزواج الثاني أو تعدد الزوجات كنار الشتاء!! يتحلّق الناس حولها، فيتحدّثون عنها سلبا أو ايجابا ويبدأ التنظير دونما بعد نظر، بيد أنّ الذي يتدفأ على النار ليس كمن يكتوي بلهبها، وثمّة من تقول أن هذه النار التي تأكل بيتي اليوم، ستمتد الى بيتكم غداً!.

فهل يشكل انتشار هذه الظاهرة والتشجيع عليها من البعض ظلما للمرأة وتفكيكا للأسرة ولاسيما أن الرجل يعتبر الدين الراعي الشرعي لزواجه من أخرى؟!.

تعددت الأسباب والخَيبة واحدة

وفي جولة للتعرّف على آراء عدد من الرجال والنساء ولإماطة اللثام عن دوافع وآثار الزواج الثاني كان التحقيق التالي لشبكة النبأ المعلوماتية..

تقول احدى السيدات: أقعدني المرض، فكانت فكرة زواجه من أخرى اقتراحاً من والدته، وافقتُ على مضض فهذا أفضل من الوقوع في الحرام ولم يجد زوجي غضاضة في القبول، وكان زواجه ضرورة للعائلة كلها. وتضيف: حزني متجذّر في الاعماق فأنا ما كنت سأقوم بما فعله لو كنت مكانه، إلا انه رجل والمقاييس تختلف، ورغم كل ذلك إلا أن علاقتي مع زوجته الثانية جيدة بل أفضل حتى من سلفتي، ونطق المثل الشعبي بصدق: (مركب الضراير سار ومركب السلايف احتار).

وبنفس المنطق يجيب السيد علي: شجاعة زوجتي الاولى في قبول زواجي الثاني تكمن في اختيارها بنفسها لضرّتها، وانطلقت هذه القوّة من خضم المحبة والشفقة تجاهي، فهي لا تنجب وارتأت أن من حقي أن يكون لي ذريّة، ومع هذا فإن زواجي الثاني بلا شك سقى حياتها بكأس الخذلان والوحدة والامر ليس بيدها فهذه عاطفة كل امرأة.

ضرورة أم خيانة؟!

"كانت الطعنة في زواجه بها غير محزنة، فأنا قطعت عتبة الصدمة بنظراته وعلاقته بها قبل ذلك عندما كانت تزورنا"، هكذا أجابت (سعاد) والألم ينخر في نفسها، وهي تعتبر زواجه "خيانة" وليس حقاً البتّة. وتضيف: لم أكن أعي ولم أدرك حينما كانت صديقتي تتردد لمنزلنا و-كنا نستبقيها دوماً للعشاء- أن البساط يتم سرقته من تحت أقدامي.

ولم تبرر هذه السيدة فعلة زوجها فتضيف: لم أقصّر في حقّه ولم تشهد حياتنا نزاعات تستوجب ما قام به، سوى أني تركت الحبل على الغارب في جلسات مشتركة بينهما وما حدث جريمة، المجرم الاول فيها زوجي والثاني صديقتي، وطلبتُ الطلاق مداراةً لكرامتي ولم اغفر له فزواجه منها ليس "غلطة مطبعية".

وتؤكد أم محمد على تلك الحقيقة فتقول: خبر المرأة الثانية لزوجي كان بمثابة زلزال هزّ البيت ولمّا يهدأ، وأساس مشكلتنا هي "الفلوس التي تخرّب النفوس"، فزوجي حديث النعمة بالثروة، وبكل بساطة تزوّج بأخرى وبنى بيتا وأسس عائلة وهدم أخرى، فأبنائي على علاقة سيئة بأبيهم، فهو يجود على تلك بالكماليات ويبخل علينا بالضروريات، فساءت الرابطة بل أُلغيت بتعبير أدق.

ولم تطلب هذه السيدة الطلاق، وتقول: إن عدم الطلاق محاولة يائسة مني لحفظ العائلة من التفكك – من الخارج على الاقل- وأنا صابرة على غرار أولئك النسوة اللاتي لا يجدن متكئ على أكتاف عائلاتهن.

