بقلم: كارولين روك/مانفريد كيتس

معظمنا مرتبطون بشكل كبير بالعالم الرقمي، لدرجة أصبحنا فيها منفصلين عن الواقع

كانت ميشيل التي تشغل منصب الرئيس التنفيذي للعمليات في شركة متعددة الجنسيات، أحد أكثر التنفيذيين احتراماً في القطاع الذي تعمل به. كانت مشهورة بقدرتها على تنفيذ عدة مهام بوقت واحد، وأنها متاحة دائماً على الشبكة. بالرغم من محبة الموظفين لها، إلا أنهم كانوا يشعرون بالضغط للقيام بالأمر عينه. استقال عدد منهم في الآونة الأخيرة بسبب الإرهاق، وسلم اثنين آخرين استقالتهما.

وصفت ميشيل خلال اجتماعها بمدربها، كيف كانت تقضي يومها قبل الذهاب للعمل، وكيف كانت تستغل ذلك الوقت في مناقشة أمور العمل مع زملائها على الهاتف. وبالمثل، استغلت كل دقيقة خلال سفرها للقيام بالأمر عينه. قضت معظم أوقات فراغها في الحفاظ على تواجدها على شبكة لينكد إن ووسائل التواصل الاجتماعي. كانت فخورة بالرد على جميع الرسائل والتعليقات التي تتلقاها.

تساءلت ميشيل عما إذا كان ذلك سيؤثر في قدرتها على التركيز والتفكير على المدى الطويل. وكانت تواجه صعوبة في النوم، ولديها شعور دائم بالإرهاق. واعتقدت أن ذلك تسبب لها بالمزيد من الأخطاء وأثر على إنتاجيتها. وتساءلت إذا ما كان الحصول على تدريب ذهني سيساعدها على معالجة المشكلة.

تأثير التكنولوجيا

بالنظر إلى عادات ميشيل في العمل، ليس من المفاجئ النتيجة التي توصلت لها وزملاؤها بالعمل. فقد كانوا تحت ضغوطات التكنولوجيا، وعدم القدرة على التعامل مع العالم الرقمي بطريقة صحية. كان من المفترض أن تساهم التكنولوجيا الرقمية برفع الإنتاجية – وقامت بذلك إلى حد ما - ولكن لن تأتي تلك المزايا بدون تكاليف.

يؤثر الضغط النفسي للواقع الافتراضي والتدفق المستمر للمعلومات بشكل سلبي على صحتنا. بغض النظر عن خلق ضغط عمل محتمل، تثير الضغوط المترتبة عن التكنولوجيا القلق والشعور بالإحباط، وعدم الرضا، وضعف الأداء، ومشاكل في الحضور. غالباً ما يتم تجاهل مشاكل الصحة العقلية بما في ذلك إدمان التكنولوجيا.

عندما أجرت شركة البرمجيات RescueTime استطلاع حول استخدام التكنولوجيا في العمل، فقط 10% من المشاركين أجابوا بأنهم يتحكمون بوقتهم. أظهرت بيانات 50 ألف مستخدم للشركة أنه لدى الأشخاص ساعة و12 دقيقة في اليوم لا يستخدمون خلالها وسائل التواصل أو تتم مقاطعتهم بسببها. وأظهرت الدراسة أيضاً أن 70% من الموظفين يبقون بريدهم الالكتروني مفتوحاً طوال اليوم، وفقط 20% لديهم استراتيجية مدروسة للتعامل مع الرسائل الالكترونية الواردة.

حيل الدماغ

لماذا نحن مهووسون بأن نبقى دائماً متاحين على الشبكة؟ لماذا يصعب علينا مقاومة صوت الرسائل القادمة والتنبيهات؟ ظاهرياً، يبدو أننا نخشى من أن نصبح منسيين، للشعور بأننا أشخاص منتجين، والشعور بأننا ملزمين على أن نكون متاحين في العالم الافتراضي المتزايد. ينطبق الأخير على الرؤساء التنفيذيين الذين يعانون من الشعور بالوحدة بسبب موقعهم.

يكمن وراء تلك الدوافع قوى نفسية وكيميائية، التي تشبه إلى حد كبير إدمان المقامرة. فكما هو الحال عند الأشخاص المقامرين الذين يعيشون من أجل الشعور بالإثارة عند الربح، نشعر أننا مجبرين على تفقد بريدنا الالكتروني فقد يحتوي على رسالة ننتظرها بفارغ الصبر أو مفاجئة سارة. بكلا الحالتين، تحفز المكافآت العشوائية الدوبامين في الدماغ، وهو ناقل عصبي يعطينا الشعور بالرضا ويحفزنا على تكرار السلوك المثير.

