شبكة النبأ: على الرغم من اختلاف الازمان واختلاف الحكام واختلاف الظروف الموضوعية التي تعيشها المجتمعات فان التاريخ يعيد نفسه في احيان كثيرة، او ان المثل القائل (ما اشبه الليلة بالبارحة) يجد تطبيقا وحضورا له في واقع تلك المجتمعات.

كثيرا ما اتفقت المقولتان على استحضار الجانب السلبي من الواقع، وهي كذلك في الحقيقة، فكثيرا ما يتجاهل التاريخ استحضار الايجابي في الحاضر، وكثيرا ما ابتعدت الليلة عن التشابه بالبارحة في الامن والهدوء والاستقرار.

هذا الاستحضار يكشف في جانب منه عن ان الشعوب والحكام لا يتعظون من التاريخ وتجاربه المؤلمة، وانهم يعيدون نفس الاخطاء التي ارتكبها السابقون من الجهتين.

فالشعوب لا زالت تؤله حكامها وطغاتها وتسير خلفهم الى محرقة الاطماع والاهواء والنزوات وتصفق لهم كذلك، والحكام يتعاملون مع شعوبهم كعبيد لايريدون منهم غير الطاعة العمياء والانقياد الأخرق، تحت سطوة القوانين والتشريعات غير الانسانية، والتي تستبيح حقوقهم كافراد وتجعلهم رعايا وتابعين لحكامهم وليس مواطنين في بلدانهم.

المجتمعات العربية والمسلمة، الحكام الذين تناوبوا على حكم تلك المجتمعات، بداية من الامويين ومرورا بالعباسيين والعثمانيين، ثم موجات الغزو الاخرى من جنكيزخان وهولاكو، وصولا الى الدول الوطنية وحكامها بعد الاستقلال من الاستعمار الانكليزي او الفرنسي، هذه المجتمعات واولئك الحكام وخلال هذه العقود الطويلة تسقط الماضي بماسيه على حاضرها وتعيد انتاج تلك الماسي وعبر انظمة حكم لا تستمد قوتها الا من نفس القوى الاستعمارية، ولا تاتي شرعيتها الهشة، ان كان ثمة شرعية لها، الا عن طريق الاستبداد والتفرد في الحكم.

من تلك الماسي التي يعيد التاريخ كتابتها واستحضارها مرة بعد اخرى، وتتشابه فيها الليلة مع اكثر من بارحة، هي ماساة التهجير، تهجير المواطنين من اماكن سكناهم ومواطن استقراراهم، لا فرق بين تهجير الى خارج حدود الاوطان، او تهجير داخل تلك الحدود، فالماساة واحدة وهي باكثر من وجه من اي جهة نظرت اليها.

بعد العام 2003 وتغير نظام الحكم في العراق، اعتقد العراقيون انهم قد طووا صفحات كبيرة من الظلم والاستبداد، وان المستقبل امامهم يحمل الكثير من الوعود، الا ان ماحدث خلال تلك الاعوام السابقة، جعلهم يرددون بينهم وانفسهم بان (التاريخ يعيد نفسه) و(ما اشبه الليلة بالبارحة) وهم يعيشون تجربة التهجير والنزوح داخل وطنهم او خارجه، نتيجة لما افرزته سياسات الاحتلال الامريكي او ما قادت اليه سياسات المتصارعين على السلطة، او بسبب ما تقوم به مجموعات ارهابية مسلحة قادمة من خلف الحدود، لتنهش في هذا الجسد، جسد العراق وشعبه.

الامام محمد الحسيني الشيرازي (قدس سره) ومن خلال محاضرات عديدة سبقت العام 2003 تحدث فيها عن تجربة ماساوية عاشها قسم كبير من العراقيين الشيعة في ثمانينات القرن المنصرم، وهي ماساة التهجير، جمعت في كتاب حمل عنوان (التهجير جناية العصر)، وان كان الحديث في تلك المحاضرات والكتاب لاحقا قد تناولت ماساة التهجير من خلال دور نظام الحكم البعثي فيه، الا ان الكثير من الاسباب لازالت قائمة رغم اختلاف الازمان والاوضاع.

