(المراد بالسياسة، السياسة الإنسانية، وليس بمعنى المراوغة والكذب والاحتيال)

الإمام الشيرازي

كثرت التفاسير التي تحاول تبسيط السياسة وتوضيحها، فمنها ما يرى بالسياسة صائبة مفيدة للبشرية، ومنها نقيض ذلك، فالمعروف عن مبادئ ميكافيلي السياسية أنها تقوم على تبرير لا إنساني لأهمية الغاية، حيث يوجد من يؤمن بمضمون (الغاية تبرّر الوسيلة)، وهو يعنى الوصول إلى الغاية بغض النظر عن مشروعية الوسيلة.

لكن هناك تفسيرات أخرى للسياسة في نظر الفلاسفة والمفكرين الصالحين، فهي فن إدارة الدولة والشعب بعدالة وأخلاق واستقامة، وهناك من يفسر السياسة على أنها صراع وخداع.

أما الوعي السياسي فهو مفهوم يجب أن يعرفه الجميع بالنظر لارتباطه بحياة الناس، فـ الوعي السياسي هو الفهم العام للمناخ السياسي وما يحركه من تجاذبات ومخطّطات من الفاعلين السياسيين داخل البلد أو حتى خارجه، نظرا للترابط العالمي للأحداث، ويتعلق مفهوم الوعي السياسي بالأفراد والمنظمات والمجتمعات على حدّ سواء، وإنشاء الوعي السياسي يعني تكوين ضرب من ضروب التفكير الواعي بالراهن السياسي، والحراك المطلبي في النطاق المحلي أو الإقليمي أو الدولي.

كما أن الوعي يشير عادةً إلى فكرة المرء الذي يتمتع بوعي ذاتي. وهي خاصية يتميز بها الإنسان عن غيره من الكائنات. ويظل ذلك الاستخدام الأصلي الأكثر شيوعًا لهذا المصطلح. لكن ظهر خط آخر من البحث السياسي والفلسفي الذي يتناول الوعي من حيث الحالة الذهنية السياسية للمرء. وفي القرن العشرين، طوَّر العديد من المفكرين هذا الاستخدام للوعي، بحسب الأفكار التي يؤمن بها ويتبناها.

يؤثر الوعي السياسي في طريقة تفكير الناس، وبالتالي ينعكس على مواقفهم، لاسيما في التعاطي مع القرارات السياسية التي تتعلق بحياتهم، فمن يكون واعيا سياسيا يصعب على الحاكم أن يتلاعب به، أو يسيء له، فيبدي المقاومة الصحيحة ويرفض الخداع السياسي، بسبب وعيه وفهمه المسبق لطبيعة سياسة الحكومة إذا كانت مناهضة لشعبها، وفي الغالب يتبع الناس حكامهم، بسبب التأثير السياسي عليهم.

الإمام الراحل، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله) يقول في كتابه القيّم الموسوم بـ (كل فرد حركة وفلسفة التأخّر):

(كما هو معلوم "الناس على دين ملوكهم"، و "إذا تغيّر السلطان تغيّر الزمان"، وهذا يرجع إلى أن السياسة هي الموجهة لشؤون الحياة، وقد رأينا ذلك في العراق، حيث كانت الحكومات ديموقراطية، وشيوعية، وبعثية، وقومية، فكان الناس ـ إلاّ من حفظهم الله سبحانه ـ مع من غَلب).

حصيلة الوعي السياسي

تتضح خطورة الوعي السياسي والمحصلة الناتجة عنه، في ما حدث للمسلمين، عندما ضعف لديهم الحس السياسي، وقد انعكس هذا الضعف على كل شيء، فحين أصبح الناس ضعفاء في وعيهم السياسي، انعكس ذلك على المجالات الأخرى السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية والدنيوية، بمعنى أن كل شيء ضعف عند المسلمين عندما قلّ وعيهم السياسي، لأن الاقتصاد مثلا يرتبط ارتباطا وثيقا بالسياسة.

كذلك ينعكس ضعف الوعي السياسي على الاقتصاد، لأن القرارات الاقتصادية كلها تصدر بقرار سياسي، من خلال صنّاع القرار، وإذا كان صانع القرار غير واع سياسيا، وإذا كان الشعب متراخيا في هذا الجانب، ويترك قادته يفعلون ويقررون ما يشاؤون، فإن حياتهم سوف تمتلئ بالأزمات والمشكلات المعقدة.

لهذا حين يكون الوعي السياسي قويا، فإن النتيجة ستكون في صالح الشعب والحكومة معا، لأن صنع القرار يتم عبر المؤسسات الرسمية، لكن أساسه ينطلق من الوعي السياسي لأفراد ومكونات المجتمع، وبالنتيجة سوف يؤدي الوعي السياسي إلى محصلة جيدة تصب في صالح الدولة والحكومة والمجتمع، وهذه المحصلة الجيدة واضحة المعالم في الدول ذات الشعوب الواعية سياسيا، وهو أمر نراه أمام أعيننا في الواقع السياسي.

