يقول مارك زكربيرغ مؤسس شركة فيس بوك والرئيس التنفيذي لها في احدى اهم مقولاته المشهورة: "نؤيد توفير الاتصال لكل انسان، وتكوين مجتمع عالمي، نؤيد منح كل شخص في العالم القوة لمشاركة اي شيء يريده مع اي شخص يريد".

عندما تنظر من حولك ترى ان زكربيرغ صادق في حديثه فالعالم اليوم اصبح متقارب جدا، وموقع فيس بوك يوفر منبراً للتواصل بين ملايين الأشخاص حول العالم، ففي العالم العربي الذي تسيطر عليه الأنظمة السلطوية انتزع فيس بوك جزءاً كبيرة من قدرة الحكومة على احتكار المعلومات، وحولها بين ايدي المستخدمين الذين يصورون وينشرون على مدار الساعة، يناقشون الموضوعات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وتأثيرها على حياتهم ومستقبلهم، قد يعترضون او يوافقون على مشروع قانون معين او يرفضون سلطة سياسية معينة فينظمون اتصالاتهم عبر مجموعات خاصة يحددون فيها أماكن التجمع واوقاتها ثم ينطلقون في تظاهرات كبيرة.

احداث الربيع العربي كانت المثال الكبير على دور مواقع التواصل الاجتماعي في تغيير موازين القوة لصالح الجماهير، وكسر الاحتكار الحكومي للمعلومات والأفكار التي كانت محددة في تحت تصرف السلطة، فالجميع بات بإمكانه الحديث كما وعد زاكربيرغ، وللجميع ابداء ارائهم السياسية في موضوعات شتى، لكن ماذا عن الاخبار الكاذبة؟ يقول زاكربيرغ اننا نحاربها، وماذا عن الاخبار التضليلية التي تنشر عبر فيس بوك؟ يقول فيس بوك اننا نحاربها، وماذا عن الإرهاب؟ يعلنا فيس بوك صراحة انه يحاربه وبقوة، وقدم امثلة حية على ذلك، اذ توجد لدى الشركة قائمة تحوي ٣٧ منظمة ارهابية للرقابة، لكن مصدر هذه القائمة يثير الشكوك، فهي تأتي من وزارة الامن الداخلي الأميركية، وعلى فيس بوك ان تحفظ كل شيء متعلق بهذه المنظمات وان نشرف عليها وتحذف كل محتوى يتعلق بأنشطتها.

شرطة المحتوى

يصعب على شركة فيس بوك فرض رقابة مباشرة على المحتوى، لأنها تصرح دائما بان منصتها متاحة للجميع، لكن الاستثناءات التي تتحدث عنها هي المشكلة، فما هو المعيار للاستثناء، وما هو المحتوى الذي ينشر وما الذي يتم حذفه، تقول الشركة انها تحذف المحتوى العنيف فقط، وتحذر المستخدمين من الاخبار المضللة، لكنها في الحقيقة تمارس اشد أنواع الانتقائية، ولهذا السبب هي تتعاقد من شركات وسيطة تقوم بهذا الامر، لتتهرب من المسؤولية، فبحسب تحقيق نشرته قناة دويتشه فيلة الألمانية فان فيس بوك تعاقدت مع شركات تقنية في العاصمة الفلبينية مانيلا، مهمة هذه الشركات هي الرقابة الشديدة على المحتوى، ويتحدث احد مراقبي المحتوى للقناة الألمانية: "نحن كالشرطة شخص ما عليه ان يحرس الانترنت تمام كما في العالم الحقيقي، ومشرفو المحتوى كرجال الامن هم يحمون المستخدمين هذه وظيفتي".

بينما يتحدث مشرف اخر عن جوهر وظيفته: "المهمة الرئيسية للمشرفين على المحتوى تنظيف الاقذار هذا هدفنا الوحيد، هذه مسؤوليتنا الكبرى ان نضمن عدم تحميل اي شيء غير لائق، هذا كل ما في الامر". لكن مرة أخرى يفشل فيس بوك في تحديد ما هو لائق وغير لائق، وبصورة ادق هو يحدد اللائق وغير اللائق وفقا للقوانين الأميركية، فالجماعات الإرهابية هي فقط تلك التي تسجل لدى الولايات المتحدة الأميركية، او تلك التي تسجلها الدول المشاكسة مثل تركيا، واذا ما تعارضت مصالح اميركا مع مصالح دولة أخرى تلجأ فيس بوك الى مناصرة اميركا.

