بناء الحضارة.. مهمة الشعب والعلماء

رؤى من أفكار الإمام الشيرازي

وضع العلماء والفلاسفة أكثر من تعريف للحضارة، ولكن في كلها تلتقي في النتيجة الى هدف واحد، هو تطوير رؤية الانسان فكرا وسلوكا، فمنهم من يرى أن الحضارة نظام اجتماعي يعين الإنسان على زيادة إنتاجه الثقافي، وقد قسم هؤلاء الحضارة الى عناصر أربعة تتكون من الموارد الاقتصادية، والنظم السياسية، والتقاليد الخلقية، ومتابعة العلوم والفنون، وتبدأ الحضارة حيث يسود الأمان بأنواعه كافة، وينتهي الاضطراب والقلق، لأنه إذا ما أمِنَ الإنسان من الخوف، تحررت في نفسه دوافع التطلع وعوامل الإبداع والإنشاء، وبعدئذ لا تنفك الحوافز الطبيعية تستنهضه للمضي في طريقه إلى فهم الحياة وازدهارها.

ويرى الفلاسفة والعلماء أيضا، أن الحضارة ترتكز على البحث العلمي والفني التشكيلي، فالجانب العلمي يتمثل في ابتكارات التكنولوجيا وعلم الاجتماع، أما الجانب الفني فهو يتمثل في الفنون المعمارية والمنحوتات وبعض الفنون التي تُسهم في ارتقاء الانسان، والحضارة في اللغة العربية كلمة مشتقة من الفعل حضر، ويقال الحضارة هي تشييد القرى والأرياف والمنازل المسكونة، فهي خلاف البدو والبداوة والبادية، وتعتبر لفظة حضارة مثيرة للجدل وقابلة للتأويل، واستخدامها يستحضر قيما سلبية، أو ايجابية كالتفوق والإنسانية والرفعة.

بعضهم ينفي دور الشعب في بناء الحضارة ويعيد ذلك الى نخبة محددة، مع اجراءات فوقية تسعى لتحقيق البناء بدافع السلطة والجاه وما شابه، في حين أن الصحيح أن الانسان فردا، والشعب عموما، هو الذي يبادر لبناء الحضارة اذا ما توافرت الظروف المناسبة والمساعدة له، كما أثبتت حقب التاريخ الماضية.

ولعل أبلغ وصف لدور الشعب في تشييد الحضارة نجده في قول مسبوك واقعي واضح، ينتمي الى (خير الكلام ما قلّ ودل)، حيث وصف الامام الراحل، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله) دور الشعب في البناء الحضاري، بهذه الجملة المركّزة، عندما قال سماحته في كتابه القيّم، الموسوم بـ (تحطم الحكومات الاسلامية بمحاربة العلماء):

(إن باني الحضارة هو الشعب الحر).

وهذا القول المختصر والمركّز والواضح يحيلنا الى نقطتين:

الأولى: أن الشعوب هي مصدر الحضارة، وهي التي تبادر في إنشائها، وهذا امر محسوم كما يتضح للمعنيين من التجارب التاريخية المتكررة.

الثانية: لابد من تواجد مقوّم داعم للشعب، كي يتمكن من بناء الحضارة، هذا المقوّم او الركيزة تتمثل بالحرية، بمعنى لا وجود للحضارة ولا إمكانية لبنائها من دون تواجد ركيزة الحرية.

لذلك نقرأ في كتاب الامام الشيرازي نفسه قوله: إن (الحضارة تتولد من الشعوب، ولا يتمكن الشعب من إيجاد الحضارة، إلاّ إذا أطاعَ الحكامُ العلماءَ، وأعطوا للشعب كامل الحرية).

مخاطر سلب حرية الشعب

هناك ظروف ومقومات يحتاجها الشعب حتى يتمكن من تحقيق البناء السليم، وقد تبيّن من خلال التجربة أن الأنظمة المستبدة، لا تسمح لشعوبها في أداء هذا الدور، لأن الاستبداد والحضارة في حالة تناقض دائمة، وعلى الرغم من أن الأنظمة السياسية التي تحكم المسلمين، تفهم تمام الفهم تناقض الاستبداد والحضارة، لكنها تصرّ على الطغيان، وتبذل المزيد من القوة والجهود والتخطيط، ليس لبناء الدولة، وإنما لسلب الحريات من الشعب.

وعندما يتم إجهاض حريات الشعب من الحكومة، فإن الأمر سوف ينسحب على مجالات الحياة كافة، وسوف يطول التراجع مجالات الحياة كافة، لذلك يقول المعنيون، ان أخطر ما يتبع التجاوز على شرط الحرية، هو عدم قدرة الشعب على المضي باتجاه الحضارة، ومع ذلك لابد أن تكون هناك حالة من الإصرار لدى الشعب نحو التقدم، إذ لا سبيل الى ذلك سوى إرادة الشعب نفسه، لأن الحكومة غير الاستشارية لا تسمح للشعب بالقيام بدوره الحضاري.

