القصّة لم تكن يوماً عن خوارزميّات وعملات رقميّة بات سعر بعضها عشرات آلاف الدولارات. الأمر أبعد من ذلك. البلوكتشاين ماضية في كتابة التاريخ المعاصر من دون الالتفات لأحد. هناك من انتبه لذلك. واعتنقه. فعلى مبدأ البلوكتشاين، ظهر مفهوم «المنظّمات المستقلّة اللامركزية» أو الـ«DAO» اختصاراً من (Decentralised Autonomous Organizations)، الذي سيغيّر بنية الملكية في الشركات وتأسيسها وبيع أسهمها، بالإضافة إلى هيكليّة إدارتها. فبدلاً من المدير التنفيذي سيكون لدينا برمجيّات «العقود الذكية»، وستصبح أسهم الشركة من ضمن بنية البلوكتشاين لتصبح حكماً عابرة للقارات. بهذا المعنى، ستنتقل الشركات من عالم المركزية في الدول، إلى عالم اللامركزية على الشبكة ومفتوحة على كل أشكال الاختلاف الطبقي والعرقي. والأهم من ذلك كلّه، لا سلطة للحكومات عليها. فكيف تعمل؟ وما هي أبرز الإيجابيات والسلبيات؟

تعتمد المؤسّسات والمنظمات حول العالم، هيكيليّة معيّنة لإدارة شؤونها. يمكن تسميتها هيكليّة كلاسيكيّة مهما طرأت عليها تعديلات. فهي تبقى شركة مملوكة من مساهمين يملك كل منهم حصصاً فيها هي عبارة عن أسهم لها قيمة اسمية وقيمة سوقية ويمكن بيعها وشراؤها وفق آليات معروفة. ومركزية القرار في الشركات الكلاسيكية متصلة بالدول التي أسّست فيها، أي أنّها تخضع للضرائب وتقوم بالأعمال وسواها انطلاقاً من موقعها المركزي ضمن حدود الدول. وأبعد من ذلك، فإن بنيتها التنفيذية تشبهها، أي أن لها مديراً تنفيذياً يطبّق قرارات مجلس الإدارة ويشرف عليها ويكون مسؤولاً أمام المجلس.

الأمر أصبح مختلفاً في ظل مفهوم «المنظمات المستقلّة اللامركزية» أو ما بات يسمى «DAO». فعلى سبيل التبسيط، إذا أراد مدير التسويق في شركة معينة صرف مبالغ إضافية من أجل الإعلانات، سيتوجب عليه تقديم طلب (على شكل مستندات أو ملفات على الحاسوب) إلى مجلس الإدارة الذي يبتّ بهذا الأمر. وإذا وافق المجلس على ذلك، يصدر قراراً موقعاً من أعضاء المجلس وتحال منه نسخة إلى المدير التنفيذي الذي يشرف على حسن التطبيق. لكن في ظل مفهوم «DAO» ستحلّ البرمجيات الذكية محلّ المدير التنفيذي. هذا ما تقدّمه الـ«DAO». باختصار، هي شركة تديرها برامج (عقود ذكية) ومُتفق مسبقاً على آليات الإدارة من قبل مؤسّسيها. لكن كيف يمكن للشركة أن تنمو وتجابه التحديات الجديدة؟ في الشركات أو المنظمات والكيانات، هناك مجلس إدارة مكوّن من أبرز حملة الأسهم يجتمع لدرس ومناقشة استراتيجيات الشركة وأعمالها والقرارات التي تخصّ مستقبلها وتقدمها وازدهارها وحتى إفلاسها. وبالتسلسل الإداري، يبدأ تنفيذ هذه الاستراتيجيات والأعمال عبر المدير التنفيذي ومنه إلى باقي العاملين في الشركة وفق وقعهم في الهرم الإداري. لكن عندما تكون الشركات مؤسّسة وفق مفهوم الـ«DAO»، سيتم استبدال الأسهم بعملة رقمية رمزية اسمها «توكن» (Token) مسجّلة على البلوكتشاين. وكل من اشترى أكبر عدد من تلك العملات يصبح المؤثّر الرئيسي في توجهات الشركة وعملها (يمكن شراؤها مثل العملات الرقمية ووضعها في محافظ رقمية). وكل اتفاق في ما بين هؤلاء على استراتيجية ما أو أعمال محدّدة، فإن تنفيذ هذه الأعمال يتم عبر العقود الذكية التي يتم تحديثها تماشياً مع كل سياسة معينة جديدة أو قرار جديد ليتم بعد ذلك تطبيق القرار فوراً في كامل المنظمة.

