بيْن أنْ يقترح الرئيس الأميركي ميزانية قدرها 6 تريليونات دولار للسنة المالية 2022، وبين دول أخرى لا تتجاوز ميزانياتها بضعة مليارات، بون شاسع، يجعل المقارنة دراماتيكية بين اقتصادات الدول، وموازناتها السنوية التي تدل على القوة، وضخامة الانفاق، فضلاً عما يعكسه ذلك على النفوذ السياسي.

وإذا كانت ميزانية العراق السنوية، تبلغ نحو مئة مليار دولار، فان قطر دولة النفط والغاز، وهي دولة صغيرة، بلغت ميزانيتها في العام 2021، نحو 56 مليار دولار. وأعلنت السعودية، أكبر مُصدر للنفط في العالم، موازنة العام 2022 بإجمالي نفقات بلغ 254 مليار دولار، وفي روسيا فإن معدل الميزانية الفيدرالية للسنوات القريبة الماضية بنحو 317 مليار دولار.

دول فقيرة

لكن الدول الإقليمية المجاورة للعراق ليست على هذا القدر من الغنى، اذن تبلغ ميزانية لبنان نحو 12 مليار دولار، ولم تتجاوز موازنة الأردن، في السنوات القريبة الماضية، الأربعة عشر مليار دولار، كل عام.

وأقرّ مجلس الشعب السوري مشروع موازنة العام 2022 بمبلغ إجمالي قدره 5 مليارات دولار، ودولة مثل ايران، فإن ميزانيتها السنوية بمعدل 129 مليار دولار.

ولا تتجاوز الميزانية السنوية للكويت حاجز الـ 80 مليار دولار، كل عام، وفي حين أقر البرلمان العراقي ميزانية 2021 بنحو تسعين مليار دولار، فإن اعتماد الدول على النفط، يضع اقتصاداتها على كف عفريت الأسعار، التي إذا ما انخفضت بعثرت كل الخطط المرتبطة بقدرات الانفاق.

النفط والثراء

وفي العراق والدول النفطية، لاسيما العربية منها، فإن الكثير يحرص على القول، بأن بلده غنيّ وميسور، ومتخم بالأموال، في إشارة الى برميل النفط، في حين أنّ لا أحد يُلهى عن ذلك، الا أنّ هذا المنطق لم يعد سليماً اليوم، وتدحضه الأرقام، فضلاً عن تجارب الشعوب التي ارتقت أعلى مستويات التطور الاقتصادي والاجتماعي، رغم افتقارها الى الذهب الأسود.

والعقل اليوم هو الثروة، والابتكار والخلق هو الذهب الأسود، وإنّ شركة موبايل كورية او أميركية تربح في قطعة الهاتف الواحدة نحو ثلاثمئة دولار، منتجةً الآلاف في اليوم الواحد، بينما لا تربح دولة نفطية من البرميل، سوى عشرين او ثلاثين دولارا،ً وقِس على ذلك.

يتحدث الدكتور مظهر محمد صالح، مستشار رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، عن أن «من مشكلات الميزانية العراقية هي نسبة الميزانية التشغيلية من الميزانية السنوية التي لا تقل عن70% من دون مردود عملي في اعادة بناء البنى التحتية او زيادة الناتج المحلي».

يقول صالح إن «موازنة العراق الريعية في عهود الخمسينيات كانت تخصص الجزء الأكبر من الموازنة الاستثمارية لإعمار البنية التحتية».

ويستطرد: «فقدت البلاد على مدار أربعين عاماً او أكثر توازنات تنميتها الاقتصادية بعد أن تورمت موازنات البلاد التشغيلية».

ويستأنف القول: «في دولة ريعية عالية المداخيل أهمل فيها النشاط الانمائي الحكومي على مدار السنوات الأربعين الأخيرة لا بد أن تحصد في النهاية نتائج تحول موازناتها والتي امست بموجبها السلعة العامة هي السلعة التي لا يمكن حجبها عن الناس حتى لو كانوا لا يدفعون مقابلها، والسلع التي إذا أتيحت لشخص واحد، تصبح متاحة للآخرين بالشروط نفسها تلقائياً، فالسلعة العامة هي من صنع الدولة الانمائية عبر الموازنات الاستثمارية الحقيقية».

موازنات تشغيليَّة

يتحدث الأكاديمي والباحث غالب الدعمي عن أن «موازنة العراق، وفرت رواتب عالية للموظفين في العراق، وقد أدى ذلك الى ارتفاع تكاليف المعيشة، مقارنة بالدول المجاورة، فضلاً عن أن جلّ الذي يتقاضون رواتب عالية غير منتجين، لهذا فإن الإيرادات تأتي من النفط فقط».

