مضى 14 عاما على رحيل الإمام، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله)، ولا تزال أفكاره تتفاعل مع ما يستجد في الواقع العالمي والإسلامي والعربي، في المجالات السياسية والفكرية عموما، فقد ترك سماحته مئات المؤلَّفات والكتب وراءه، ولم يترك مجالا يتعلق بالوجود والحياة والإنسان إلا وتطرق إليه، وبحث وفصّل فيه.

ومما يميز أفكار الإمام الراحل، أنه يطرح الإشكالية الفكرية او السياسية او التربوية بوضوح، ولا يتوقف عند هذا الحد، بل كانت أفكاره والنقد او الرصد الذي يقدمه في هذا المجال او ذاك، يقترن بالحلول والبدائل المقترَحة، وهذا دليل على حيوية فكر الإمام الشيرازي وأهميته.

ومما تميزت به أفكار الإمام الشيرازي، تلك الأبعاد الثقافية المهمة التي تستعرض السبل المؤدية الى وعي إسلامي جمعي، يتمكن من خلاله المسلمون على اقتحام مضامير الحياة، ومواكبة ما يحدث في العالم، والوقوف في الصف المتقدم، إذا ما تنبّه المسلمون لهذه الأفكار والرؤى الثقافية وتفاعلوا معها وأخذوا بها، نظرا لاحتوائها على رؤى ثقافية تصب في مضاعفة الوعي الجمعي، وتزيد من حنكة وذكاء المسلمين في التعامل مع المصاعب والإشكالات التي يواجهونها في هذا المجال أو ذاك.

ومن أهم الرؤى التي قدمها الإمام الشيرازي، أنه أعطى للثقافة أهمية خاصة تفوق المجالات الأخرى، وكأنه يؤكد على أن الإنسان عندما يتسلح بالثقافة الجيدة، فإنه كمن يتسلح بالقوة اللازمة لحمايته من مخاطر التخلف!، ولذلك وانطلاقا من هذه الرؤية الثاقبة، كان الإمام الشيرازي يرى في الثقافة بعدا يتفوق على جميع الأبعاد في توجيه مسارات الحياة.

وقد أوضح الإمام الشيرازي هذه الرؤية الثاقبة بقوله بوضوح شديد، في كتابه القيّم، الموسوم بـ (كل فرد حركة وفلسفة التأخر)، إذ أكد سماحته على أن: (الثقافة هي التي تقود حياة الإنسان).

لذلك بذل الإمام الشيرازي كل ما يمتلك من وسائل وبالجهود كافة، كي يوضّح للمسلمين دور الثقافة الحاسم في صنع الحياة وتطويرها، وهذا دليل قاطع على اهتمام الإمام الشيرازي بالأبعاد الثقافية وأهميتها في صقل حياة الأمة، وتشذيبها من العوائق الفكرية، كالتطرف والتعصب وما شابه ذلك، لدرجة أن سماحته أعطى مقود القيادة للثقافة دون غيرها من المجالات الأخرى، ما يؤكد بصورة تامة أن الثقافة هي التي تصنع أفضليات الحياة بصورة فعلية.

لذلك أكد الإمام الشيرازي على أهمية أن يستثمر الإنسان، كل ما يُتاح له من سبل ووسائل وطرائق، يتمكن من خلالها نشر الثقافة بين الناس، عندما يقول سماحته: (ينبغي الاستفادة من مثل الإذاعة والتلفزيون، والجريدة والمجلّة، والأشرطة والنشرة، والفيديو وما أشبه من الوسائل الحديثة في تطوير ثقافة المجتمع).

وبهذه الطريقة وحدها تستطيع الأمة أن تحجز مكانها في الصدارة دائما، بين الأمم المتقدمة، حيث يوجّه الامام الراحل بحتمية استثمار الفرص كافة لنشر الثقافة. عندما يقول سماحته بوضوح تام: (ما أحسن أن يستغل الإنسان جميع الوسائل المتاحة لنشر العلم والثقافة والفضيلة والتقوى).

كيف تُقاس الثقافة؟

إن تحصيل الثقافة يتم من خلال جهد مضني وكبير، يبدأ بالتخطيط السليم والدقيق لنشر الثقافة التي تساوي حاصل جمع الجهود المبذولة في هذا المجال، لذلك يتم قياس الثقافة وفق ما يتم من سعي حثيث نحو تثقيف الفرد والمجتمع، بطريقة علمية وعملية مدروسة، وينبغي أن لا يكون للعشوائية والارتجال مكان في هذا المجال.

وترسيخ الثقافة وإيجاد حواضن ملائمة لها، يستدعي استخدام جميع الوسائل المتاحة لتحقيق هذا الهدف، لذلك هناك وسائل يمكن أن تشكل معايير او مقاييس لنشر الثقافة، ومدى تأثيرها في البناء المجتمعي والسياسي أيضا، ومن هذه الوسائل الجانب السمعي والبصري للثقافة، ويُقصد بهما القراءة أو الاستماع للخطب والمحاضرات وما شابه.

لذا يقول الإمام الشيرازي حول هذا الموضوع في كتابه (فلسفة التأخّر): (من الواضح أنّ ثقافة الأمم تقاس بوسائل الثقافة السمعية والبصرية وبساعات الدراسة والمطالعة والبحوث).

