إسلاميات - الإمام الشيرازي

ثقافة عاشوراء في مواجهة الغزو الثقافي

رؤى من أفكار الإمام الشيرازي

(على المؤسسات الدينية الاهتمام بالشباب والنساء والعجزة والأطفال)

الإمام الشيرازي

لكي تُبنى شخصية قوية ناجحة أقرب إلى التوازن والمثالية، يتطلب الأمر تكريساً للقيم الصالحة لدى الفرد والمجتمع، لاسيما فئة الشباب التي تمثل نقطة الانطلاق نحو التقدم للأمة، ويوفر شهرا محرّم وصفر، وزيارة الأربعين، مناخا جيدا ومناسبا لإطلاق حملات تثقيفية تفتح الأبواب واسعة أمام الجميع، ومنهم الشباب لاكتساب القيم التي تشكل العمود الفقري لتطور المجتمع.

لذا ينبغي أن يتحرك كل المعنيين ببناء الشخصية السليمة للأمة، ويضعوا الخطط الصحيحة، ويوزعوا المسؤوليات كل حسب دوره ومؤهلاته، ثم تبدأ حملات منظّمة لتكريس القيم بين الجميع، وجعل الأخلاق الحميدة في صدارة اهتمام الشباب والناس جميعا، كما يجب أن تُنشَر ثقافة عاشوراء بصورة تراكمية متصاعدة، لترسيخ الإيمان والورع والتقوى في المجتمع.

الإمام الراحل آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله)، يقول في كتابه القيم الموسوم بـ (الاستفادة من عاشوراء):

(يجب الاستفادة من ثقافة عاشوراء لتركيز الإيمان والفضيلة والتقوى والمثُل الأخلاقية الرفيعة عند الشباب، وتوسعة دائرتها).

الغاية من التركيز على استثمار عاشوراء وزيارة الأربعين المليونية في نشر الوعي والثقافة، تكمن في كون هذه الأيام ومناسبة الزيارة الأربعينية تستقطب زوارا بالملايين من داخل وخارج العراق، وهناك نسبة كبيرة من هؤلاء الزوار يُنسبون إلى فئة الشباب، وحتى المراهقين، وهؤلاء يحتاجون إلى أجواء خاصة كي يستقبلوا الأفكار والقيم والثقافة القادرة على حمايتهم من الانحراف.

لذلك من المناسب جدا التحرك على هذه الفئات والشرائح في هكذا أجواء مليونية نموذجية، لكي يتم ضخ القيم الصالحة في عقولهم ونفوسهم وسلوكياتهم، فالتربة الخصبة والصالحة تتوافر عند هؤلاء، لكن ما يشكل إعاقة لاستقبالهم الوعي والثقافة والمُثُل العليا، تلك الأمراض النفسية التي عصفت بهم نتيجة للمد الثقافي المادي العالمي، مما جعلهم يتأرجحون بين القيم الصالحة والسيئة.

الشباب وظاهرة الانفتاح العالمي

من المهم جدا تزويد الشباب بالقيم التي تزيد من حصانتهم الأخلاقية والدينية والعقائدية، لمواجهة الأمراض النفسية التي ولّدتها الموجات المادية التي اجتاحت العالم بأسره، مستغلة ظاهرة الانفتاح والعولمة، وتكسير الحواجز بين الأمم والشعوب عبر الإعلام المفتوح، ومواقع التواصل وسواها، فشكل ذلك خطرا كبير على مراهقينا وشبابنا، بل على الجميع من دون استثناء.

يقول الإمام الشيرازي:

(إن تحلي الشباب بالصفات النفسية الرفيعة يمنحهم الحصانة من الأمراض النفسية التي انتشرت في العالم المادي، كما ويجب توسعة دائرة هذه المثل والقيم لاشتمالها على مراتب ودرجات).

في زيارة الأربعين يتحمس الشباب للمشاركة في جميع الأنشطة الإيجابية، وفي هذه الزيارة بالذات يستعيد الكثير من شبابنا ثقتهم بأنفسهم، من خلال الخدمات الطوعية التي يقدمونها للزائرين الكرام، إنهم في مثل هذه الأيام المباركة يشعرون بوجودهم، ويتغلبون على أمراض العصر، لاسيما تلك التي تضخها ثقافات ومصادر مناهضة للإسلام، ويحدث ذلك بشكل منظّم ومخطّط له.

لا يصح بل لا يجوز الغفلة عن الشباب في مثل هذه الأجواء التي تغص بالانحراف، ولعل فرصة عاشوراء وزيارة الأربعين تمثل بيئة تثقيفية كبيرة، وتعد فرصة لمكافحة أمراض الشباب التي يسعون إلى التخلص منها، لكن التقصير الحكومي في الغالب، وإهمال الشباب، وعدم التخطيط لاستيعاب طاقاتهم بالشكل الصحيح، كل ذلك يضع الشباب وجها لوجه أمام الثقافات والموجات العالمية المنحرفة.

الخطر الكبير الذي يتهدد شبابنا ومجتمعنا دون استثناء، يدعونا كي ننهض بمسؤولياتنا كما يجب، وإذا كان هذا الدور مطلوبا على مدار الساعة، فإن أهمية الهدف وعظمة المسؤولية، يجب أن تدفع بنا نحو الاستثمار الأمثل لفرص التغيير، ومواجهة الأهداف المبيّتة والخبيثة التي تسعى لتمييع شريحة الشباب، وتدمير المراهقين بشبكة مغرضة من الأفكار الأفعال المنحلّة.

