على اقل تقدير يوجد في البيت الواحد هاتفين يستخدم مالكيها مواقع التواصل الاجتماعي التي اخترقت جميع الاسر العراقية الا ما ندر، واكاد اجزم على عدم وجود بيت يخلو من هذه المواقع وفي مقدمتها الفيس بوك وواتساب وغيرها من المواقع التي لا مجال لذكرها هنا.

وفي الحقيقة توجد اعداد كبيرة من التطبيقات المندرجة تحت عنوان التواصل الاجتماعي ولكنها تستخدم بشكل ضئيل جدا من قبل المستخدمين، بينما اخذت مواقع أخرى السهم الأكبر من الشهرة وانحصر بها اهتمام الافراد وأجريت عليها دراسات وابحاث مختلفة، وبجميع الجوانب، النفسية، الصحية، الاجتماعية، والاقتصادية.

ولا تزال مراكز الأبحاث منشغلة بمعرفة كمية التأثيرات الكبيرة التي احدثتها هذه المواقع على مستوى الافراد والجماعات بصورة عامة، فتأثيرها بات واضحا على سلوك بعض الافراد، اذ تأثر كم كبير بما ينشر على تلك المواقع بشقيه الجاد والتافه، وما نريد التحدث عنه اليوم هو تأثير المحتوى التافه على الافراد وما يترتب عليه من إسقاطات على تصرفاتهم.

حتى أصبحت بعض المضامين مدمرة لهوية المجتمع أولا، والافراد ثانيا، وتتبع اغلب المواقع سياسة الحرية المفرطة، وعدم تقييد المستخدمين بما ينشرون سواء كان ذلك منافيا للأخلاق والأعراف الاجتماعية، او ينسجم معها، تاركة الأبواب مفتوحة امام من لديه الرغبة بنشر هذه المضامين، وحتى نكون أكثر انصافا، فإنها وضعت في بعض الأحيان قيودا على منشورات تراها تحث على الكراهية ونشر التفرقة بين فئات المجتمع.

اعود لحديثي عن تأثير المحتوى التافه على شخصية بعض الافراد الذين يملكون أرضية هشة غير قادرة على تحمل الكميات الكبيرة من الثقافات المتدفقة عبر مواقع الشبكات الاجتماعية، ينقل لنا أحد الزملاء انه صادف حادثة تتلخص بانزعاج أحد الأطفال لعدم حصول منشوره او صورته على مواقع التواصل الاجتماعي التفاعل الكافي، وافتقارها للإعجابات بأعداد أكبر.

ما ولد لدى هذا الطفل حالة نفسية غير طبيعية، وأصبح يعاني من عدم الاهتمام، هذه الظاهرة شكلت له عقدة نفسية لا يمكن تجاهلها مطلقا، فمن يستمع لمثل هذه القصص يوقن ان مواقع التواصل الاجتماعي رسخت في عالمنا مبدأ البحث وراء الماديات، والاغراء بالمظاهر وان كانت تلك المظاهر في اغلبها يمكن ان نصنفها بالتفاهة المصنعة.

حتى تصل بنا الحالة في أحيان كثيرة الى الشك في ان انتشار المحتوى الفقير، يوجد من يتبناه، ويريد ان يحقق غايات كثيرة، منها تسطيح تفكير الجمهور، وإشغالهم بثقافة او طرق تفكير بعيدة عما اعتادوا عليها، فتمثل التأثير بالتسويق لهذه الأفكار الغريبة، وحشرها بين سطور المنظومة القيمية القائمة في المجتمع منذ عقود.

ومن عيوب مواقع التواصل الاجتماعي هو سماحها لشخصيات مطمورة بالظهور، وترتدي لباس الثقافة، وهي في الحقيقة تسوّق نفسها بصورة وهمية، لإرضاء ذاتها دون حصول طروحاتها على مقبولية كاملة من شرائح المجتمع، ويبقى تأثيرها سطحي في الافراد المتصحرين معرفيا.

وتأخذ كرة هذه الأفكار التافهة المطروحة من قبل الشخصيات المغمورة بالتدحرج والاتساع تدريجيا، حتى تضع أصحابها في مواضع الشهرة والنجومية، نتيجة تقديمهم مضامين تنسجم وروح الشباب المعاصر، الذي ليس لديه القدرة على التعمق ودراسة ما يدور في الواقع من جميع الابعاد، وبالنتيجة يكون السواد الأعظم منهم وقع في الفخ وتشبكت يداه.

ولا يمكن ان نغفل ما قاله الكاتب النمساوي كارل كراوس بعدما سيطر ذوي الأفكار البسيطة على العالم، فقال، "هوت شمس الثقافة أرضًا، حتى أصبح الأقزام يظهرون بمظهر العمالقة"، ويمكن تشخيص ذلك دون عناء حين تتبع ما ينتشر في شبكات التواصل الاجتماعي، فلم يعد عوام الناس قادرين على التمييز بين الجيد والسيئ.

وعدم وجود من يتصدى لنشر المفاهيم الثقافية والاخذ بزمام المبادرة المفيدة، فسح المجال، بل مكّن من تغييب القدوات من أمام الجيل الناشئ، الذي يبحث عن قدوة، ما اجبرهم على وجود ضالتهم في مثل هذه الرموز التي سخفت الأشياء بهدف الحصول على أكبر قدر من التفاعلات.

ان من دفع التافهين الى الواجهة هو غفلة المثقفين وضعف المتلقين من الناحية المعرفية، ما ساعد على انتشار ظاهرة التهريج والفوضى الفكرية عبر انتشار المحتويات الضعيفة فكريا وتراكمت لسنوات، ولذا أصبح من الضروري إزاحة هكذا نماذج حرصا على مستقبل الأجيال القادمة من التلطخ بهذه الشوائب المضرة.

اضف تعليق