إسلاميات - الإمام الشيرازي

شهر رمضان وتعضيد الإرادة البشرية

رؤى من أفكار الإمام الشيرازي

(شهر رمضان، شهرُ تطهيرٍ وتنظيفٍ، وتقويةٍ للإرادة) الإمام الشيرازي

قدرات الإنسان المختلفة، المادية الجسدية والمعنوية، كلها قابلة للتطوير من خلال التدريب والصبر والمطاولة، الإرادة قابلة للتطوير أيضا، ويمكن أن تتحول الخصال والصفات إلى مرتبة أعلى وأقوى، أي تتطور إلى مَلَكة وجمعها مَلَكات، وهي صفة راسخة في النفس، أو استعداد عقليّ خاصّ لتناول أعمال مُعيَّنة بذكاء ومهارة، كذلك هي صِفَةٌ رَاسِخَةٌ فِي النَّفْسِ أَوِ العَقْلِ، قَائِمَةٌ عَلَى اسْتِعْدَادٍ فِطْرِيٍّ.

الغاية من الصوم الارتقاء بصفات الإنسان، وتطويرها عبر تقوية إرادته، مع أهمية الالتزام بضوابط الصيام الشرعية، ومن يواظب على تدريب نفسه بحرص وإيمان والتزام، سوف يصل إلى ما يروم من هدف، فالصوم أسلوب يساعد البشر على تقوية إرادتهم، والانتقال بصفاتهم من درجة أدنى إلى أعلى، فترتقي صفاتهم المعتادة والمتشابهة مع الآخرين، إلى مَلكات.

وهناك أهداف أخرى للصوم توازي تطوير صفات الإنسان، وتلازم تقوية إرادته، منها تنظيف الجسم من الأمراض التي غالبا ما تنشأ عن الإفراط بالطعام أو رداءته، أو الشراب وما يُشابه ذلك، فيكون الهدف بايولوجي (جسدي)، وروحي في ذات الوقت، ومن أهم أهداف الصوم ذلك الشعور الفردي بالتساوي مع الآخرين لاسيما في جانب الفقر والجوع، فيشعر الصائم بشعور الآخر ويعيش معاناته.

الإمام الراحل، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله)، يقول في كتابه الموسوم بـ (معنى الصوم وحكمته):

(الصوم يرتقي بالنفس وطباعها إلى الملكات الحسنة، وتقوية الإرادة، وتنظيف الجسم من الأمراض الناشئة عن الأكل والشرب وما أشبه، وتذكير الغني بحالة الفقير، وتساوي الناس أمام الله سبحانه، مما يشعر الإنسان بأنه فرد في مجموعة البشر المتساوين أمام خالق واحد).

وهناك جانب شرعي كبير الأهمية، تصدى لمهمة تنظيم أداء متطلبات وضوابط هذا الشهر الكريم، فجعله يبدأ ويُختَم بالهلال، فصارت بدايته معلومة ولا تخضع للأمزجة والتوقيتات الفردية كلٌ على هواه، أو وفقا لما يناسبه، فشهر رمضان له بداية معلومة ثابتة على مرّ الأزمنة، تبدأ وتنتهي بنهاية معلومة أيضا، حسب ظهور الهلال، فصارت توقيتات شهر الصيام معلومة ومنظمة شرعا.

بداية ونهاية معلومة لشهر رمضان

كذلك يخص هذا الشهر المبارك جميع الناس، ولا يعني فئة أو مجموعة معينة، لكي يكون الصيام جماعيا، وفي هذا مشاركة وجدانية يُسهم فيها الجميع، ولا يصح أن يكون يحدد الشخص أيام شهر رمضان حسب رغبته، لأن الميزة الجماعية الأهم سوف تنتفي عن هذا الشهر المبارك، ألا وهي ميزة الخير الذي يعمّ الجميع، لذلك جاء في الشرع تثبيت بداية ونهاية شهر رمضان بالهلال، وهو توقيت ثابت ومعلوم للكل، وفق الشرع الذي نظّم فريضة الصوم.

يقول الإمام الشيرازي حول هذه النقطة:

(يبدأ شهر رمضان ويُختَم بالهلال، وشرِّعَ لجميع الناس في وقت واحد، لما فيه من محاسن في المشاركة الوجدانية، وانتفاء الخير عنه، فيما لو خيِّرَ كل شخص الصوم في الوقت الذي يريده حسب رغبته من السنة).

كذلك هناك تحديد زمني يومي للصيام، فجاء التشريع أن يتم الصوم في ساعات النهار، وليس في الليل، أما الأسباب التي أوجبت هذا التوقيت النهاري للصوم فهي تتعلق بمنافع الصوم النهاري للصائم، لاسيما أن الليل جُعِل للاستكانة والراحة، وتحل فيه ساعات النوم التي يأخذ فيها الجسد قسطا من الراحة.

