منوعات - معلوماتية

نرجسية رقمية

بالمقارنات الزمنية،‮ ‬تبدو النرجسية واحدة في‮ ‬المفهوم،‮ ‬ومختلفة في‮ ‬قوة الدرجات،‮ ‬واختلاف النتائج‮. ‬فأما الموت الجسدي‮ ‬أو العيش على أجهزة التنفس الاصطناعي‮ ‬في‮ ‬الحياة‮. ‬هكذا اكتشفنا الحقيقة من الميثولوجيا الإغريقية التي‮ ‬تقول إن‮ (‬نرسيس‮) ‬رأى ذات‮ ‬يوم خيال وجهه على صفحة الماء،‮ ‬فهام عشقاً‮ ‬بذاته،‮ ‬واضطربت أحواله،‮ ‬وأرهقه العياء،‮ ‬حتى مات‮.

‬وفي‮ ‬العلم الحديث هو اهتمام استثنائي‮ ‬بالذات أو الإعجاب بها،‮ ‬وتضخيم الفرد من أهميته وقدراته الذي‮ ‬يجعله‮ ‬يؤمن بأنه فريد من نوعه‮. ‬حيث تتميز الشخصية بالغرور والتعالي،‮ ‬والاهتمام بالمظهر الخارجي،‮ ‬والشعور بالأهمية،‮ ‬والتكبر والعجرفة،‮ ‬والأنانية،‮ ‬وتضخم أوهام النجاح والقوة‮. ‬وهذه الحالات تم تشخيصها من قبل علماء الطب النفسي‮ ‬كونه مرض نفسي‮ ‬يطلق عليه‮ (‬اضطراب الشخصية النرجسية‮).‬

والنرجسية هي‮ ‬ليست فردية لتدمير الذات نفسيا،‮ ‬إنما هي‮ ‬مشكلة اجتماعية أو ثقافية تدخل ضمن نظرية السمات لتقييم الشخصية‮. ‬هي‮ ‬إحدى سمات الشخصيات الثلاثة في‮ ‬ثالوث الظلام إلى جانب كل من المكيافيلية والاعتلال النفسي‮. ‬وعادةً‮ ‬ما تمثل النرجسية مشكلة في‮ ‬علاقات الفرد مع ذاته أو مع الآخرين‮. ‬

هناك جدل علمي‮ ‬واسع حول قوة النرجسية بين الجيل القديم والجديد‮. ‬البعض‮ ‬يرى بأن النرجسية هي‮ ‬واحدة في‮ ‬كل الأجيال،‮ ‬لأنها مرتبطة بالجينات والبيئات الاجتماعية وثقافة المجتمعات‮. ‬ربما كانت محصورة وسط النخب الثقافية والسياسية‮. ‬بينما‮ ‬يرى آخرون بأن التكنولوجيا ساهمت في‮ ‬رفع منسوب النرجسية‮. ‬وأيقظت الحس النرجسي‮ ‬في‮ ‬الذات الإنسانية‮. ‬وباتت أكثر شيوعا في‮ ‬الحياة،‮ ‬وأكثر ظهورا من قبل‮. ‬بل‮ ‬يعتقد البعض بان النرجسية أصبحت مرضا وبائيا منتشرا بكثرة من حولنا‮. ‬وآخر‮ ‬يتحدث عن‮ (‬نرجسية معولمة‮). ‬

وبالمقياس العددي،‮ ‬فالنرجسية الجديدة خلقت‮ (‬أنوات‮) ‬مضاعفة لا تتألف من الأصدقاء والأقرباء فقط،‮ ‬وإنما أيضا من عدد كبير من الأصدقاء الافتراضيين‮. ‬وهذا هو سر انزعاجنا من انقطاع شبكة الإنترنت عنا،‮ ‬لأننا نشعر بأننا خرجنا من حقل الآخر،‮ ‬وغادرنا الرابط الاجتماعي‮.‬

‮ ‬ولعل الأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن جملة من الدراسات الحديثة التي‮ ‬تقارن السمات والأهداف الحياتية للشباب تظهر زيادة ملحوظة في‮ ‬تقدير القيم الشكلية والظاهرية بدلًا من القيم الجوهرية؛ هكذا‮ ‬يبدو أن جيل الألفية هم أكثر عرضة لتقييم المال والصورة والشهرة على المجتمع والانتماء وتقبل الذات بما هي‮ ‬عليه‮.‬