وعندما نبحث في التاريخ الثقافي للمسلمين، فإننا في الحقيقة لا نجد ما يدعم نشرهم للثقافة الصحيحة عبر الحقب المتتابعة، لذلك تأخرت الثقافة كثير عند المسلمين، كما أن الواقع الثقافي لهم، يؤشر هذا الخلل بوضوح، من هنا نلاحظ تراجعا في الثقافة، ونكوصا في دورها الريادي لنقل المجتمع من حالة السبات والهجوع، الى حالات الثورة الثقافية والفكرية، التي تجعلهم من أوائل الأمم على المستوى الثقافي العالمي، على العكس مما عليه المسلمين الآن، حيث التأخر الثقافي والسياسي والحياتي عموما، يبدو جليا وواضحا بين المسلمين.

والسبب كما هو معروف، أنهم تركوا جذورهم الثقافية المستمدة من روح الإسلام، وفقدوا هويتهم، وظلوا يراوحون في المكان الخاطئ، في حين تتقدم الأمم الأخرى ثقافيا، وتتصدر قيادة العالم، وعندما نبحث عن المرتبة التي يحتلها المسلمون بين أمم العالم، فإننا سنُصاب بصدمة عندما نعرف أنهم يقبعون في ذيل قائمة الأمم أو الدول المتأخرة.

من هنا يؤكد الامام الشيرازي على: (أن الثقافة عند المسلمين تأخرت تأخراً كبيراً، فبينما كانوا هم المثقفين في الأزمنة الإسلامية، وكان غيرهم عائلاً عليهم، انعكس الأمر منذ تركوا الإسلام، فصار غيرهم هم المثقفون، أمّا المسلمون فصاروا أبعد من ذيل القافلة بمراحل).

تحريض المثقفين على التأليف

هذا الخلل في ثقافة المسلمين من حيث التطبيق، رصده الإمام الشيرازي، ونبّه المسلمين (القادة والنخب كافة)، الى أهمية معالجة هذا الخطأ الخطير، لذلك كرّس الإمام الشيرازي جهدا كبيرا للثقافة وأبعادها وتأثيرها المباشر في حياة الأمة، ودعا سماحته الى أهمية تحريض المثقفين، من اجل النهوض بدورهم الثقافي كما ينبغي.

فالمؤشرات الواقعية كلها تؤكد على أن الثقافة، لها تأثير كبير على طبيعة حياة الإنسان الفرد والمجتمع، ولعلنا لا نخطئ عندما نطرح المعادلة التالية، كلما ارتفع المستوى الثقافي للفرد والمجتمع، كل تقدمت حياتهم نحو الأفضل، لذلك كان الإمام الشيرازي سبّاقا الى التنبيه على هذه النقطة المفصلية في حياة المسلمين.

إذ نقرأ في ملاحظة سماحته حول هذا الجانب قائلا: (ينبغي أن تشكّل لجان لتحريض المثقفين على التأليف، ليرتفع مستوى الثقافة في بلاد الإسلام). وهو تأشير دقيق للمشكلة الثقافية التي يعاني منها المسلمون، وفي الوقت نفسه هناك طرح واضح للمعالجة، أي أن الإمام الشيرازي لا يكتفي برصد الخطأ الخطير، وإنما يطرح علاجه أيضا.

ومن ضمن الأبعاد الثقافية المهمة التي رصدها الإمام الشيرازي وطرح حلولها، قلّة المطالعة بالنسبة للمسلمين، فإنهم في الحقيقة متخلفون في هذا المجال عن العالم أجمع، والقارئ الأجنبي يتفوق على القارئ المسلم بكثير، وهذا يؤشر خللا خطيرا في ثقافة الفرد والمجتمع الإسلامي، بمعنى أننا كنا ولا زلنا نعاني من مشكلة عزوف المسلمين عن القراءة.

وهذا الأمر بطبيعة الحال له تأثير جوهري على مستوى الثقافة، ما ينعكس على طبيعة الحياة نفسها، وتردّي نمط العيش، وانعكاس هذا التدهور على المجالات الأخرى، كالثقافة والتعليم والاقتصاد والسياسية وما شابه، وقد أثبتت الوقائع تأخر المسلمين فعليا، بسبب تأخرهم الثقافي.

يقول الإمام الشيرازي في هذا المجال بكتابه نفسه: (لقد رأيت في تقرير، أن الياباني يطالع كل يوم - أربع ساعات- بينما يطالع الفرد المسلم في بعض بلاد الإسلام كل يوم - ثلاث ثوان- فقط، أي أن كل عشرين منهم يطالع في كل يوم دقيقة واحدة)!.

انقر لاضافة تعليق
حسين السعدي
العراق
السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله)كان رمزا فكرياوثقافيا للمسملين بمؤلفاته وافكاره الرصينة ومن ابرزها نظرية اللاعنف الاستثنائية ولا تزال افكاره وعلمه ينبض ونستثمرها في الحاضر والمستقبل تحياتي وتقدير2015-07-21

مواضيع ذات صلة

0