ما يميز هذا العمل ليس فقط تعدد الأصوات، بل الطريقة التي تحولت بها الكتابة من فعل فردي إلى تجربة جماعية تعكس التعاون والتكامل. يظهر الكتاب كيف يمكن للإبداع أن يولد من روح الفريق، حيث استطاع كل كاتب الحفاظ على هويته الأدبية، وفي الوقت ذاته، الانسجام مع الرؤية العامة للعمل...

الكتابة ليست مجرد حروف تُسكب على الورق، بل هي تجربة عميقة تنبع من الروح، تحمل بين طياتها أحلامًا، مشاعر، وتحديات لا يراها القارئ لكنها تُشعره بها. في عالم الإبداع، حيث تتشابك الأفكار وتلتقي الأرواح عبر الكلمات، وُلد هذا المشروع المشترك، الذي جمع بين 22 قلمًا، لكلٍ منهم رؤيته الخاصة، لكنهم جميعًا اتفقوا على هدف واحد: أن يضيئوا صفحات هذا الكتاب بنور تجاربهم. فما الذي يجعل الكتابة الجماعية تجربة استثنائية؟ وكيف نجح هؤلاء الكُتّاب في تحويل أحلامهم إلى واقع؟

التحديات والتنسيق بين الكتاب

لقائنا مع الكاتبة معدة الكتاب، وفاء النجار ذكرت: شعرتُ أن فكرة هذا الكتاب يجب أن تتحول إلى مشروع حقيقي عندما اشتدت رغبتي في تدوين الخواطر والمذكرات التي أريد إيصالها للقراء، ورغبتُ في تخليدها على الورق كإنجاز لنا جميعًا.

أما منسقة العمل فاطمة كامل فقالت: لم يكن تنسيق العمل بين 22 كاتبًا أمرًا سهلًا، فقد واجهنا تحديات عديدة، بدءًا من تراجع بعض الأعضاء عن المشاركة في اللحظات الأخيرة، وصولًا إلى اختلاف الرؤى حول بعض التفاصيل. في كل مرة ظهر خلاف أو عقبة، كنا ندرك أن النجاح يتطلب المرونة والتفاهم، لذلك وضعنا نظامًا واضحًا لإدارة العمل، يضمن سير الأمور بسلاسة دون الإخلال بروح الفريق.

حددنا مواعيد نهائية مرنة تتيح للجميع تقديم أفضل ما لديهم دون ضغط غير ضروري، واعتمدنا على وسائل تواصل فعالة تبقينا على اتصال دائم، مما سهّل التنسيق وسرّع حل المشكلات. أما توزيع المهام، فقد حرصنا على أن يكون عادلًا ويُراعي قدرات كل فرد، بحيث يشعر الجميع بمسؤوليتهم تجاه المشروع. وعندما نشأت اختلافات في وجهات النظر، لم نتركها عقبة تعطلنا، بل كنا نلجأ إلى النقاش الجماعي، نبحث عن حلول وسطى تحقق التوازن بين الأفكار وتضمن خروج العمل بأفضل صورة ممكنة.

بهذه الطريقة، لم يكن المشروع مجرد عمل مشترك، بل تجربة غنية وممتعة، أظهرت مدى النضج الفكري والإبداع الذي يحمله كل قلم في الفريق.

تجربة الكتابة

وبالنسبة للكاتب حمزة عادل السعد فقد أوضح: أثرت هذه التجربة تأثيرًا عميقًا، وربما كانت الأكثر دقة في توصيل رسالتي حتى الآن.

خلال عملي على كتاب ضجيج الصفحات، شعرتُ أن قلمي خاض تحولًا حقيقيًا، ليس فقط في أسلوبي الكتابي، بل أيضًا في طريقة تعاملي مع الأفكار والنصوص. أصبحت أكثر وعيًا بقوة الكلمة، وأكثر دقة في اختيار العبارات التي تترك أثرًا طويلًا في ذهن القارئ.

لقد دفعتني هذه التجربة إلى استكشاف مستويات جديدة من التعبير، حيث تعلمت كيف أخلق توازنًا بين العفوية والعمق، وبين البساطة والفلسفة. كما أن الكتابة ضمن عمل مشترك جعلتني أكثر انتباهًا إلى التفاصيل، وأكثر مرونة في دمج أفكاري مع رؤى أخرى دون أن أفقد هويتي الأدبية.

