صوفيا سميث-صحفية

 

يمتاز جيل الشباب ممن تتراوح أعمارهم بين 13 و23 عاما بأنه درج على الإنترنت منذ نعومة أظافره، ما يجعل أبناء هذا الجيل أكثر عرضة للتنمر والاكتئاب، وعلى الجانب الآخر فإنهم يتمتعون بآفاق أرحب من التواصل وربما من التعاطف والأمل.

بل تخطت الشريحة الأصغر من هذا الجيل، ممن لم يبلغوا عامهم العشرين بعد، حدود التفوق الرقمي ليصبحوا الأكثر تفوقا على منتديات التواصل الاجتماعي، فهؤلاء الصغار تفتحت أعينهم على الفيسبوك. فكيف يتعامل هؤلاء مع التحديات الفريدة التي تمثلها حياتهم على الإنترنت؟

لقد أمضيت الشهر الماضي منكبا على العمل على حلقات خاصة بالتواصل الاجتماعي على الإنترنت وتأثيره على الصحة العقلية، ما جعلني أفكر، وقد بلغت الآن 23 سنة، ما إن كان قد أتيح لي وأنا في بداية المراهقة ما يمكنني من الصمود أمام سيل الصور والرسائل التي حملها هذا التواصل.

بل إن بعض الأطفال يصلهم هذا السيل من الصور والرسائل في سن أصغر حتى من ذلك، إذ أن ما لا يقل عن سبعة ملايين ونصف المليون مستخدم في الولايات المتحدة تقل أعمارهم عن 13 سنة، رغم أن مواقع التواصل تشترط أن يكون المشترك في الثالثة عشرة أو تجاوزها.

وبالنسبة لهذا الجيل فقد تشكلت حياته بالكامل بهذا التواصل، ومن ثم فربما كانوا أيضا الأقدر على تقييم مردود ذلك على حياتهم.

ولا يتردد المراهقون، بحسب دراسة أجريت عام 2017، في الإعراب عن قلقهم إزاء منتديات بعينها، فقد أبدى قرابة 1500 مراهق امتعاضهم من إنستغرام باعتباره الأسوأ بالنسبة لصحتهم العقلية. فهل من يعبأ بجعل الحياة على الإنترنت جيدة وصحية؟

دور المدارس والحكومات

ربما كان هؤلاء النشء أكثر اتصالا بأقرانهم من المتابعين بالآلاف عبر فيسبوك وتويتر، غير أن هذا الخضم من التواصل لم يخل من سلبيات.

وتقول كيتي ماكينزي، طالبة في التاسعة عشرة من عمرها من مدينة ديربي بإنجلترا، إن التواصل الاجتماعي وفر لها "وسيلة حيوية لإطلاع العالم على رسائلها" التي ضمتها مدونتها حول قضايا الجمال والنشاط البشري والصحة العقلية. وتقول ماكينزي إنها، شأنها شأن أغلب الشباب، لم تتلق في المدرسة دروسا في التوعية على استخدام وسائل التواصل، بخلاف القليل من أساسيات السلامة التي كانت تعيها بالفعل. كما ترغب ماكينزي في أن توفر الشركات هي الأخرى دعما لمن يطلب ذلك.

ويستشف من كلام ماكينزي أمران، أولهما أن شركات التواصل الاجتماعي يلزمها فعل المزيد، والثاني افتقار المدارس للدراية الكافية بالآفاق الحديثة للفضاء الرقمي، ما ينعكس بالسلب على أبناء هذا الجيل ممن ارتبطت حياتهم ارتباطا مبكرا ووثيقا بهذا التواصل.

وقد اشتمل تقرير أصدرته الجمعية الملكية البريطانية للصحة العامة على عدة قضايا تتعلق بالصحة العقلية للشباب والعلاقة بين وسائل التواصل وزيادة القلق والاكتئاب والأرق.

وأنشأت جمعية تابعة للتأمين الصحي البريطاني في اسكتلندا موقعا لتوعية العاملين بالمجال الصحي بالمخاطر الجديدة، والعديدة التي يواجهها النشء اليوم، كالافتقار للاتصال السليم بالواقع، والانخراط في الرسائل الجنسية، والمواد الإباحية الانتقامية؛ ناهيك عن التنمر والمقامرة ومطالعة المواد الهدامة، فضلا عن قضايا الخصوصية على الإنترنت - وهي المشكلات التي تعتري فضاء التواصل الاجتماعي.