منذ ما‮ ‬يقارب ألفين ونصف عام،‮ ‬كتب سقراط أن‮ (‬الفعل‮) ‬هو شرط الوجود‮. ‬في‮ ‬حين‮ ‬يبدو أن شرط الوجود اليوم هو الحضور المكثف في‮ ‬شبكات التواصل الاجتماعي‮. ‬ولعل ذلك لا‮ ‬يعد شذوذًا عن حاجة الإنسان الأزلية لأن‮ ‬يكون مَرْئِيًّا،‮ ‬ومن ثمّ‮ ‬أن‮ ‬يحظى بشاهد على وجوده‮. ‬بمعنى أن‮ ‬يمنح قيمة لهذا الوجود.

فالشبكة العنكبوتية في‮ ‬إخراجها للحياة الخاصة صارت‮ (‬أنا عليا‮) ‬جديدة‮. ‬فالعلاقة معها تمثل بعدا نرجسيا دون شك‮. ‬لذلك‮ ‬يبحث الفرد عن أكبر عدد ممكن من اللايكات والتعاليق لإثبات شخصيته‮. ‬

هكذا تختبئ نرجسيات الإنسان داخل مواقع التواصل الاجتماعي‮. ‬وتبدو الإشارات والرموز كأنها شاهد حي‮ ‬على نرجسية الذات‮. ‬فلا‮ ‬يمر لحظة زمنية ومكانية دون التقاط صور شخصية،‮ ‬وبأوضاع مختلفة ورفعها على صفحته‮. ‬فلا‮ ‬يسلم طعامه وشرابه وملابسه وزياراته الشخصية من هذه الصفحات الفيسبوكية‮. ‬استعراضات شخصية وعائلية تبدو خارج سياق المعقول‮. ‬فلم‮ ‬يعد‮ (‬السلفي‮) ‬هو السلوك النرجسي‮ ‬الوحيد إذ تختلف أنماط السلوك النرجسي‮ ‬تبعًا لاختلاف الشخصيات واختلاف السياق الاجتماعي‮. ‬فهناك ممارسات كثيرة تتعدى البعد المادي‮ ‬إلى الاجتماعي‮ ‬والشخصي‮ ‬حيث الشعور بالمنافسة مع الجميع ولا أحد‮.

‬والتلذذ بلايكات الإعجاب والتعليق،‮ ‬وإظهار مدى شعبيته بين الأصدقاء‮. ‬وتضخيم نشاطاته الحياتية والعلمية والثقافية حتى ولو حصل على تقدير من مؤسسة لا مكان لها من الأعراب ومصابة بالعوق العلمي‮! ‬

بالمقابل هناك في‮ ‬العلم من‮ ‬يستثمر ما‮ ‬يكتبه الإنسان لتحليل شخصيته ومعرفة اتجاهها ورغباتها وطريقة سلوكها‮. ‬وبعبارة أخرى إن الكلمات البسيطة التي‮ ‬يكتبها في‮ ‬صفحته تكشف لنا عن الكثير من المزايا والخصائص‮ ‬غير المرئية في‮ ‬شخصيته‮. ‬بل هناك مؤسسات سرية تستثمرها في‮ ‬جمع المعلومات عن الأشخاص للإيقاع بهم أو متابعة نشاطات الجماعات والأحزاب والدول وتحليلها وتبويبها في‮ ‬سياقات عملها الاستخباري‮ ‬والسياسي‮ ‬والتجاري‮.‬

لا‮ ‬غرابة،‮ ‬على سبيل المثال لا الحصر،‮ ‬أن تعترف إدارة الفيسبوك بامتلاكها معلومات هائلة عن مستخدميها عن الوقت الذي‮ ‬يقضيه كل منهم في‮ ‬التصفح،‮ ‬وعن جميع المحادثات التي‮ ‬ترد في‮ ‬رسائلهم من اجل بناء صورة متكاملة عن أي‮ ‬مستخدم،‮ ‬والتي‮ ‬يستطيع بعدها توجيه إعلانات معينة لهذا المستخدم بحسب ميوله ورغباته‮. ‬وربما تقديمها إلى المؤسسات السرية لأهداف معلوماتية‮.‬

ولكي‮ ‬نفهم خريطة سلوك الإنسان اعتمادا على سلوكه في‮ ‬الفضاء الرقمي،‮ ‬فقد قدم الباحث بيرناردو تيرادو تفاصيل الخريطة السلوكية بالنماذج الأربعة‮: ‬الأولى شخصية المتلصص الذي‮ ‬ينظر ويراقب ويتابع ما‮ ‬ينشره الآخرون من أصدقائه على صفحات أي‮ ‬منشور‮ (‬بوست‮) ‬من‮ ‬غير ما‮ ‬يقوم بأي‮ ‬نشاط على صفحته ولا‮ ‬يقوم بالإعجاب أو التعليق‮.