الـ«DAO» لا تتواجد بشكل حقيقي، ولا مقرّ فعلي لها. بمعنى أنها غير موجودة داخل مبنى في إحدى العواصم. هي مجموعة برامج تعمل بانسيابيّة وتعيش وتتنفّس داخل البلوكتشاين. أي أنها موجودة داخل كل الأجهزة التي تقوم بتعدين العملة حول العالم (هي على بلوكتشاين عملة إيثيريوم)، ولذلك هي لامركزية ولا يمكن إغلاقها من قبل أحد. فعلى سبيل المثال، يمكن لنا أن نتخيّل وجود شركة «DAO» للتداول بالعملات الرقمية. وهي موجودة على شبكة بلوكتشاين وتديرها برامج، فكيف يمكن إيقافها؟ لا يمكن. هي خارج القوانين التي وضعتها الدول، وخارج المركزية. إذ يمكن لأي كان على هذا الكوكب أن يمتلك «توكن» منها. لكن إذا ما أراد المرء أن يغرق في مخيّلته، نظرياً، يمكن للحكومة مثلاً أن تشتري الحصة الأكبر من «التوكينز» بحيث تتخذ قرار إغلاق المنظمة.

توضيح

العملات الرقمية التي لها جدوى (Utility) في العالم الرقمي أو هي بمثابة أصول الشركة، اسمها «توكِن» (Token) وهي تشترى وتباع مثل بقية العملات الرقمية التي تعدّ بمثابة وسيلة دفع الأموال والمسماة «كوين» (Coin).

أما العقود الذكية (Smart Contracts)، فهي برمجيات خُلقت لأتمتة غالبية القرارات التي يقوم بها البشر. ويمكن إعدادها لتقوم بتوظيف أشخاص جدد، أو زيادة الراتب، والكثير من الأمور. هي برامج مكتوبة بشكل يمكنها من اتخاذ قرارات القبول بأمر ما من عدمه. وظيفتها أن تنفّذ الإجراءات ذات الصلة، أو التحكم فيها، أو توثيقها تلقائياً وفقاً لشروط العقد أو الاتفاقية من دون العودة إلى البشر. مثلاً، لتوظيف شخص جديد، تحوي العقود الذكية المؤهلات التي تريدها الشركة، وبدورها تطلب من الشخص أن يبرز ذلك وقد يتوجب عليه حلّ مسألة معينة كاختبار له. وإذا قام بكل تلك الأمور بشكل صحيح، يتم توظيفه تلقائياً. وهكذا الأمر بالنسبة لكل القرارات التي تتخذ في الشركات.

إيجابيات وسلبيات الـ«DAO»

 إيجابيات

- لا خوف من خطأ بشري حيث أن الأمور تديرها برامج.

- لا حاجة للاعتماد على مدير تنفيذي مشهور لتطوير الشركة، أو لإبرازها على مستوى العالم. كما أن البرامج لا تأخذ نسبة من أرباح الشركة مثل الـ«CEOs».

- البرامج لا تأخذ إجازات عمل.

- لا يمكن إغلاقها من قبل أي أحد.

- الكود البرمجي لتلك الشركات هو مفتوح المصدر، بمعنى أنه يمكن لأي شخص مطلع برمجياً أن يراجع ذلك الأمر وحتى تحديثه إن كان هناك أي ثغرة. وهذا يسهم أيضاً في تعزيز الثقة للمستثمر إذا ما أراد التعامل معها أو أن يشتري «توكن» الشركة.

 سلبيات

- الكود البرمجي المفتوح المصدر هو مصدر قلق أيضاً، إذ يمكن أن يكتشف أحدهم ثغرة برمجية ويسرق أصول أو أموال رقمية أو قد يعبث بعمل البرنامج بحيث يقوّض سير العمل.

- لا توجد أسرار شركة مخفيّة. عادة ما تقوم الشركات الطبيعية بإخفاء ما تقوم به من أبحاث وتطويرات. والهدف من ذلك عدم كشف ما ستحضره في المستقبل من منتجات أمام المنافسين. مثلاً شركات سيارات الفورمولا 1 تخفي أجزاء طوّرتها من الهيكل الخارجي للسيارة حتى لحظات قبل السباق. وهكذا تفعل شركة «آبل» مع منتجاتها مثل «آيفون» و«ماك بوك». تسريب معلومات كهذه يضر بأرباح الشركة المستقبلية والمتوقعة.

- هناك نوع من الثقة أو الولاء يُبنى بين المستهلك وبين الصانع. مثلاً، غالبية مستخدمي سيارات «تسلا» الكهربائية ابتاعوا هذه السيارات ليس خوفاً على المناخ، بل بسبب شخصية إيلون ماسك والحالة الاجتماعية التي استطاع بيعها مع السيارة. وهذا أمر لا يمكن حصوله مع برامج.

مستقبل الـDAO

من المحتمل أن تتجه بعض الشركات الطبيعية إلى الـ«DAO» لتحويل حوكمة الشركة من مجلس إدارة ومدير تنفيذي، إلى برمجيات، ومن الممكن أن تخضع الشركات للإشراف من قبل الـ«DAO». ومع ذلك، من غير المرجح أن يحصل هذا الأمر إلى أن تحظى الـ«DAO» بتشريع قانوني داخل الدول، علماً بأن ولاية وايومنغ الأميركية، أقرّت قانوناً في وقت سابق من هذه السنة، يعترف بالـ«DAO» ومنحها ذات السلطة القانونية مثل الشركات ذات المسؤولية المحدودة. لكن على صعيد الدولة، ما زالت الـ«DAO» غير معترف بها في غالبية الدول حول العالم.

 

اضف تعليق