وقد أخذت شركات التواصل تنتبه إلى التقارير الإعلامية السلبية حول تأثير مواقعها على الصحة العقلية وكثرة المستخدمين دون السن على منتدياتها. وينص القانون الفيدرالي الأمريكي لحماية خصوصية الأطفال على الإنترنت على ألا يقل عمر المستخدم عن الثالثة عشرة.

ولكن التواجد الفعلي للملايين ممن هم دون الثالثة عشرة على تلك المنتديات بات يفرض أن تشمل جهود الصحة العقلية تلك الشريحة أيضا، ومن ثم الشرائح الأكبر من المراهقين.

تطبيقات مفيدة؟

ومن المثير للاهتمام ظهور تطبيقات حديثة على الهاتف المحمول، وهو المعبر الأساسي لمشكلات التواصل، بهدف إيجاد حل لتلك المشكلات!

فتطبيق (توك-لايف)، والذي بحسب وصفه يتيح "الفرصة للمشاركة بحلو الحياة ومرها"، يطرح نفسه كـ"شبكة دعم بين الأقران لمواجهة صعوبات الصحة العقلية للشباب". وبإمكان المستخدم المشاركة دون الكشف عن هويته، أو تحت اسم يختاره للتعريف بنفسه.

يكتب أحد المشاركين على هذا الموقع فيقول: "سئمت الحياة، ولا أحسبني جديرا حتى بكتابة هذه الرسالة. لا لست جديرا! حري بي أن أظل وحدي بمشكلاتي! ما هذا الذي أفعله؟ أنا ضائع تماما!" فيجيبه أحدهم: "لا تخش يا صديقي، ستتجاوز الأمر:( " ويقول آخر: "لو كنت تعتقد حقا بما تقول لما قلته! فكر في الأمر. تعلم في قرارة نفسك أنك تريد الحياة!".

ووفق التطبيق فالمنشورات التي قد يجدها البعض مسيئة، من قبيل تلك التي تحتوي على صور عنيفة، يجري إبرازها باللون الأحمر وتحمل تحذيرا يقول: "ربما يأخذك هذا المنشور إلى حيث لا تريد!".

ويوفر مثل هذا المنتدى مساحة من الاهتمام دون أن يضطر السائل عن الكشف عن هويته، ما يتعذر توافره في مواقع التواصل العادية. ومع ذلك ينبغي الانتباه إلى أن هذا الموقع لا يقدم مساعدة نفسية أو استشارات صحية متخصصة، ما يحمل مخاطر لا تخفى على أحد. وفي حالة تطبيق (صراحة) السعودي، الذي ذاع انتشاره ووفر لمستخدميه التواصل دون كشف الهوية، فقد قامت كل من غوغل وآبل بحذفه بعد ورود شكاوى من أن أشخاصا استغلوا حجب الهوية للتحرش بآخرين. وهكذا فبدلا من تقديم حلول أضافت المحاولة مزيدا من المشكلات!

غير أن تطبيقات مثل (صراحة) و(توك-لايف) أكدت النهم الواضح لدى أبناء هذا الجيل في التواصل مع أقرانهم عبر الإنترنت للمشاركة بأفكارهم وهمومهم وخبراتهم الشخصية، وهو النهم الذي يمكن الاستفادة منه بشكل أفضل مع توافر الإشراف السليم.

نحو تواصل أفضل

وثمة موقع حاز على ثناء خبراء نفسيين رواد، وهو موقع Big White Wall (بيغ وايت وول)، المتوفر في كندا ونيوزيلندا والمملكة المتحدة. ويستلهم الموقع الخبرات المبكرة للتواصل الاجتماعي ومستعينا في الوقت الحالي ببعض الجهات منها منظومة التأمين الصحي البريطاني لتعميم أفضل الممارسات واستلهام آخر المستجدات العلمية.