في وصفه لتركيبة النظام البعثي، وحين تقرأه تجده يتشابه مع المنتمين الى تنظيم الدولة الاسلامية المعروفة اختصارا بتسمية (داعش) فقد (جمع أزلام هذا النظام جميع الصفات الإجرامية والأساليب اللاأخلاقية المتمثلة بالسفاحين، وحينما صهر المجرمون في بوتقة واحدة تولد عن هذا الخليط أبشع وأرذل وأخبث نظام عرفه العالم ألا وهو نظام عصابة البعث العراقي الحاكمة). فتلك الجماعات الارهابية يصدق عليها صفات (الابشع والارذل والاخبث، وهم مجرمون وسفاحون).

اذا كان النظام السابق في العراق قد (استغل لفظة (التبعية) واتهم العديد من العراقيين بذلك للقيام بعمليات التهجير الواسعة؛ وذلك لتغيير البنية السكانية والمذهبية للشعب العراقي، ولخلق نوع من الإرهاب والظلم الجماعي، بتشتيت وتفريق العوائل المتدينة والملتزمة بالإسلام، بإلصاق التهم والافتراءات الكاذبة عليهم والبعيدة عن الواقع؛ ليجد التبريرات الواهية التي تمكّنه من سلب أموالهم وتعذيبهم، ومن ثم تهجيرهم بكل قسوة ووحشية)، فان مايحدث في الوقت الحاضر هو استبدال كلمة (التبعية) بكلمة (الرافضة) لتهجير الشيعة من مناطقهم التي احتلتها تلك الجماعات، او قتلهم وابادة مناطق كاملة منهم.

واذا كان النظام السابق قد وجه غضبه وحقده على الشيعة والاكراد، فان تلك الجماعات ضمت اليهم المسيحيين والايزيديين، تحت مزاعم وتبريرات واهية لايقبل بها الاسلام كدين للرحمة والسلام.

يذكر الامام الراحل عددا من الاساليب التي اتبعها نظام الحكم البعثي السابق في تهجير الاف العوائل الشيعية الى خارج العراق باتجاه ايران، من هذه الاساليب:

أولاً: مداهمة بيوت المهجّرين في هدأة الليل، وبصورة همجية، مستعينين برجال الأمن المدججين بالسلاح.

ثانياً: التحايل على المواطنين لاستدراجهم وتهجيرهم بحجة استجوابهم لمدة عشر دقائق فقط.

ثالثاً: تهجير أعداد كبيرة من المواطنين وهم بملابس النوم.

رابعاً: محاربة المهجرين بطرق الحرب النفسية والإرهاب والتخويف وقذفهم بألفاظ قذرة نابعة من الانحطاط الخلقي لعملاء النظام العراقي الحاكم.

خامساً: حجز الفتيات المسلمات من أبناء شعبنا العراقي في دائرة الأمن الإجرامية، والاعتداء عليهن بعد تهجير عوائلهن.

سادساً: إنزال المهجرين على مسافات بعيدة عن الحدود الإيرانية، وهم حفاة وفي أراضٍ جبلية وعرة جداً، وفي ظروف جوية رديئة، ولم يسلم من حقدهم حتى الطاعنون في السن والأطفال والمرضى.

سابعاً: مصادرة كافة الأموال المنقولة وغير المنقولة للمهجرين ووضعها تحت تصرف أزلام السلطة.

ثامناً: فصل الشباب الذين تتجاوز أعمارهم الثامنة عشرة عن عوائلهم المهجرة، وحجزهم في معتقلات الأمن الإرهابية، والتجنيد الإجباري لبعضهم، ومن يعارض ذلك يخضع للتعذيب الرهيب وقاموا بإعدام الكثير منهم.

تاسعاً: وضع الألغام في طريق المهجرين، بحيث راح ضحية ذلك العديد من الأبرياء.

ويرى الامام الراحل ان التهجير (أسلوب استخدمه طغاة العراق لإرهاب الناس ونشر سيطرتهم على البلاد ونهب ثروات العراق).

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0