أما عن التأثر بأساليب الآخرين، فلم يكن مجرد استلهام، بل كان تحديًا لصقل صوتي الخاص، بحيث لا يكون مجرد صدى عابر، بل امتدادًا ناضجًا لمشاعري وأفكاري. لهذا، أستطيع أن أقول إن هذه التجربة لم تغيّر أسلوبي فقط، بل جعلته أكثر وعيًا، وأكثر نضجًا، وأكثر قدرة على ترك بصمة لا تُمحى.

إننا، نحن الكُتّاب، قادرون على تحويل الغموض إلى كلمات نابضة بالحياة، ومن تساؤلات مبعثرة إلى رؤية واضحة. كانت هذه التجربة خير برهان على ذلك.

رسالة الكتاب

في حين أشارت إنعام خميس الجبوري إلى: أيها العالم، أنا الكتاب، جئت لأحدثكم عن السعادة والفرح، عن القيم والمبادئ، عن الأمانة والصدق والوفاء، عن الأمل والصبر والرضا، عن العدل والمساواة، عن السلام والحب والخير، عن العلم والتطوير، عن حقوق الآخرين والعطاء، عن الحرية.

الكتابة الصادقة

أما الكاتبة رسل حسين فقد عبّرت عن تجربتها قائلة: مررت بلحظات شعرت فيها بصعوبة في الكتابة.

في أحد الأيام، واجهني موقف مؤثر تسبب لي بألم عميق، حتى وجدت نفسي ممسكة بالقلم، أحاول لملمة كلماتي المبعثرة في نص ينبض بالحياة، يعيد للكلمات شعورها. لكن شيئًا غير متوقع قد حدث، إذ وجدت قلمي يرفض الاستجابة، كأنه تأثر بالمشهد مثلي. شعرت أنني أدور في دائرة فارغة، وبدأ الإحباط يتسلل إليّ، حتى فقدت الرغبة في الكتابة تمامًا.

زاد شعوري بالعجز عندما لم تفلح أي من محاولاتي في التعبير، وكدت أستسلم لفكرة التخلي عن الكتابة. حينها، قررت التوقف قليلًا، فألقيت القلم جانبًا وجلست بصمت أستمع إلى موسيقاي المفضلة، محاوِلة تهدئة نفسي. تركت ذهني يسرح بعيدًا عن الضجيج، متسائلة: هل سأتخلى عن حلمي بهذه السهولة؟

مر وقت لم أحسبه، ثم وجدت نفسي ممسكة بالقلم مجددًا، ولكن هذه المرة بتردد. كتبت أول جملة خطرت ببالي، ثم تتابعت الكلمات واحدة تلو الأخرى، كأن الحياة عادت لقلمي. لم يكن النص الذي كتبته مثاليًا، لكنه أعاد لي يقيني بأن التوقف أحيانًا ليس النهاية، بل هو فرصة لاستعادة النفس قبل الانطلاق من جديد.

الصبر والمثابرة

وبدورها أكدت الكاتبة رملة الهلالي أن: أكبر درس تعلمته من تجربة المشاركة في كتابة أول كتاب مشترك لي هو أن الكتابة ليست مجرد إلهام، بل تحتاج إلى صبر ومثابرة. أحيانًا كنت أشعر بأنني لن أنتهي أبدًا، لكن السر يكمن في الاستمرار.

تقديس الذكريات

فيما رأت الكاتبة زينب علاء حسين المختار أن: الفكرة الجوهرية التي يحملها هذا الكتاب للقارئ تتمثل في تقديس الذكريات وحب الماضي مهما كانت صعوبته، إلى جانب بناء جسر من الأمل فوق نهر اليأس الذي يظهر جليًا في كتابات العديد من المؤلفين. فلكل كاتب قصة يأس يرويها، لكنه يتبعها بقنديل صغير من الأمل لينير حياته.

أما فكرتي الخاصة، فهي تعزيز هذه الرسالة من منظور مختلف؛ إذ أريد أن أثبت للعالم أن مريض السرطان قادر على تحقيق كل ما يطمح إليه، رغم آلامه وأوقاته الصعبة. فالسرطان ليس نهاية، بل هو بداية حياة جديدة تُبنى على الأمل والإرادة.

تأثير الكتاب على القارئ

أما الكاتبة زينة علي مطشر فقد تحدثت عن تأثير الكتاب على القارئ قائلة: يؤثر هذا الكتاب على القارئ بعدة طرق مهمة. أولاً، يساعده على توسيع آفاقه وزيادة معرفته، مما يمكنه من استكشاف عوالم جديدة والتعرف على ثقافات وتجارب متنوعة. ثانيًا، يعزز من قدراته الفكرية ويساعده على التفكير النقدي، مما يمكنه من فهم العالم من زوايا مختلفة. ثالثًا، قد يكون للكتاب دور في إلهام القارئ لاكتشاف مواهبه المدفونة وتطوير اهتماماته في مجالات متعددة. بشكل عام، تساهم القراءة في تشكيل وعي أعمق وفهم أوسع للحياة والمجتمع.