‬الثانية،‮ ‬شخصية الناشر الذي‮ ‬ينشر حوالي‮ ‬3 بوستات في‮ ‬اليوم،‮ ‬وهو‮ ‬يستعمل الفيسبوك من اجل التواصل مع الآخرين بعد عودته من عمله أو أثناء عمله،‮ ‬إذ‮ ‬يقوم بوضع منشورات ونشر صور مختلفة كما‮ ‬يعلّق على منشورات أصدقائه‮. ‬

الثالثة شخصية نرجسية التي‮ ‬تجعل كل ما‮ ‬ينشره في‮ ‬الصفحة متعلقا به،‮ ‬ويدور حول ذاته من صور أو عبارات أو تعليقات،‮ ‬ونادرا ما‮ ‬يعلّق أو‮ ‬يقوم بكتابة تعليقا على منشورات الآخرين ألا إذا كان فيها،‮ ‬على نحو واضح أو خفي،‮ ‬إشارات لتعزيز وإثراء نفسه والإعلاء من شأن شخصيته.

أما الرابعة فهي‮ ‬شخصية الواعظ‮ ‬الذي‮ ‬ينشر أكثر من أربع منشورات‮ ‬يوميا،‮ ‬وتجد لديه الكثير من الوقت الذي‮ ‬يمكن أن‮ ‬يقضيه على الفيسبوك‮ ‬يمارس فيه عمله الرقمي‮ ‬من خلال نشر أمثال ومقولات وصور وعبارات وعظيه،‮ ‬كما أنه‮ ‬يضع تعليقات متنوعة على منشورات الآخرين من أجل أن‮ ‬يخفي‮ ‬ما‮ ‬يدور في‮ ‬حياته الواقعية‮.‬

وهناك من‮ ‬يضيف عليها نماذج أخرى‮ ، فهناك شخصيات تستخدم الفيسبوك لأغراض تجارية‮ . ‬وأخرى تدير صفحات السياسيين والأحزاب والمشاهير والحركات السياسية والدينية‮. ‬إضافة إلى وجود الصفحات المُقنعة التي‮ ‬يمارس فيها أصحابها من كل الجنسين ما‮ ‬يعجز أو‮ ‬يخجل عنه في‮ ‬الحياة الواقعية‮! ‬لذا تجدها صفحات مموهة بأسماء مستعارة لا تكشف عن الهوية الحقيقية لصاحبها‮ ‬

بالمنطق العلمي،‮ ‬المبالغة في‮ ‬وصف النرجسية بالمرض هي‮ ‬أيضا نرجسية علمية لتضخيم الصورة‮. ‬لأن هناك نرجسية‮ (‬صحية‮)‬،‮ ‬مثلما هناك نرجسية‮ (‬مرضية‮). ‬فشعور الفرد بالتميز مفيد له‮. ‬إنه‮ ‬يشحذ الثقة بالنفس لتطوير الذات وتنميتها‮. ‬لكن الشعور بالتميز الزائد قد‮ ‬يسبب مشاكل على الحياة اليومية للفرد،‮ ‬وكذلك على المجتمع‮. ‬خاصة عندما‮ ‬يرى النرجسي‮ ‬نفسه فوق الجميع‮.‬

أهم شيء تنتبه إليه دائما هو أن النرجسيين أساتذة الإغواء والعظمة والاستعراض‮. ‬ويؤمنون بأن الكون‮ ‬يدور حولهم‮. ‬وقدرهم أن‮ ‬يعيشوا في‮ ‬عالم لا‮ ‬يوجد به شيء أكبر من أنفسهم‮. ‬إياك أن تشتبك معهم‮. ‬وتذكر في‮ ‬النهاية أنهم لا‮ ‬يفكرون فيك على الإطلاق‮! ‬

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1