ولهذا يقول الإمام الشيرازي:

(حين ضَعُف الحسّ السياسي عند المسلمين، ضعف فيهم كل شيء، في الاقتصاد والاجتماع، والدين والدنيا، وفي التربية والعائلة، والأخلاق والآداب وغيرها).

بعد معرفة أهمية الوعي السياسي عند الفرد والمجتمع، ومحصلته التي تنعكس على حياة الجميع، فإن المعالجة يجب أن تبدأ بتشكيل لجان مهمتها توصيل الناس إلى هذا الهدف المهم، فلا يصح ترك المجتمع غائبا في طبقات الجهل، لا يعرف ما يدور حوله، ولا يتدخل بالضغط على قادته وكأن الأمر لا يعنيه!، لابد من تقديم الدعم اللازم للناس وإفهامهم معنى السياسة، واطلاعهم على ما يدور حولهم محليا وإقليميا وعالميا.

عندما يفهم الشعب ما هي السياسية، سوف يفهم ما يدور في العالم، وحينئذ سوف يكون قادرا على التأثير في صنع القرار من خلال القوى الضاغطة على صنّاع القرار، وبالإمكان الاعتماد على وسائل الإفهام والتوعية النوعية والحديثة، فهالك الكتب والمقالات والبحوث والمؤتمرات، وهنالك البرامج التي تختص بالنوعية السياسية، فلابد أن يكون هناك برنامج واضح لرفع المستوى الفكري والتحليلي للمجتمع لكي يكون مؤثرا وفاعلا من موقعه.

الوعي السياسي يبعد عنا شبح الانحراف

يقول الإمام الشيرازي: (ينبغي تشكيل لجان لتقوية الوعي السياسي عند الناس، وذلك من خلال تقديم الدروس السياسية لهم، وطبع ونشر الكتب السياسية الهادفة، والاستعانة بوسائل التوصيل الحديثة السمعية والبصرية، وتنظيم المؤتمرات والاجتماعات السياسية، وتشكيل المؤسسات الدستورية إلى غير ذلك).

الوعي السياسي الضاغط يجب أن يكون ذا أساس فكري منسجم ومتوازن وقائم على القيم الجيدة، فالسياسة أحيانا تعني الغش والخداع، وبعضهم ينظر إلى نتائجها دون أن تعنيه وسائلها من حيث المشروعية، وزج أساليب الخداع والمراوغة فيها، وهذا ما يرفضه الإسلام في السياسة التي يجب أن تكون قائمة على الأخلاق والقيم.

لذلك فإن الوعي السياسي يجنب صناع القرار الوقوع في هذا الخلل الخطير، ونعني به السياسة الميكافيلية المخادِعة، حين يكون الفرد والمجتمع والحاكم واعيا لأهدافه السياسية، فإنه لن يكون فريسة لخداع السياسة ولا يسقط في حبائلها.

يقول الإمام الشيرازي حول هذه النقطة:

إن (المراد بالسياسة، هي الإسلامية الإنسانية وليس السياسة بمعنى المراوغة والكذب والاحتيال، مما يسمى في الاصطلاح الغربي بـ (المكيافيلي)، وإلاّ فمثل هذه السياسة، ليست إلاّ شيطنة، تؤدي إلى تأخير وإفساد الأمة، وقد سأل أمير المؤمنين (عليه السلام) الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) قائلا: ما الحيلة؟ قال: في ترك الحيلة)، يريدان بذلك تعليم البشرية طريق الرشاد والنجاة).

من المعروف أن عالم اليوم كله مرتبط بالسياسية، وأن تفاصيل حياة البشرية كلها تتعلق بالسياسة وكواليسها، لذلك ينبغي عدم السماح بالانحراف في القرارات والعلاقات السياسية، على الصعيد الداخلي أو الخارجي، وهذا يعني أن انحراف السياسة يؤدي إلى انحراف الاقتصاد والتعليم والتجارة، وكل المجالات الأخرى.

بكلمة أخرى إن انحراف السياسة يعني انحراف الحياة، وانحراف الناس، وانحراف الدولة، إلى هذه الدرجة من الخطورة يقودنا انحراف السياسة، لهذا يجب التركيز على حصيلة الوعي السياسي، وأهمية فهم السياسة الصحيحة، فالجميع وأولهم صانع القرار السياسي يقع عليهم حماية سياسة الدولة من الانحراف حتى لا تنحرف حياة الدولة بأسرها.

هذا ما يؤكده الإمام الشيرازي في قوله: (إن ّ كل شيء ــ إلاّ النادر النادر ــ مبني على السياسة، ولذا فانحرافها يؤدي إلى انحراف كلّ شيء، إلاّ بالنسبة لمن حفظهم الله تعالى).

إذًا حصيلة الوعي السياسي تجنب المجتمع من ظواهر التخلف والانحراف، فإذا وعى الشعب والحكومة ما تعنيه السياسة، وما يجب أن تكون عليه القرارات والعلاقات السياسية، فإننا سوف نكون في مأمن من الانزلاق في الانحراف الذي يسمّم حياة الجميع، عبر إفساد المجالات الأخرى بالانحراف السياسية، الوعي السياسي الجيد يحمي الفرد والدولة والحكومة والمجتمع من الانحراف.

اضف تعليق