وحدة الشعور بين الكتاب

وذكرت الكاتبة زهراء سليم هندي أن: كل كاتب يشترك مع غيره من الكُتّاب في فيض الشعور وقدرته على تجسيده على الورق. جميعنا نكتب بحروفنا، لكننا نتحدث بلغة واحدة، لغة الإحساس العميق والتعبير الصادق. 

يُقال "إن الكاتب يكتب ليُسمَع"، وربما لامسني هذا القول لفترة طويلة. نعم، شعرت بارتباط وثيق مع النصوص الأخرى، وكأنني أجد أفكاري منعكسة بين كلماتهم المضيئة. هذه القدرة على قراءة جُمل بعضنا البعض بنفس التركيز والانغماس الذي نمنحه لكلماتنا الخاصة هي ما يجعلنا أشبه بامتداد لبعضنا البعض.

وكما أوحى عنوان الكتاب "ضجيج الصفحات"، فإن هذه الصفحات التي يقلبها القارئ الآن هي انعكاس لحروفٍ سطّرناها بحلم مشترك، كلماتٌ تمنت وما زالت تتمنى أن تجد مرساها. جميعنا كتبنا بالشغف ذاته، بالحروف النجمية نفسها تحلم رغم اختلاف أصواتها. وعند قراءة ضجيج الصفحات، سيشعر القارئ بتلك الوحدة الشعورية التي جمعتنا جميعًا. فكيف لي ألا أشعر بالارتباط؟

الكتابة رسالة 

وأوضحت الكاتبة صباح الموسوي أنها شعرت بأن: كانت هذه التجربة بمثابة انكشافٍ آخر لعُمق الإنسان في هشاشته وقوّته معًا، كأنني أمدُّ يدي عبر الحروف لأربّت على جراحٍ لم أرها، وأواسي أرواحًا لم أسمع أنينها، لكنني شعرتُ بها تتنفّس بين السطور. لم يكن مجرد إسهامٍ أدبيّ، بل كان صوغًا جديدًا لوعيي، حيث اختبرتُ كيف يمكن للكلمات أن تصبح ضوءًا في عتمةٍ لا تُرى، وجسرًا بين غرباء لم يجمعهم سوى وجعٍ مشترك وأملٍ يبحث عن صوت.

على المستوى الشخصي، اكتشفتُ أن الكتابة حين تُوجَّه إلى القلوب التي تخوض معركةً مع الحياة، تتحوّل من فعلٍ إبداعيّ إلى رسالةٍ لها ثقلُها، مسؤوليتُها، وأثرُها الذي قد يمتدّ أبعد مما يتخيّله الكاتب نفسه. لم يكن الأمر مجرّد مشاركةٍ في كتاب، بل كان تمرينًا حقيقيًا على أن أضع روحي حيث تكون الحاجة إليها أشد، وأن أخلّص الكتابة من أُطرها التقليدية لأجعلها أكثر التصاقًا بالحياة، أكثر قدرةً على منح الدفء لمن يرتجف في الظل.

لقد أعطتني هذه التجربة بُعدًا جديدًا لمعنى الأثر، علّمتني أن الاسم المكتوب على الغلاف لا يُقاس بثقله، بل بما يتركه في القلوب التي تقرأ، وأن أجمل ما في العطاء أن يكون خفيًّا، حيث يظلُّ مجهولُ الكاتب أقلّ أهميةً من حضور كلمته، وأبقى.

تجربة إنسانية عميقة 

أما الكاتب محمد رضا الدليمي فقد لفت إلى أن: هذا الكتاب يعكس واقعنا الشخصي إلى حدٍّ كبير، حيث يتناول تجارب ومواقف نعيشها أو نشهدها في حياتنا اليومية. وفي الوقت ذاته، يسعى إلى تقديم صورة أوسع عن الواقع الاجتماعي، من خلال تسليط الضوء على قضايا ومشكلات تمس المجتمع ككل. مشاركتي في هذا الكتاب تعكس رؤيتي وتجربتي، سواء من خلال الكتابة عن واقعي الخاص أو من خلال استعراض تجارب الآخرين بأسلوب موضوعي. كما ساهمتُ في تأليف فصل مشترك مع أحد الأساتذة، حيث تناولنا قصة أحد مرضى السرطان، مستعرضين تفاصيل معاناته بطرح إنساني عميق.