يقول الإمام الشيرازي حول هذا الجانب في الكتاب المذكور نفسه: (ليس سلب الحريات من الناس سبباً لتأخرهم الصناعي والحضاري فقط، وإنما يتأخرون عن الركب في السياسة والاجتماع والطب والاقتصاد والثقافة وغيرها من مختلف شؤون الحياة، قال تعالى: إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم).

علما أن العلماء لهم قصب السبق في عملية البناء الحضاري، لذلك غالبا ما نلاحظ متانة العلاقة بين الشعوب الحيّة وبين العلماء، وكلما كانت هذه العلاقة على درجة عالية من الانسجام والقوة، كلما كان الشعب أكثر قدرة على بناء الحضارة، ولكن دائما هناك عقبة كأداء تتمثل بوجود النظام السياسي المستبد، إذ لديهم خوف دائم من العلماء، بسبب دورهم في النهوض بالشعب وزيادة وعيه وتحفيزه على مقارعة ظلم الحاكم الطاغية، لذلك يتحمل النظام السياسي المستبد، ما يتعرض له الشعب من تخلف، ونكوص، وتراجع عن دوره الحضاري.

من هنا نقرأ قولا للإمام في هذا المجال بالكتاب نفسه: (إذا أخذ الحكام بمخالفة العلماء ومحاربتهم وسلبوا الحريات عن الشعب، فحينئذ لم ير الشعب في الحكام مظلة للتقدم، وكان ذلك سبباً في خمود الشعب، فيتأخر الكل عن ركب الحضارة والتقدم).

القطيعة بين الشعب والحكومة

وكما نستخلص من صفحات التاريخ، والواقع الراهن أيضا، ان أهم أسباب ضعف الحضارة ، تكمن في الصراع الذي يدور بين الحكومة الفردية، والشعب الذي يتطلع نحو الأفضل، لذلك نلاحظ ان الدول والشعوب التي تتصدر الركب العالمي المتقدم، تقودها أنظمة غير قامعة، كما أن وصولها الى دفة القيادة تتم عن طريق صناديق الاقتراع، ويمكن أن نصفها بالحكومة الشرعية، لأنها تصل الى الحكم عبر الانتخابات والدستور.

أما الأنظمة التي ترى في حريات الشعب تهديدا لها، فهي أنظمة ضد الوعي وضد العلماء بصورة خاصة كونهم مصدر زيادة وعي الشعب، علما أن الصراع بين الطرفين لا يمكن أن يكون لصالح حكومة القمع، فدائما يفوز الشعب والعلماء في هذا الصراع، وإن تخللت ذلك سنوات طويلة بل عقودا من الظلم والقهر والحرمان، ولكن في نهاية المطاف، يفوز العلماء وتتم هزيمة الحكومة المستبدة شر هزيمة، كما يؤكد ذلك منطق الاحداث والتاريخ.

ولذلك تحدث قطيعة بين الشعب والحكومة، وتذهب شرائح واسعه منه الى معادة الحكومة، وتعمل كل شيء من شأنه إضعاف الحكومة، ومن هذه الأعمال التي يلجأ إليها الشعب، عدم احترام قرارات الحكومة والتهرب من الضرائب وما شابه من ردود أفعال، بسبب إهمال الحكومة لحرية الشعب ومحاربتها للعلماء.

لذا يقول الامام الشيرازي حول هذا الموضوع: (كل من ابتعد عن العلماء ابتعد الشعب عنه، وحينئذ تكون بين الشعب والحكومة محاربة، فالشعب ينسف الحكومة ولا يحترم قوانينها، فيعمل حينئذ على خلاف ما تريده الحكومة ويهرب من الضرائب ولا يعطي حتى رسوم الماء والكهرباء والمواصلات).

أما في الغرب فإن الأمر مختلف، حيث يكون هناك حالة من الانسجام بين الشعب والحكومة، لأنها وصلت الى السلطة عبر الانتخابات السليمة، لذلك فهي حكومة شرعية، وصلت بالتداول السلمي للسلطة، وليس بالانقلابات العسكرية او الانتخابات الشكلية، من هنا ليست هناك حالة من الصراع بين الشعب والحكومة في الغرب، لذلك تصدرت هذه الشعوب البناء الحضاري العالمي.

إذ يؤكد الامام الشيرازي هذا الانسجام في الغرب، كما في قوله: (نشاهد الشعب في الغرب يعمل ـ عادة ـ وفق الحكومة، والحكومة تعمل وفق الشعب وتراعي مصالحه فلا محاربة بينهما).

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0