المجتمع ابن العادة

"قاموسنا الاجتماعي مشوّه ومليء بكلمات حفظناها عن ظهر قلب، وهو اعتبار الزواج الثاني قلّة وفاء أو نكران للعشرة وهذه مفاهيم مغلوطة بحاجة الى جلاء، فعندما نسمع بأن رجلا تزوّج بأخرى ينفتح فم الناس من تلقاء نفسه بالهجوم عليه"، هكذا قال السيد محمد وهو متزوّج بامرأة ثانية من بلد آخر. ويضيف: تزوّجت على سنة الله ورسوله، وما كنت سأتزوّج لولا رفض زوجتي لمرافقتي في سفري الدائم وهذه طبيعة عملي، وأي شيء أجمل من الاخلاص، لكنّها هي من دفعتني لذلك، وهي تشيع بين الجميع عكس ما حدث، فظهرت بمظهر "النسونجي" و"عيني لاتشبع" وكلام الناس لا يرحم.

وتؤكد أم رضا هذه الحقيقة فتقول: قبول الموضوع صعب، وأنا غفرت لزوجي ولم أنسى، فبعض الرجال لا يكتفي بواحدة وحظي كان عاثرا بزواجي من هذا النموذج، وواجهت قدري بصلابة لكن الأصعب منه الصورة النمطية الظالمة لزوجي ونظرة المجتمع لي، فالحق يُقال إنه يستطيع اعالة أكثر من زوجة ويتحمّل مسؤولية ذلك، وأنا يؤثّر عليّ كلام الناس أكثر من غصّة ما حدث، فبعض النساء تتقبّل هذه الوضعيّة مع الزمن مثلي، لكن عيون الناس وهمساتهم تُذكّرها بوضعها الخاص وان كانت هي نفسها قد نسيته وتشي بأنها مسكينة ومُضطهدة أو غير كفوءة على مبدأ" لو كان في خير ما كان رماه الطير!".

وأضافت ضاحكة وشرّ البليّة ما يضحك، بأنه تزوّج بثالثة وهذا ما شفى غليلها بعض الشيء كما تقول.

و"لا تقربوا الصلاة"!!

وللدين كلمة فقواعده ومبادئه محكمة في كل مجالات الحياة، فما هو رأي الشريعة في الزواج الثاني؟! وكان جواب السيد حسن الموسوي على ذلك كالتالي:

"قد أباح الاسلام الزواج بأكثر من واحدة، وهذا الحكم اعتبره الكثير من الرجال شمّاعة لزواجهم، وعلى أساس الآية الكريمة: "فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع"، فوقعوا في فخ التجزيء، كما في "ولاتقربوا الصلاة" وتكملتها "وأنتم سكارى"، وكذلك لآية تعدد الازواج تكملة وهي: "فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة" وهذا الجهل من قرأ القرآن لأول وهلة.

فالاسلام أحل ذلك لكن بشروط وأهمها وأصعبها العدل، ولمن يخاف عدم العدل فالافضل ألا يتزوّج إن لم يكن مُضطراً، ولذلك نرى أنّ رسولنا الاكرم (ص) وأهل بيته قد تزوّجوا بأكثر من واحدة لأنهم معصومون وهم العدل بذاته، ونلاحظ انّ الكثير من مراجعنا الكرام لم يتزوّجوا رغم التزامهم الديني والخُلقي الدقيق ومكانتهم الكبيرة فهم يخشون من الوقوع في شُبهات هم في غنى عنها إن لم يكن الوضع مُلّحاً.

فالاصل في التعدد مُباح والضرر ليس بجوهر الموضوع وإنما الاخلال في تطبيق الشروط ومن منّا يستطيع العدل، وأن يتعهد زوجاته بالرعاية المتساوية؟! فضلا عن حقيقة مؤسفة وهي أن الكثير من الرجال يحتّجون بالشريعة وهم أبعد ما يكونون عن الدين وجوهره، فنحن نحتاج شحذ للوعي في هذا الموضوع. فليفكر الرجل قبل الاقدام على الزواج الثاني ليتدارك ما يحتمل خسارته، وقد تكون الخسارة كبيرة وهي كسر خواطر ودعوة مظلوم ويا لها من دعوة"!.

ويبقى الخيط الذي يفصل بين حق الرجل في الزواج الثاني وبين نفيه واضحاً لا لبس فيه ولا ابهام، هذا إن لم يكن هذا الخيط فتيلاً من النار قد يُؤنس الرجل أحياناً ويحرق الحلقة الأضعف في هذه العلاقة ألا وهي المرأة في حالة عجز الزوج عن تحقيق العدل بعد الزواج الثاني.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1