ويرى الدعمي أن «لا حل في تأمين نفقات كافية، تتضمنها الميزانية العراقية السنوية الا بتشجيع مشاريع الإنتاج، وحماية موظف القطاع الخاص، ودعمه، والتركيز على الاستثمار لكي ترتفع الموازنة الاجمالية على حساب التشغيلية».

وفي صلة، بمصادر الميزانيات المتنوعة والغنية، تتحدث المعلومات عن أنّ قطعة موبايل، -على سبيل المثال لا الحصر-، لا تكلّف سوى بضعة غرامات من المعدن والبلاستك والزجاج، فضلا عن الأيدي العاملة، لكنها تدرّ مئات الدولارات من الأرباح تعادل أضعاف واردات برميل النفط.

شركات أغنى من الدول

وبلغت القيمة السوقية لشركة آبل للحواسيب نحو 672 مليار دولار، بينما كسبت شركات التقنية الخمس الكبرى في مؤشر «ناسداك» الذي يقيس أداء شركات التقنية حوالي 200 مليار دولار في يوم واحد، وهذه الشركات الكبرى هي كل من: فيسبوك وأمازون وآبل ومايكروسوفت وغوغل.

وصافي أرباح شركة Johnson & Johnson من تصنيع شفرات الحلاقة والمعدات الطبية نحو 17 مليار دولار في العام، بينما أرباح شركة China Mobile نحو 18 مليار دولار في السنة من تصنيع الموبايل، وصافي أرباح شركة تويوتا اليابانية 19 مليار دولار، كما قطفت شركة سامسونغ نحو 21 مليار دولار خلال عام واحد فقط.

هذه الشركات لا تبيع لك ثروة مادية مستخرجة من باطن الأرض، ولا تقطف لك المنتجات من الأشجار، بل تبيع لك عصارة العقول من إبداعات خلاقة غيّرت ملامح العالم.

هذه الأرقام، تدعوك الى اليقظة من مخدّر النفط، والتفكير مليّاً في هجر الكذبة الكبرى التي تعيشها شعوب النفط، اذ يتباهى الفرد فيها بأنه الأغنى في العالم، بينما واقع الحال، أنّ نحو سبعين بالمئة من سعر النفط يذهب الى أصحاب العقول الأجنبية التي تنقّب وتصنّع.

ميزانية لا موازنة

الكاتب والمحلل السياسي قاسم الغراوي من مركز القمة للدراسات الستراتيجية يعرّف، الموازنة بأنها «خطة عمل تعدها الحكومة وتعمل على تقديمها الى السلطة التشريعية لغرض اقرارها، وتترجم فيها سياستها الاقتصادية والاجتماعية الى أهداف سنوية رقمية».

ويعتبر الغراوي أن أبرز «التحديات التي يواجهها تحقيق أهداف الموازنة في العراق والدول النفطية، هو التذبذب المستمر بأسعار النفط، مقابل نمط الانفاق الحكومي وعدم كفاءة السياسة المالية في ادارة الأزمات، والترهل والتضخم الوظيفي».

وبالنسبة للعراق، يتوقع الغراوي، «عدم التمكن من إقرار الموازنة في هذه السنة، بفعل نتائج الانتخابات، والتوقُّع بـتأخير تشكيل الحكومة، ما يعني أنَّه في 2022 سيُصار إلى تحديد ميزانية وليست موازنة».

كشف الإنفاق

الباحثة الاقتصادية سلام سميسم، تتحدث عن «معضلة عدم إقرار أو إصدار قانون الموازنة العامة لسنة 2022 من قبل مجلس النواب الذي حل نفسه قبل الانتخابات الأخيرة»، داعية الى صلاحيّتيْن لحكومة رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، تشريعية وتنفيذية، لغرض المضي في الموازنة عبر اللجوء الى قانون الإدارة المالية، لكي تكون ملزمة بكشف كيفية الإنفاق».

لقد انتهى عصر الثراء الذي تضخه آبار النفط، إذ أرباح البرميل تتقاسمها رسوم التنقيب والاستثمار والأمن،

وباتت شركات الاختراع الكبرى في الالكترونيات والمعلوماتية والبرمجة، ووسائل الميديا، متفوقةً في مكاسبها على الشركات المستثمرة في النفط.

إنّ السمة الظاهرة في موازنات الدول العربية، هي العجز، نتيجة النمو الاقتصادي البطيء، وينطبق ذلك على الدول النفطية اذا ما تراجعت أسعار النفط، إضافة الى الاضطرابات السياسية التي لا تتيح للحكومات إنفاقاً يستهدف التنمية الاقتصادية بقدر ما يدفعها نحو المزيد من التسلح، وهذا يوجب الاستثمار في العقل، لا في البرميل، وفي الفكرة، لا حقل النفط، وفي الابتكار، لا النمطية.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق