لا خلاص للشعب العراقي من دوامة الانتكاسات السياسية والاقتصادية التي تحاصره من جميع الجهات، ما لم يسعى المتصدون من النخب وسواهم لقيادته وتوجيه مساراته، نحو ترسيخ المنهج الاستشاري، والسير المتئد والسليم نحو بناء النظام التعددي القائم على الشورى، فمن أعظم المبادئ التي جاء بها الاسلام في صدر الرسالة النبوية الشريفة، هو مبدأ الشورى، حيث تمكنت الحكومة الاسلامية من تنظيم حياة المجتمع الاسلامي آنذاك، على الرغم من جذوره الضاربة في الفرقة والجهل والتعصب، والانتماء القبلي وما شابه، حيث تمكن قادة المسلمين من بناء المجتمع المتماسك القوي المستقر، من خلال تعميم مبدأ الشورى على عموم مفاصل الحياة آنذاك، وتم ترسيخ حرية الرأي وقبول التعددية كمنهج حياة يجتمع عليه الجميع.

قدم قائد المسلمين النبي (ص) خطة متكاملة قامت عليها الدولة وفق نظام دستوري واضح المعالم، وكانت أهم ركيزة يستند عليها هي الشورى التي أصبحت من بين أهم الصفات التي ينبغي أن يتحلى بها المسلم، بمعنى أنها من الواجبات التي يجب أن يتمسك بها، وهكذا تحولت من مبدأ نظري الى سياق عملي، استطاع المسلمون من خلاله تنظيم حياتهم بصورة افضل، لاسيما أن الجميع كان يؤمن بأهمية هذا المنهج، فضلا عن اهمية التمسك به.

وعندما نطالع المؤلفات والكتب والمحاضرات التي تطرق فيها الامام الراحل، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله)، الى مفهوم الشورى، فإننا سوف نلاحظ اهتماما منقطع النظير له بهذا المنهج، الذي يرى فيه أهم ركيزة تدعم وتسهم بصناعة الدولة القادرة على حماية الحريات، لهذا أكد الامام الشيرازي في كتابه القيّم الموسوم بـ (الشورى في الاسلام)، على مفهوم الشورى، وركز بنفس القوة على المنهج التعددي في ادارة السلطة، حتى لا يتم تركها بيد فرد واحد فتجرفه مزاياها ويفقده سحرها الرشد والتعقل، لهذا جاءت التعددية وتوزيع السلطة وفق نظام دستوري دقيق، حلا مناسبا لعدم تركيز السلطات في شخص واحد، فضلا عن انها تعد من صفات الانسان المؤمن الذي يرفض أن يستولي على السلطة، فيحدث العكس وتستولي عليه وتجرفه نحو الهلاك بامتيازاتها وسحرها القاتل، لذا فالمؤمنون هم الذين يؤازرون الشورى ويفضلون التعددية مع ضمان قوة الدولة وهيبتها. كما يؤكد ذلك الامام الشيرازي في قوله: (من المعلوم إنّ الشورى ذُكرت من بين صفات المؤمنين، فكان ظاهراً في وجوبها).

مبدأ توزيع الصلاحيات

لا يمكن حصر الصلاحيات بيد شخص واحد، هذا يقتل الرأي الآخر، ويضعف الدولة، من المزايا الاساسية التي يتحلى بها مبدأ الشورى، انه لا ينحصر في مجال معين دون غيره، ولا يختص بفئة دون اخرى، لأنه منهج حياة شامل يخص جميع مناحي الحياة، ولا يبقى حصرا على مجال معين من مجالات الحياة التي لا تحصى، كما انه منهج حياة ينبغي أن يتمسك به جميع افراد ومكونات المجتمع، وإنطلاقا من هذا التصور يقول الامام الشيرازي، حول هذا الجانب بكتابه نفسه: (إنّ الشورى مبدأ إسلامي عام لا يختصّ فقط في المجال السياسي بل حتى في الحياة الاسرية والاجتماعية).

اذاً من الخطأ أن نقتصر الاستفادة من الشورى في تنظيم الحياة السياسية فحسب، انما ينبغي الاستعانة بها، في تنظيم حياتنا على نحو شامل، يبدأ من المحيط الاصغر وتنظيم شؤونه مؤسسة الاسرة، صعودا الى المؤسسات الاكبر، والاكثر عدادا وتعقيدا في العلاقات الانتاجية وسواها، وهكذا نتفق على ان الشورى لا يصح اقتصارها وحصرها في الجانب السياسي، اذا اراد المعنيون توظيفها بالشكل الصحيح لخدمة المجتمع، ولكن من حيث المظهر العام تبدو الشورى وكأنها معنية بأمرين بالدرجة الاولى، الاول تنظيم العلاقة بين الحاكم، والثاني تنظيم العلاقات المتعددة بين المسلمين انفسهم من اجل تسهيل المشكلات التي تواجههم في شتى المجالات.

لذا يؤكد الامام الشيرازي على: (أنّ للشورى مجالان، الأول: مشورة الحاكم المسلم للمسلمين في الأمور المتعلقة بهم، والثاني: مشورة المسلمين فيما بينهم على إدارة شؤونهم، فهي دعوة الطرفين إلى الشورى، طرف الحاكم وطرف الرعية).

وهنالك فوائد لا تحصى للمنهج التعددي كنظام سياسي، وحتى نظام حياتي شامل، حيث يكون هناك دور للجميع في ظل هذا المنهج ولا يمكن تهميش احد او اقصائه، لذلك من المزايا المهمة لمبدأ الشورى كما يرى الامام الشيرازي في متن كتابه هذا، انه ينظم العلاقة بين الاقلية والاكثرية بصورة دقيقة، حيث يتم حفظ حقوق الاقلية والاكثرية في آن واحد، ولابد من الاستشارة في الشؤون المتعدد للمجتمع، اذ لا يمكن أن يتفرد شخص واحد بمقدرات الجماعة، فهذا منهج ترفضه الشورى والتعددية لوجود عيوب هائلة فيه، ومن الأفضل للمسلمين أن يحققوا نظاما شاملا يقوم على الاستشارة أي تدخل الاستشارة في جميع مجالات الحياة.

حماية حقوق الأقليات

وكما يقول الامام الشيرازي: (إذا طبِّقت الاستشارة في كل هذه الشؤون، من القرية إلى المدينة، ومن اتحاد الطلبة إلى اكبر إدارة للشؤون الاجتماعية، تظهر الكفاءات، وتتقدم عجلة الحياة إلى الأمام بسرعة كبيرة)، ومن الامور التي يعترف بها القانون والدستور أهمية رأي الأغلبية، مع الحفاظ على حقوق الاقليات، ولعل الميزة المهمة والواضحة في تطبيق مبدأ الشورى، انه يميل الى رأي الاكثرية، ويحفظ حقوق الاقلية في الوقت نفسه، فليس هناك مجاملات على حساب الحق، وليس هناك مراعاة مجانية لا ترتكز على الحق، ومبدأ الشورى كفيل بحماية حق الاقلية، لكن الاكثرية هي صاحبة الرأي المقبول دائما، ولن يسوء هذا المنهج للاقلية، خاصة عندما تجد الشورى معها حينما تصبح اكثرية، أي يحدث هنا تبادل للادوار، والتنقل من الاقلية الى الاكثرية وبالعكس، وهذا هو جوهر العمل الاستشاري الذي تنتظم في ظله جميع العلاقات المتبادلة بين الطرفين ونعني بهما الأكثرية والاقلية، لذلك لاتشعر الاقلية بالغبن طالما كانت حقوقها مصانة.

لذلك يرى الامام الشيرازي: (إن الأَخذ برأي الأقلية يعد جرحاً لرأي الأكثرية، وذلك ممّا لا يليق عقلاً ولا شرعاً؛ أمّا عقلاً فواضح، وأمّا شرعاً فلما نجده في مسألة أكثرية شاهد طرف من شاهد طرف آخر، كما في كتاب القضاء، فلو كان النزاع في دارٍ، أو مائة درهم أو ما أشبه ذلك، يؤخذ بالأكثرية شهوداً، فهل لا يدل ذلك على تقديم الأكثرية في الأمور المهمة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعسكرية ونحوها؟). في هذه الحالة تدخل الشورى كمنهج ذي مزايا راقية في البناء المجتمعي، لتجعل المعايير المنظمة لحياة المجتمع واضحة ومنضبطة، ومقبولة من لدن الجميع، خاصة الاقلية التي ستشعر مع مبدأ الشورى بالامان والاستقرار واطمئنان، بأن حقوقها مصانة وغير قابلة للتهديد او التجاوز.

من هنا يقول الإمام الشيرازي: (من الواضح إنّ الأقلية غير المأخوذ برأيهم في هذه القضية لا ينزعجون بعد أن رأوا تقديم رأيهم إذا صاروا أكثرية في قضية أخرى. كما يلاحظ ذلك فـي مجالس الشورى، واتحاد الطلبة، ومجالس الوزراء، وغير ذلك في العالم الحاضر). وهكذا يكمن الخلاص في المنهج الاستشاري والنظام التعددي، لذا مطلوب ترسيخ منهج الاستشارة، والتركيز على التعددية وعدم التنازل عنها كمنهج دائم يدهم كيان الدولة ويعزز السلم الأعلي وينشر قيم العدالة والمساواة والتعايش والتكافل، وعي قيم تزهر بقوة في ظل الحريات وليس القمع.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0