تحظى أجهزة الكومبيوتر الكمّية (Quantum Computer) باهتمام بالغ. الحكومات والشركات تضخّ مبالغ طائلة في مشاريع الأبحاث والتّطوير من أجل بناء كومبيوتر كمّي مستقرّ آملة في أن يقدّم لها مردوداً كبيراً لجهة معالجة البيانات المتاحة على مستوى الذرّة وما دون، وصولاً إلى التنبّؤ بالتغيّرات في الأسواق المالية بدقّة مذهلة. وبسبب طبيعته من عالم الفيزياء الكمّية، فهو قادر على حلّ مسائل معقّدة خلال ثوانٍ كان حلّها يتطلّب مئات آلاف السنين عبر أقوى الحواسيب التقليديّة. عمليّاً، هذا الكومبيوتر سيغيّر قواعد الرّبح والخسارة في الاقتصاد والعسكر والعلوم الطبيّة والحسابيّة وعالم التشفير.

من المثير للسخرية، أنّ غالبيّة بروتوكولات التّشفير الرقمي التي تحمي المستخدمين حول العالم، وفي كلّ جوانبه الرّقمية (الاتصالات والإنترنت والتطبيقات والبيانات... كلّ أثر رقمي)، تعتمد على مبدأ أنّ كسر هذه الشيفرة سيستغرق آلافاً وربّما ملايين السنين، حتّى لو تمّ استخدام أقوى كومبيوتر أنتجته البشريّة. رغم ذلك، فإنّ الفكرة خرج بها الفيزيائي ريتشارد فاينمان في عام 1981 مقترحاً استخدام كومبيوتر كمّي لمحاكاة ميكانيك الكمّ (وهي علوم تتناول سلوك المادّة والضوء على المقياس الذرّي وما دون)، ستتطور وتغيّر شكل ونوع المعرفة التي يمكن الحصول عليها. فما هو الكومبيوتر الكمّي؟ كيف سيؤثّر على طريقة فهمنا للمادّة والكون؟ ولمَ تتسابق الدول حول العالم للوصول إلى «التفوّق الكمّي» Quantum Supremacy؟

يمكن القول، إن الكومبيوتر التقليدي هو أحد أبرز الإنجازات التكنولوجية. تحفة إلكترونية من السيليكون وضعت فيها البشرية شيئاً من ذاتها. لكن، رغم كل هذه العظمة، يعاني الكومبيوتر التقليدي بكلّ أشكاله من الهواتف الذكية، وصولاً إلى الـ«سوبر كومبيوتر» الموجود لدى وكالة الفضاء الأميركية «ناسا»، من قصور بنيوي في أساس طريقة عمله. المشكلة تكمن في الآتي: هذا الجهاز لا يستطيع التركيز إلا في أمرٍ واحد قبل الانتقال إلى أمر آخر. فعلى سبيل المثال، ولنفترض أن الكومبيوتر هو إنسان وجد نفسه داخل متاهة، فمن أجل الخروج منها، عليه أن يقوم بتجربة كل الطرق داخل المتاهة (كل طريق على حدة) حتى يعثر على الطريق التي ستحرّره. ولنفترض وجود كومبيوتر متفوّق يحاول كسر تشفير كلمة مرور معقّدة تابعة لإحدى مراكز إطلاق الصواريخ النووية، سيتوجّب عليه تجربة آلاف تريليونات الاحتمالات كي يحصل على كلمة المرور الصحيحة. هذا الأمر مضيعة للوقت. إذ قد تستغرق العمليّة ألف سنة أو حتّى مليار سنة. لذا، نظرياً، لا وجود لتشفير لا يمكن كسره، لكن أحداً لن يفني كل هذا الوقت من أجل تشفير يتم استبداله كل بضعة أيام أو ساعات.

أصغر وحدة قياس في الكومبيوتر التقليدي تسمى «بِت» bit، وقيمتها يمكن أن تكون إمّا صفراً أو واحداً في أي لحظة، إنما لا يمكنها أن تكون القيمتان في الوقت نفسه. ولنفترض أنه لدى كومبيوتر «2 بِت» ما يعني أن هناك أربعة احتمالات يمكن أن تتواجد بها هذه البتات. وهي: 00 و01 و11 و10. كل احتمال سيقوم الكومبيوتر بتجربته لوحده قبل الانتقال إلى الاحتمال الآخر. لكن على الضفّة المقابلة، فإن الكومبيوتر الكمّي مختلف جداً إلى درجة الغرابة. أصغر وحدة قياس تسمى كيو بِت (كوانتم بِت)، وقد تكون صفراً أو واحداً، أو الاثنين معاً! تعدّ الحالة الأخيرة أمراً بالغ الأهمية تسمّى «التراكب» (SuperPosition)، وبسببها، يمكن للكومبيوتر الكمّي حلّ مسألة حسابية معقّدة في ثوانٍ بدلاً من مليار سنة لو قام بها كومبيوتر تقليدي.

