تعتبر موضوعة مناقشة الأفكار من المواضيع الهامة في حياة المجتمع، خصوصا تلك الأفكار التي تساعد على تلافي الكثير من المشاكل والأخطاء وحل القضايا وتعطي البصيرة والرؤية السليمة التي تصلح حياة وتطور المجتمع ومنها مجتمعنا الإسلامي وبالتحديد المجتمع العراقي.

فالأفكار عادة تكون ذات حلول منطقية وعلمية مبنية على أسس رصينة كونها تنهل من عدد من المصادر أهمها: تجربة حكم إداري أو قيادي سابق أو تحصيل علمي لشخص أو جماعة ما، والحاجة الى مناقشة الأفكار والأخذ بما هو صالح ونافع منها أصبحت حاجة ضرورية وماسة، خصوصا ونحن نعيش في عصر أصبح فيه الرئيس أو المدير كثيرا ما يتجاهل الرأي والرأي الأخر، ويعمل على تسفيه صاحب الرأي والمشورة. ولهذا حظى موضوع مناقشة الأفكار والأخذ بها في بناء المجتمع علميا وثقافيا وأدبيا وغيرها من الجوانب اهمية قصوى عند الشخصيات والمرجعيات الدينية الإسلامية ومنها المرجع الراحل المجدد الثاني الامام السيد محمد الحسيني الشيرازي.

فقد أعطى الشيرازي الراحل أهمية كبيرة لموضوعة مناقشة الأفكار وتبادلها وتلاقيها بين كافة فئات المجتمع الإنساني وخصوصا المجتمع الإسلامي. فهو يذكر في كتابة فقه السلم والسلام عن مناقشة الأفكار" ناقشوا أفكاركم واستمعوا إليها ولا ترفضوها قبل التمحيص والدراسة لها " ويستشهد بقوله تعالى "الّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَـتّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَـَئِكَ الّذِينَ هَدَاهُمُ اللّهُ وَأُوْلَـَئِكَ هُمْ أُوْلُو الألْبَابِ(86)"، ويذكر أيضا في كتابه ان الجماعة قد يصيبها الفشل نتيجة عناد المسؤول، ورفضه الاستماع إلى آراء الآخرين، وهي معرضة للوقوع في سلسلة الروتين والانكماش في العمل.

ويذكر المسؤول هنا ويركز على ضرورة استماعه للأفكار والآراء وعن احترام الرأي الآخر يقول: وافقوا خصومكم على آرائهم بقناعة، واحترموا الرأي الآخر، وإياكم وتسفيهه، فإنه باحترامكم لآرائهم سيبادلونكم الاحترام والاهتمام، ويروي هنا حديث عن الإمام السجاد (عليه السلام) في تعداد الحقوق: «وأما حق خصمك الذي تدَّعي عليه فإن كنت محقاً في دعواك أجملت مقاولته ولم تجحد حقه، وإن كنت مبطلاً في دعواك اتقيت الله عزَّ وجلَّ وتبت إليه وتركت الدعوى.

وعن تبادل الأفكار والآراء بين إفراد المجتمع يقول المجدد الثاني الشيرازي: أظهروا هدف أعمالكم باجتماعات وتعليمات واتصال شخصي، وحددوا مسؤولية كل فرد فيه، حتى لا يشعر مساعدوكم بأنهم مجرد آلات، فيفقدوا اهتمامهم وحماسهم.

وعن المسؤول الناجح يقول السيد الشيرازي: المسؤول الناجح يحاول أن يفهم فكرة رؤسائه، فيراعي آراءهم الشخصية أثناء تنفيذ أوامرهم الخاصة بالنفع العام، والخروج عن هذه القاعدة مخالفة تسبب فوضى تزداد بازدياد أهمية المخالف.

من خلال ما تقدم من رؤية السيد الشيرازي للأفكار وأهميتها نجد اليوم في العالم الإسلامي وبالتحديد العراق الأفكار تعاني من أزمة حقيقية في تبني صالحها ونافعها ومن المؤكد أن ذلك أدى بنا إلى كثير من المآسي والآلام والأزمات في عدم القدرة على بناء منظومة مجتمعية وإدارية وقيادية ناجحة على مستوى البلد بصورة عامة. فمفهوم الأفكار ينطلق من ان فردا أو جماعة ما عندما يطرحون فكرة ما فإنّما يطرحونها إمّا لتبني رأيهم من قبل الآخرين خاصة المشتركين والمقربين منهم، واما أنهم يودون التوجيه والإرشاد حول أمر ما لعلهم يجدون من يقنعونهم أو يبينون لهم أوجهاً لا يعلموها، وخاصة الفئة القائدة والمثقفة والمتطلعة الى أن تتعلم وتصحح أولا بأول خاصة مع هذا الكم الهائل من التشابك من المصالح والأهداف في المجتمع لتحقيق السعادة والراحة في الدنيا والآخرة وتحفظ للإنسان كرامته وحقوقه.