خذ على سبيل المثال قيام شركة فيس بوك مطلع عام 2019 بإغلاق صفحات تابعة لقناة روسيا اليوم ووكالة سبوتنيك الإخبارية، بعد صدور تقرير من شبكة "سي ان ان" الإخبارية الامريكية يفيد بارتباط المؤسستين الاعلاميتين بالرئاسة الروسية.

الحسابات التي حذفتها إدارة فيس بوك لديها أربعة ملايين مشترك، وعليها فيديوهات شاهدها اكثر من مليارين ونصف المليار شخص، وبحسب رئيسة تحرير روسيا اليوم مارغريتا سيميونا لم تكن هناك أي ملاحظات على مضمون جميع هذه الفيديوهات أو الحسابات، ولكن بمجرد أن اتصلت قناة سي إن إن بإدارة فيسبوك وتساءلت: "كيف تسمحون لأولئك الروس بالحديث مع مواطنينا"؟ فما كان من فيسبوك إلا أن انصاع فورا لتعليماتها". بحسب تعبير سيميونا.

اين حرية التعبير؟

حرية التعبير موجودة في أميركا ولا ينكرها احد، لكنها للأميركيين فقط الذين يخضعون للقيم التي ترسمها اللوبيات والشركات العملاقة، ابرزها شركات النفط والسلاح والتكنلوجيا، تصدر منتجات هذه الشركات الى الدول المتخلفة، فتحصل على أرباح طائلة وخاصة الصادرات الحربية التي تقتل العشرات يوميا، اما من يخالف السائد يستبعد من الشبكة.

ولم تكن سياسة فيس بوك موجهة ضد الشركات الروسية المتهمة بالتدخل في الشؤون الأميركية، فقد قامت فنانة برسم لوحة فنية تشير الى ضعف دونالد ترامب وعدم قدرته على قيادة اميركا، فقام مقص الرقيب في فيس بوك بحذفها، واعتبرها انتهاكا للقوانين.

وقد ننشر نحن العراقيون اليوم صوراً عن بعض الجهات السياسية المحلية فيقوم فيس بوك بحذف الحساب نهائيا والحجة انهم مدرجون على قائمة الإرهاب الأميركية، فأي حرية تعبير هذه؟ لنتصور ان الحكومة العراقية وضعت بعض الشخصيات الأميركية المشاركة في جرائم قتل العراقيين في النجف والفلوجة وبغداد خلال أيام الاحتلال الأولى على قائمة الإرهاب، وبافعال إجرامية اثبتها القضاء، فهل ستقوم بحذف صورهم كما تفعل مع القوانين الأميركية، بالتأكيد لا لانها تلتزم بالقوانين الأميركية، واذا كان مواقع التواصل تحجب حسابات روسية بحجة التدخل في الشؤون الأميركية فهل هذا ينطبق على جميع الدول، فهناك حسابات اجنبية تتدخل في الشأن العراقي يوميا وبشكل علني، وهنا يتم تفسير هذه التدخلات في اطار حرية الرأي والتعبير التي يتحدث عنها زاكربيرغ، فالحرية لديه هي الالتزام تجاه مصالح اميركا فقط، وليذهب العالم للجحيم.

فقواعد حرية الرأي والتعبير متاحة للجميع لكن ضمن سقف محدد سلفاً من قبل اميركا وحدها، وشركات التكنلوجيا التي أعطيت مساحة كبيرة للعمل على مستوى العالم، وبالقدر التي ساهمت في توسيع نطاق الحرية فهي تعمل على تقييدها ولكن بطريقة حديثة ولطيفة، وفي هذا الشأن يقول ديفيد كاي مقرر الامم المتحدة المعني بحرية التعبير ان "الشركات تتمتع بقوة متعاظمة لاختيار ما يمكن ابقاؤه على شبكة الانترنت وما يجب حذفه، انها تستغل محبتنا لليسر ومقاومتنا لبذل الجهد والتحدي واعتقد انها مع الزمن ان لم يكن هذا قد تحقق بالفعل ستتدخل في قدرتنا على التفكير الناقد وربما في قدرتنا على مواجهة الصراعات لدرجة الحد من تنوع الآراء".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1