الكتابة الجماعية

وأكدت الكاتبة نبأ ميثم سلمان أن: أن تجربة الكتابة الجماعية لها لذه خاصة وجميلة. 

فكرة الكتابة الجماعية لا تضعف الهوية الفردية، بل على العكس من ذلك تبرز مقومات كل فرد. 

في كتابنا ضجيج الصفحات كل صفحه تحتوي على أسلوب مميز بالكتابة بالإضافة إلى المشاعر التي تحتويها الخواطر. 

هذه التجربة اضافت بعدًا جديدًا بالنسبة لي، فلقد كنا نتشارك الأفكار، ونعمل كفريق، نتبادل وجهات النظر، بالإضافة إلى ذلك تلكَ الروح الحماسية في كل فرد تعزز من طاقاتنا وتجعلنا نعمل معاً من دون ملل.

التأثير العميق للخواطر

فيما شددت الكاتبة نرجس الإبراهيمي على أن: الخواطر والمذكرات لا تزال تمتلك تأثيرًا في هذا العصر.

فعلى الرغم من أن الزمن أصبح سريعًا والناس باتوا يعتمدون على السرعة في كل شيء، إلا أن الخواطر والمذكرات تُعدّ من أسرع الطرق للوصول إلى القارئ والتأثير عليه. فهي تعزز الوعي، وتبعث المشاعر، وتنقل النصائح بأسلوب واضح، مختصر، وسريع. كما أن العديد من الأشخاص ما زالوا يفضلون تجربة قراءة حياة الآخرين وربطها بتجاربهم الشخصية، مما يمنح المذكرات تأثيرًا قويًا ومستمرًا.

شعور الإنجاز

وأخيرًا، عبّرت الكاتبة وفاء الزيدي عن مشاعرها قائلة: كان الشعور أشبه بالحلم، رغم بساطة الجزء الذي شاركت به. غمرتني فرحة عارمة وأنا أرى جزءًا من حلمي يرى النور لأول مرة—ذلك الحلم الذي طال انتظاره حتى تحقق.

كانت مشاعري متشابكة بين العتب على نفسي، لأنني حرمتها فرحة هذا الإنجاز منذ وقت طويل، وبين نشوة الانتصار على ذاتي وأنا أقلب صفحات الكتاب، متأملةً جمال ما كتب لي ولأصدقائي الكُتّاب.

اليوم تحقق نصف الحلم المتأخر، وغدًا نكمله بإذن الله.

تكشف تجربة "ضجيج الصفحات" عن قوة الكتابة الجماعية كوسيلة لدمج الأصوات المختلفة في مشروع واحد ينبض بالإبداع والتجربة الإنسانية. على الرغم من التحديات التي واجهها الكُتّاب، بدءًا من تنسيق الجهود بين 22 قلمًا وصولًا إلى التعامل مع اختلاف الرؤى والأساليب، إلا أن النتيجة كانت كتابًا يحمل تنوعًا فكريًا وشعوريًا يعكس جوهر التجربة الأدبية المشتركة.

ما يميز هذا العمل ليس فقط تعدد الأصوات، بل الطريقة التي تحولت بها الكتابة من فعل فردي إلى تجربة جماعية تعكس التعاون والتكامل. يظهر الكتاب كيف يمكن للإبداع أن يولد من روح الفريق، حيث استطاع كل كاتب الحفاظ على هويته الأدبية، وفي الوقت ذاته، الانسجام مع الرؤية العامة للعمل.

إلا أن التساؤل الأهم يبقى: هل ستؤثر هذه التجربة على مستقبل الكتابة الجماعية في العالم العربي؟ ربما يفتح "ضجيج الصفحات" الباب أمام مشاريع أدبية مماثلة، لكن نجاح هذا النموذج يعتمد على مدى تقبّل القرّاء لمثل هذه الأعمال، ومدى قدرة الكتابة الجماعية على تقديم محتوى متجانس دون أن تفقد كل هوية فردية خصوصيتها.

في النهاية، يثبت هذا المشروع أن الأدب ليس مجرد كلمات تُكتب، بل تجربة حية تتشكل من المشاعر، التحديات، والشغف المشترك، حيث تصبح الصفحات المليئة بالأفكار الصاخبة شاهدًا على رحلة مليئة بالتحدي والإلهام.

اضف تعليق