أما النهار فهو توقيت مخصص للنشاط البشري الفردي والجماعي، وفي بعض الأحيان يكون العمل شاقا أثناء النهار، كأن يكون تحت أشعة الشمس، أو في أجواء حارة في الصيف، أو باردة في الشتاء، بمعنى اختيار الصوم في النهار فيه حكمة تخص تقوية إرادة الإنسان، وتختبر قدرة تحمله للعطش والجوع وما شابه.

بالنتيجة الصوم نهارا طريقة مثلى لتدريب الإنسان على قوة الإرادة، وتعظيم قدراته في التصميم على مواجهة المصاعب، فيكون للصيام الأثر العميق على المستويات الروحية والمادية معاً، حيث تتسامى روح الإنسان، ويواجه الإنسان نفسه بقوة الصبر والتحمّل، والكف عن الرغبات والمشتهيات بمختلف أنواعها، فيصبح الصيام في هذه الحالة تدريبا مقصودا، له أهداف محسوبة مسبقا.

كما يؤكد ذلك الإمام الشيرازي في قوله:

(جاء تشريع الصوم في النهار دون الليل، لأن الليل ليس فيه المنافع الموجودة في النهار، إذ ينام الإنسان في الليل غالباً، فلا تنطبع النفس بطابع الكف المؤثر في إرادته قوةً، وفي نفسه ملكةً، وفي روحه سمواً).

تطهير الروح والقلب والجسد

هكذا أصبح شهر رمضان فرصة هائلة للناس لكي تتحقق أهداف كثيرة وكبيرة، على مستوى الكم، ومهمة بل وعميقة على مستوى النوع، وهي كلها مكملات لحياة الإنسان تضمن سعادته، لاسيما أن الله تعالى أنزل كتابه الحكيم على رسوله الكريم (ص)، في هذا الشهر المبارك، فحري بالإنسان أن يتعمّق في معرفة مكانة شهر رمضان عند الله، وأن يستثمر ذلك لصالحه.

تطهير الروح والقلب، وتنظيف الجسد من سمات هذا الشهر المبارك، بالإضافة إلى ذلك المواظبة على تقوية إرادة الصائم، كما سبق ذكره، يُضاف إلى ذلك تجديد علاقة المخلوق بالخالق، وصلته بالله تعالى، فالأجواء الرمضانية مناسبة وملائمة لتجديد هذه الصلة مع الله عز وجل، وهي أيضا فرصة مهمة لابد من انتهازها كي يكسب الصائم ذلك الزخم الروحي الهائل الذي يحقق له مكاسب روحية عظيمة.

لا يصح أن يتغاضى الناس عن الفرص النادرة التي يمكن لهم بلوغها في شهر رمضان، ومن الحكمة بمكان أن يعي أي إنسان ما يعينه الصوم وشهر رمضان ومكانته عند الله تعالى، فبالإضافة إلى كل ما ذكرناه من عطايا ومزايا ومكاسب روحية ومادية، يضمن هذا الشهر للصائم سعادة الدار الأخرى، ويعدّ هذا الهدف قمة ما يربو إليه الإنسان على مدار ساعات وأيام حياته.

لذا يؤكد الإمام الشيرازي على هذا الجانب المهم الذي يجب أن يتنبّه له الجميع، من ناحية استثمار الفرصة الثمينة المتمثلة بالصوم وبشهر الله، فيقول:

(ما أجدر بالإنسان أن يتخذ من شهر رمضان الذي منّ الله فيه على البشر بأعظم دستور (القرآن الكريم) لحياته وسعادته في النشأتين، شهر تطهير وتنظيف، وتقوية للإرادة، وتجديد لصلة الإنسان بالله سبحانه).

ولا تتوقف منافع الصوم عند هذا الحد، ولا ينتهي كرم شهر رمضان عند هذه الحدود، فبالإضافة إلى المزايا التي تم ذكرها في ما سبق، تنتظرُ الصائم فرحتان كبيرتان، تتوَّج بهما جهوده الكبيرة في الالتزام بشهر رمضان الكريم، وبالصوم وفق ضوابطه الشرعية المعروفة.

فقد ورد (عن الصادق عليه السلام، أنه قال: للصائم فرحتان: فرحة عند إفطاره، وفرحة عند لقاء ربه).

وهو ما يذكره ويكرر الإمام الشيرازي، مذكّرا الصائم والناس بما يقدمه شهر رمضان من منافع ومكاسب لا تحدها حدود، فمن يعي قيمة الصوم ومنافعه، ومن يفهم ما ينتظره من فوائد عظيمة نتيجة تمسكه بمتطلبات شهر رمضان الكريم، فهو من الفائزين في الدارين.

يُضاف إلى ذلك تحقيق النجاح والسعادة والتفوق في الحياة، لأن مزايا الصيام كبيرة وكثيرة، وما يقدمه للبشرية في مجمله، هو بناء شخصية مكتملة، تروم بلوغ الدرجة النموذجية، وهذا هو مطمح الجميع، وهو ممكن ومتاح لكن في مقابل الالتزام والاهتمام بمتطلبات شهر رمضان الفضيل.

اضف تعليق