لكن كيف يمكن الكيو بِت، أن تتواجد بشكلين متناقضين في الوقت نفسه؟ يمكن تشبيه الـ (SuperPosition) بالتالي: لنفترض أن الكيو بِت هي عملة نقديّة معدنية. فإنه سيكون لها وجهان؛ وجه لديه صورة (سنعطيه القيمة واحد)، والوجه الثاني لديه رقم (سنعطيه القيمة صفر). هنا يسهل تحديد قيمة العملة فقط من خلال النظر إلى الوجه الذي يُقابل عيوننا. لكن إذا قام أحدهم بجعل العملة تدور في مكانها على الطاولة، لا يمكن تحديد في أي حالة هي، أي أنها ستكون صِفراً وواحداً في ذات الوقت. هذا ما يحدث هنا.

في الكومبيوتر الكمّي، يمكن أن يُمثل «2 كيو بِت» أيضاً نفس الحالات الأربع بالضبط (00 أو 01 أو 10 أو 11). الاختلاف هو، بسبب الـ (SuperPosition). بدلاً من أن يمرّ الكومبيوتر بكل احتمال على حدة، فإنّه يتعامل مع الاحتمالات الأربع في الوقت نفسه. هذا يشبه إلى حد ما تشغيل أربعة أجهزة كومبيوتر تقليدية جنباً إلى جنب على حلّ مسألة معينة بعد توزيع الاحتمالات الأربعة عليهم بالتساوي في الوقت نفسه. والمختلف أيضاً، أنه مهما تم إضافة المزيد من وحدات البِت إلى جهاز كومبيوتر تقليدي، سيبقى يتعامل مع حالة واحدة فقط في كل مرّة. ولكن مع إضافة «كيو بِت» إلى كومبيوتر كمّي، تزداد قوّته بشكل هائل.

ويمكننا تحديد ذلك عبر الآتي: إذا كان لديك «n» كيو بِت، يمكن معالجة «ⁿ2» احتمال في الوقت ذاته. بمعنى أن كل «كيو بِت» إضافي يضاعف قوّة المعالجة. ثلاثة «كيو بت» هي «2³»، وبالتالي ثماني حالات في نفس الوقت (2*2*2)؛ أربعة «كيو بِت» تعطي «2⁴»، وبالتالي 16 احتمالاً في ذات الوقت، وهكذا إلى أن يصبح بالملايين. وفرضاً أن هناك متاهة بداخلها 16 طريقاً، سيجرب الكومبيوتر الكمّي حامل 4 «كيو بِت» فقط كل تلك الطرقات في لحظة واحدة. وكلّما عظُم تعقيد المسألة وكثرت الاحتمالات التي يجب حلّها، يمكن إضافة المزيد من الكيو بِت اختصاراً لوقت لمعالجة.

مجالات الاستفادة

بطبيعة الحال، إن الأمور التي يقوم بها المستخدم على حاسوبه التقليدي، لن تتم بشكل أسرع عبر كومبيوتر كمّي. إذ إن سرعة الأخير تكمن في العمليات الحسابية التي أشرناإليها سابقاً فقط. لذا، لن يصل الكومبيوتر الكمّي على شكل منتج منزلي كي يشتريه المستخدمون حول العالم، بل سيبقى جهازاً لدى مراكز الأبحاث العلمية و/أو مراكز البيانات الكبرى. أما أبرز المجالات التي ستستفيد من قدرات الكومبيوتر الكميّ فهي:

- الأمن الرقمي: تزداد قدرات القراصنة الرقميين قوةً وفعالية كل يوم. وبحسب موقع «PurpleSec» المتخصّص في الأمن الرقمي، تقدّر كلفة هجمات برامج الفدية (Ransomware Attacks) بـ6 تريليون دولار سنوياً انطلاقاً من عام 2021. ومع دخول الحوسبة الكمّية، يصبح فكّ تشفير أعقد كلمات المرور مسألة ثوانٍ، وهذا يشكل تهديداً لأمن البيانات المدنية والعسكرية. لذا، تنمو صناعة جديدة اليوم تساعد الشركات على تحصين نقاط الضعف القادمة في الأمن السيبراني. وذلك عبر استخدام الحوسبة الكمّية في إنشاء طرق تشفير تُعرف أيضاً باسم «التشفير الكمّي».

- الذكاء الاصطناعي: من شأن الكومبيوتر الكمّي أن يقدم نقلة نوعية للذكاء الاصطناعي لزيادة قدراته في معالجة كميات كبيرة جداً من البيانات، ما سينعكس إيجاباً في عملية اتخاذ القرارات والتنبّؤ بشكل أفضل.