فإذا تم إهمال شبابنا، من قبل الحكومات أو المؤسسات المدنية والأهلية المختلفة، فإننا كمن سنكون كمن يقدم أبناءه لأعدائه على طبق من ذهب، لذلك يجب حمايتهم من شبكات الانحراف بأنواعه، وتحصينهم ضد موجات الإلحاد المتتالية التي تهاجمهم وتستهدف هويتهم وأخلاقهم وعقائدهم، لذلك لا يمكن القبول بإغفال الشباب أو إهمالهم، بل يجب أن يحدث العكس تماما.

تكريس قيم عاشوراء عند الشباب

فرصة عاشوراء مناسبة تماما لتفعيل الاهتمام بالشباب، والتخلص من ظاهرة الإهمال المزمن لهم، واحترام مواهبهم وطاقاتهم، وتشجيعهم على العمل الطوعي لبناء شخصياتهم كما يجب، ومن ثم العمل على توفير فرص التطور والتدريب المناسبة لهم، بالتزامن مع تكريس القيم الصالحة بين الشباب، ودعم ذلك بمواقف تبرهن على صدق هذا الاهتمام وحمايتهم من شبكات الانحراف التي تحيط بهم.

يقول الإمام الشيرازي حول هذه النقطة:

(الشباب هم عماد المستقبل، والغفلة عنهم تتسبب بانحرافهم عن المنهج السليم والأفكار الصحيحة، وانحرافهم مع التيارات السقيمة، ووقوعهم في شبكات الإلحاد والفساد والإفساد، فتتحول طاقاتهم الخير إلى معاول للهدم، ويعني الاهتمام بالشباب التركيز على تربيتهم وتعليمهم وتوفير العمل الشريف لهم وتزويج عزّابهم و...).

هناك من يقول بأن سياسة الاهتمام بالشباب ومعالجة مشاكلهم، يجب أن تتم على مدار الوقت، وهو قول سليم وصحيح، ولكن في ظل التلكّؤ الحاصل في إنجاز هذا الهدف، من الأهمية بمكان بل من الواجب أن نستثمر عاشوراء، وزيارة الأربعين، لكي نجعل من النهوض بالشباب هدفا جوهريا لا تراجع عنه.

كما أن هذه الزيارة والأجواء التي تسود في عاشوراء، تجعل الشباب أكثر استعدادا من أي وقت آخر لقبول التوجيهات والنصائح، والإيمان بقيم عاشوراء التي تدعوهم إلى دور مهم يقومون به في حياتهم تجاه أنفسهم وأمتهم، كما أنهم يصبحون أكثر تقبّلا للقيم والأفكار والمُثُل التي تسعى لانتشالهم مما هم فيه من يأس وقنوط، ومما يحيط بهم من شبكات انحراف مختلفة المصادر والتوجهات.

في هذه النقطة بالذات يظهر دور مهم للمؤسسات الدينية، وللمجالس الحسينية، وحتى للمواكب التي تنصب سرادقها على الطرق الطويلة العريضة الممتدة نحو أرض كربلاء المقدسة، فهذه الجهات كافة يقع عليها مسؤولية احتضان الشباب، ودعمهم نفسيا ومعنويا وتطويرهم عمليا، لكي يشعروا بقيمة أنفسهم وأهمية وجودهم، والحاجة الكبيرة لدورهم في حياة الناس الآخرين.

لذا يؤكد الإمام الشيرازي قائلا: (على المؤسسات الدينية والمجالس الحسينية ومواكب العزاء الاهتمام بالشباب).

إن هذه المناشدة التي يؤكد عليها الإمام الشيرازي لم تأت من فراغ، ولا تصدر عن سماحته اعتباطا، لأنه رصد الواقع الشبابي، ولاحظ الإجحاف الكبير الذي يتعرض له هؤلاء، مع أنهم من أهم الشرائح الاجتماعية التي تتمتع بدور فعال في نقل الأمة من حال إلى حال، لهذا كان تركيز الإمام كبيرا على الشباب، وكرر تحذيراته من إهمالهم، وكرر وجوب تكريس ثقافة وقيم عاشوراء في عقولهم.

لهذا يقول الإمام الشيرازي:

(لابد من استثمار ثقافة عاشوراء في إعادة الشباب إلى أحضان الفضيلة والتقوى، وردعهم عن المخدرات، وسواها من العادات الضارة).

بالنتيجة لا يمكن لنا أن ننكر بأننا نعيش في عالم (بلا حدود) ثقافية، أو دينية، والخطر كل الخطر يكمن في هذه الحقيقة التي لا يمكن الإفلات منها، إن شبابنا يواجهون اليوم محنة الغزو الثقافي متعدد الجهات، فلا يجوز ولا يصح أن نتركهم يواجهون هذا الغزو (بعقول) بلا حماية أو حصانة، وتكريس ثقافة وقيم عاشوراء فيهم، تكفي لمنحهم الحصانة المطلوبة، ولكن يجب أن يُحسن المعنيون كيفية تقديم الحماية للشباب من حيث الأسلوب والمضمون معا.

اضف تعليق