في عالم الشركات، تزداد التوعية بأهمية وجود وقت في اليوم تقطع فيه قنوات الاتصال من أجل إيجاد الوقت الكافي للتفكير. التحول بمثابة خبر جيد، ولكن يتوجب علينا إيجاد الحل للأمور العالقة. على سبيل المثال، لا يستطيع أشخاصاً من ذوي الأداء العالي، كما في حالة ميشيل، من العمل بشكل يدوي، ومن ثم نتوقع أن تنقذها عدة جلسات من الشعور بالإرهاق.

تعلم الإدارة الذاتية

يكمن التحدي الذي يواجهه أشخاصاً مثل ميشيل في تعلم كيفية إبقاء ضغوط التكنولوجيا على المحك. يتطلب ذلك القدرة على ضبط النفس. يتعين على القادة خلق بيئة عمل تلبي حاجة الإنسان للتواصل، وفي الوقت ذاته تمكنه أيضاً من الانقطاع عن التواصل في بعض الأوقات. يتعلق الأمر باستعادة ما كان يطلق عليه في الماضي الفضاء المقدس - المساحة المخصصة للتفكير والتفكير الإبداعي.

لتحرير أنفسهم وموظفيهم من سجن الضغوط التكنولوجية، يتوجب على التنفيذيين وضع حدود واضحة لكيفية ومتى يستخدمون أدوات الاتصال الرقمية. قد يشمل ذلك إرشادات حول وقت الاستجابة المناسب لكل وسيلة اتصال. وسنورد هنا بعض المقترحات:

- بالنسبة للبريد الالكتروني لا يتوجب علينا الرد بشكل فوري. ويمكن معالجة الأمور العاجلة بمكالمة هاتفية

- يجب منع الموظفين من الوصول لبريدهم الالكتروني خارج أوقات العمل أو خلال العطل.

- لا يجب على الأشخاص البقاء في العمل بعد انتهاء الدوام، إلا في حال استدعى الأمر. وينطبق ذلك على الاجتماعات الافتراضية خارج ساعات العمل.

هناك وسيلة أخرى لمحاربة ضغوط التكنولوجيا، من خلال وضع رسالة تلقائية تخطر المرسل بأنه تم استلام رسالته وسيتم التعامل معها في إطار زمني محدد (على سبيل المثال خصص ساعة في الصباح وفي المساء).

هناك فرق بين الاستجابة السريعة والاستجابة التي تضيف قيمة حقًا. في هذا السياق، من الجدير أن نوضح أنه لا يوجد أحد في العمل يتوقع منه أن يعلم كل شيء.

العمل بذكاء

يعود الأمر للقادة فيما رغبوا بتعزيز عقلية "العمل بذكاء" والتي تشجع على أخذ فترة راحة للتأمل. حتى عندما يبدو الأمر أننا لا نفعل شيئاً، لكن دماغنا يعمل على أمور مهمة بشكل غير ظاهري.

بتطبيق ذلك على أرض الواقع، هل ستقضي وقتك في تصفح الرسائل أو الاتصال بأعضاء فريقك والعملاء؟ أم هل يجب أن يكون وقت للانفصال عن العمل لمواكبة التطورات السياسية والاقتصادية؟ هل ستستغل ذلك الوقت في قراءة بعض القصص أو مجرد النظر من النافذة للاستمتاع بالمناظر الطبيعية؟

إذا لم تتاح لك الفرصة لتخصيص وقت لنفس للتفكير عندما تكون في العمل، لماذا لا تخرج لبرهة لتنشق الهواء والتنزه؟ كما يمكن أن تأخذ غفوة قصيرة، حيث أثبتت أنها وسيلة جيدة لتحفيز النشاط والذاكرة والقدرة على صنع القرار.

هناك العديد من الطرق للانفصال عن العالم الافتراضي وإنشاء المساحة اللازمة للقيام بأمور هامة، مثل إعادة التفكير في استراتيجية الشركة أو وضع رؤية للمستقبل. إن لحظات الانفصال المدروسة بمثابة قوة تعويضية ضد السلوكيات القهرية التي يحركها الدوبامين.

يجب أن يبذل التنفيذيين قصارى جهدهم لتفادي أن يصبحوا ضحية العالم الرقمي. من الجيد أن يدركوا أنه كلما زاد ارتباطهم بالعالم الرقمي، كلما انفصلوا عن العالم الواقعي. على الرغم من أن أدوات الاتصال لها استخدامات، إلا أن تأثير التواصل وجهاً لوجه يكون أكبر وذو معنى.

كارولين روك، زميلة سابقة بكلية إنسياد/مانفريد كيتس دي فريس أستاذ متميز في تطوير مهارات القيادة والتغيير التنظيمي بكلية إنسياد
https://knowledge-arabia.insead.edu

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2