اذن للأفكار ومناقشتها عدد من المحطات تمر من خلالها لتصل للمجتمع نتائجها المرجوة منها:

1- حجم وموقع صاحب الفكرة ووزنه الاجتماعي والسياسي والاقتصادي.

عادة وليس دائما تكون الأفكار وليدة فرد أو جماعة ليس له او لها وزن يذكر وليست مألوفة في دائرة الضوء أي أن اصحابها جعلت ظروف اجتماعية أو اقتصادية منهم منجما سليما للأفكار والآراء الصالحة.

2- المسؤول الإداري والقيادي ومدى تقبله للأفكار ومناقشتها.

تعاني المجتمعات اليوم وخاصة المجتمعات الإسلامية ومنها العراق من ابتعاد المتصدين للمواقع الإدارية والقيادية التي تحدد مسيرة البلاد والعباد وتطورهما من عدم تقبل الأفكار البناءة والرأي والرأي الأخر، وفي العراق تطرح الكثير من الأفكار والآراء التي تعالج الكثير من المشاكل السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية لكن في المقابل لا توجد استجابة من القائمين على ادارة البلد لهذه الأفكار وما يناقش منها لا يخرج عن دائرة المجاملات، لذلك يعاني البلد اليوم من نخب سياسية وإدارية متقوقعة في أفكارها وتطبق ما يدور في ذهنها وما تمليه عليها مصالحها الشخصية والحزبية والفئوية وليس مصلحة البلد بصورة عامة؛ لذلك الكثير من الأفكار والآراء والأطروحات البناءة التي تطرح من أفراد أو جماعات أو مؤسسات أو مراكز بحثية لم تجد طريقها الى القبول داخل البلد ووضعها موضع التنفيذ.

3- ثقافة المجتمع ومدى تقبله للأفكار والآراء البناءة.

ثقافة المجتمع لها علاقة بالأفكار ومدى تقبلها والأخذ بها، فهي قد تكون تجديدية أو تعضيدية لعادات وتقاليد سائدة في المجتمع تقّوم ما هو صالح ونافع منها، وفي نفس الوقت تزيل ما هو غير صالح ونافع، وأكثر ما يحتاجه المجتمع في حياته اليوم هو تلك الأفكار التي تدور في تطوير ذاته وفي التعامل مع الآخرين وكيفية الاستفادة منهم، وتلك التي تخلق القاعدة الرصينة في تلبية حاجاته الدنيوية المتعددة، وفي المجتمع الإسلامي تدخل الأفكار في بابين هما: باب العبادات، وباب المعاملات. باب العبادات الأفكار فيه ومناقشتها الرأي والرأي الأخر منوطة بالمؤسسة الدينية وبالتالي تحتاج إلى تحصيل فقهي وعقائدي وهي مسألة خطيرة تكون عندما يتطرق لها الجميع ويبت ويتناقش فيها، أما باب المعاملات اليومية للمجتمع فالرأي والرأي الآخر فيها مكفول للجميع.

4- الإطار الإداري والقانوني الذي توضع فيه الأفكار والآراء بعد مناقشتها.

الفائدة المرجوة من أي فكرة تكون عندما تتأطر بإطار دستوري وقانوني وتكون ملزمة للجميع كونها عصارة الفكر للمفكرين والمثقفين وأصحاب الرأي والاستشارة، فالإطار القانوني والإداري يمثل خطة عمل ناجحة لمؤسسة ادارية أو سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية في دولة ما.

وفي النهاية يمكن القول إن المجتمعات الإسلامي بدولها المتعددة وخاصة في العراق تعاني من هوة تتسع يوما بعد أخر بين الأفكار والآراء والمبادرات البناءة لبناء وتطوير المجتمع والنهوض بواقعه المزري الذي يعاني منه منذ عقود وبين النخب القيادية والإدارية الماسكة بزمام المبادرة في هذه البلدان، فبعد كل الذي حصل ويحصل من تخبط في الإدارة والقيادة في هذه المجتمعات تبرز الأهمية القصوى لتجسير العلاقة بين الأفكار والأخذ بها وتبنيها من قبل تلك القيادات لمصلحة البلاد والعباد.

* باحث مشارك في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية
www.fcdrs.com

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0