- الهندسة الكيميائية والبيولوجية: تتضمن الهندسة الكيميائية والبيولوجية اكتشاف الجزيئات ومعالجتها. القيام بذلك ينطوي على حركة وتفاعل الجسيمات ما دون الذرية. وكلما أصبحت الجزيئات أكثر تعقيداً، يزداد عدد التكوينات الممكنة أضعافاً مضاعفة. وتصبح عملية حسابية مناسبة للكومبيوتر الكمّي. وتعني هذه القدرة أن أجهزة الكومبيوتر الكمّية ستلعب دوراً مهماً في تسريع الجهود الحالية في اكتشاف المواد وتطوير الأدوية. كما سيسهم الكومبيوتر الكمّي في المستقبل بتمكين المهندسين من إجراء محاكات لكواكب بكل ما تحتويه من عناصر، كما دراستها وفهم تأثيراتها على البشر في حال أرادوا استيطانها.

- البورصة والخدمات المالية: لطالما كانت سرعة الحوسبة مصدراً للميزة في الأسواق المالية، ويمكن أن تزيد خوارزميات الكومبيوتر الكمّي من سرعة تحليل مجموعة هائلة من البيانات المالية والتي بنتيجتها يتم توقع اتجاه السوق والذي ينعكس أرباحاً للصناديق الاستثمارية.

الفيزياء الكمية (Quantum Physics)

تعتمد فيزياء الكمّ على كيفية عمل الذرّات، ولماذا تعمل الكيمياء والبيولوجيا على هذا النحو. ولشرح كيفية تحرّك الإلكترونات عبر شريحة كومبيوتر، وكيف تتحول فوتونات الضوء إلى تيار كهربائي في لوحة شمسية، أو حتى كيف تعمل الشمس، فستحتاج إلى استخدام فيزياء الكم

أما ميكانيك الكمّ هي مجموعة المبادئ المستخدمة لشرح سلوك المادّة والطاقة.

التفوق الكمّي

هو مصطلح يُطلق على الشركات أو الدول التي استطاعت تطوير كومبيوتر مبني حول الخصائص الغريبة لميكانيك الكمّ، وتم توثيق أن الجهاز يمكنه على الأقل في حالات معينة، إجراء حسابات أسرع أضعافاً مضاعفة من الكومبيوتر الكلاسيكي. أهمية هذا الأمر توازي خلق ذكاء اصطناعي متقدم. إذ إن نوع المعلومات والمعرفة التي ستحصل عليها دولة ما عبر كومبيوتر كمومي يعمل بالفعل، سيكون أمراً لا مثيل له.

شركات ودول بلغت التفوق الكمّي

جمهورية الصين الشعبية: قال باحثون في الصين، نهاية عام 2020، أنهم حقّقوا التفوّق الكمّي عبر كومبيوتر كمّومي مسمى «Jiuzhang»، أجرى عملية حسابية في 200 ثانية من شأنها أن تستغرق 2.5 مليار سنة لإكمالها على أقوى كومبيوتر تقليدي.

شركة «غوغل»: أعلنت عام 2019 أن معالج «Sycamore» الكمومي، والذي يحتوي 54 كيو بت، كان قادراً على إجراء عملية حسابية في 200 ثانية كان من شأنها أن تستغرق 10 آلاف سنة عبر أقوى كومبيوتر كلاسيكي عملاق في العالم.

أبرز الأجهزة

معالج «إيغل» Eagle من شركة «آي بي إم» الأميركية، يُعد أقوى معالج كمومي حول العالم وبقدرة 127 كيو بت.

معالج «Jiuzhang 2.0» الكمومي الصيني، يأتي في المرتبة الثانية بقدرة 113 كيو بت.

معالج «Bristlecone» الكمومي من شركة «غوغل»، يأتي بقدرة 72 كيو بت.

أجهزة الكومبيوتر الكمّية تستهلك طاقة كهربائية أقل بـ100 مرّة إلى ألف مرة من أجهزة الكومبيوتر التقليدية.

الكومبيوتر الكمّي هشّ للغاية. يؤثّر أي نوع من الاهتزازات على الذرات (الكيو بت تكون عبارة عن ذرات مثل الفوتونات) ويسبب فكّ الترابط (Superposition)، كما يجب أن يبقى بارداً جداً، إذ تعمل الكيوبت عند حرارة ناقص 273 درجة مئوية.

رغم كل التطور حالياً في أجهزة الكومبيوتر الكمّية، إلا أنها ما تزال غير مستقرّة. ولديها هامش للخطأ في نتيجة الحساب قد يصل إلى 3%. ولكن يتم العمل على خوارزميات جديدة من أجل حلّ تلك المشكلة. ويمكن القول أنه بمجرد أن يتم تطوير كومبيوتر كمّي مستقرّ، من المتوقع أن تزداد سرعة تعلم الذكاء الاصطناعي بشكل كبير.

اضف تعليق