ويتسم هذا الموقع بآفاقه الذكية، فبخلاف حجب هوية مستخدميه يتيح "بيغ وايت وول" للشباب الفرصة للتعبير عن أفكارهم فنيا عبر "لبِنات" تمثل مشاعرهم وأفكارهم. كما يوفر دروسا بإرشاد متخصصين للتعامل مع قضايا مثل الاكتئاب والإقلاع عن التدخين، ويصمم مقترحات وفق شخصيتك لتحقيق نتائج إيجابية. ويحضرني هنا ما قاله أحد المشاركين في دراسة خاصة بالموقع: "كان من المستحيل أن أصارح والديّ بالأمر، وكنت أخشى أن أكاشف أصدقائي. أما الحديث إلى آخرين عبر الإنترنت فقد ساعدني مساعدة جمة، ولولاه لظللت أسير ذاك الأمر".

ويقول جيمس دي بايذ، ويعمل مديرا تجاريا، إنه "لا يجب فقط سرد الحلول المتوافرة للشباب على الإنترنت، بل يجب أيضا اختبار فاعليتها وسلامتها على المستخدم".

ويضيف "من السهل أن يقوم أحدهم بعناء قليل بعمل تطبيق أو موقع على الإنترنت، غير أن الصحة العقلية للمستخدم مسألة حياة أو موت، ومن ثم نعتقد أن خدمات الدعم عبر الإنترنت ينبغي أن تقوم على دراسات وتقييم محكم، فضلا عن آليات لضمان الجودة".

وربما يأتي حل للصعوبات التي تواجه جيل الإنترنت عبر مواقع من قبيل "بيغ وايت وول" والتي تقع خارج دائرة مصالح الشركات الكبرى للتواصل الاجتماعي، بمعنى آخر من خلال التواصل المعتاد للشباب دون العشرين ولكن عبر منتديات داعمة، لأنه ليس منطقيا أن تعمل شركات مثل فيسبوك وتويتر على حماية مستخدميها الشباب من الإدمان عليها لمجرد اعتبار صحتهم العقلية! يقول آدم أولتر، أستاذ تسويق بجامعة نيويورك، إنه "لم يُطرح الحافز المناسب لجعل تلك الشركات تهتم بصحة مستهلكيها".

ويضيف: "المنافسة على جذب انتباه المستهلك مثلها مثل سباقات التسلح، وبالتالي لن تقوم الشركات بإدخال وسائل لكف مستخدميها ما لم يقم منافسوها بالشيء ذاته، فعدم قدرتهم على تعليق أنظارك باستمرار بمنتجاتهم تعني حرمانهم من عائدات الإعلانات".

تعديلات بسيطة

ومع ذلك تحدت شركة "ستوديو أوتبوت" اللندنية للتصميم هذا الواقع، إذ ابتكر فريقها بضع تغيرات بسيطة يمكن لمنتدى مثل إنستغرام الأخذ بها لإقلال المخاطر التي يتعرض لها مستخدموه.

ومن بين تلك التغييرات نمط حسابي ذكي يختار لك أخبارا مشجعة حال رصد كلمات في منشوراتك تدل على حالة مزاجية سيئة، ومن ثم رفع حالتك المعنوية. ومن المقترحات الأخرى تطبيقات ترصد عادات التواصل الاجتماعي للمشارك وتشجعه على تحديد أهداف والتقدم صوبها على غرار ما تفعله التطبيقات التي تشجع على المشي والرياضة. وثمة مقترح يتعلق بتحديد ألوان معينة لحسابات المشاركين بحسب مدى واقعيتها، من قبيل اللون الأحمر للاحتراز من الحسابات التي تحوي منشورات تدل على أنها قد تكون لكيانات وهمية، أو صورا معدلة بشكل مبالغ فيه، إلخ.

وحينما سألت ديفيد ماكدوغال المسؤول عن استراتيجية الشركة عما إذا كان يعتقد حقا أن مواقع التواصل الاجتماعي ستأخذ بتغييرات من هذا القبيل، جاء رده بالإيجاب، معللا ذلك بأن تلك التعديلات "ذات مردود تجاري إذا أن الاعتناء بزبائنك يعني إيجاد بيئة صحية وسعيدة، وقابلة للاستمرار".

وسواء جاء التغيير على أيدي عمالقة التواصل من قبيل فيسبوك أو من خلال المبادرات الآمنة مثل "بيغ وايت وول"، فربما يكون قد فات الأوان بالنسبة لكثيرين.

http://www.bbc.com/arabic

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0