إسلاميات - الإمام الشيرازي

زيارة الأربعين وديمومة النهوض المتجدِّد بالأمة

رؤى من أفكار الإمام الشيرازي

(أراد الإمام الحسين (ع) أن يبث روح الإيمان والحق في الأمة لتنهض من جديد) الإمام الشيرازي

النهوض، التقدم، التطوّر، وما يترادف مع هذه المفردات من معانٍ، كلها بحاجة إلى المرونة والديمومة، ولهذا نلاحظ الدعوات المستمرة للمراجع العِظام التي تطالب بعملية نهوض متواصلة للأمة، وما الدعوة لإحياء مراسيم زيارة الأربعين بزخم أكبر سنوياً إلا نوعا وسبيلا من سبل النهوض بأمة المسلمين، لاسيما في ظل مصاعب وتحدّيات عالمية تضع الواقع الإسلامي على المحكّ.

وحين بدأت مرحلة الانحراف مع بداية الحكم الأموي، وتصاعدت وتيرتها في عهد يزيد الذي أظهر استعدادا للفتك بمبادئ الإسلام واستهزاءً بتعاليمه، لم يكن هناك بدّاً من التصدي لذلك التدحرج المخيف نحو الرذيلة والفسق وتكبيل الأمة بمظاهر التفسخ والانحلال، بعد أن صار للمنكر شأن غير مسبوق، وبعد أن صار الظلم والفسق والمجون عنوانا لذلك العهد المعفّر بالاستهتار والانحراف.

عندئذ خرج الإمام الحسين (ع)، معلنا رفضه لهذا النهج المضاد لما أرسته الرسالة النبوية المحمدية من مبادئ وقيم وأخلاقيات عظيمة، نهضت بأمة المسلمين وارتقت بها لتتصدر جميع الأمم علما ونورا وعدلاً وازدهار، ولتبني دولة هي الأقوى والأعظم في التاريخ البشري والإسلامي على حد سواء، حيث المعروف والمناداة به طرّزت الواقع بالرحمة والتكافل وإنسانية المواقف والتعامل.

لم يكن بالإمكان غض الطرف عن بوادر الانحدار والانحراف في عهد يزيد، لاسيما أن السقوط بان واضحا لأمة المسلمين، فإذا كان يزيد رافعا لراية المنكَر، ومُنكراً لمنزلة الدوحة النبوية ممثلة بامتداده من أئمة أهل البيت عليهم السلام، محاولا لجرّ الأمة نحو الحضيض، وتحويل المجتمع الإسلامي إلى أضحوكة في عهده، فإن الإمام الحسين عليه السلام وجد في الخروج على يزيد ورفع راية المعروف هدفاً لا يمكن التخلي عنه، وإعادة الإسلام الحقيقي الذي أرساه جدّه الرسول الأكرم (ص).

الإمام الراحل، أية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (دام ظله) يقول في كتابه القيّم الموسوم بـ (قبس من شعاع الإمام الحسين ع):

(إن الإمام أبو عبد الله الحسين (ع) كان يريد أن يُخرج الأمة من المنكر إلى المعروف، كان يريد أن يضع حداً للمنكر، وأن ينتشل الأمة من الحضيض الذي أسقطتْ فيه إلى العز، وذلك عندما رضيت الأمة الإسلامية بواقعها المتردّي، المتمثل بالخمول، والركون إلى الدنيا، والسكوت على الظلم).

زيارة الأربعين تمنح الأمة قدرات إضافية

وتأتي زيارة الأربعين التي يتم إحياء مراسيمها سنويا لتشكل مفصلا رئيسا يغذي ديمومة المبادئ الحسينية، وتعطي المسلمين زخما متجددا لردع الظلم أيّاً كان مصدره، وتمنح أمة الإسلام زخما متجددا للعمل بالمعروف وردع المنكر بكل أشكاله ومصادره، فمن شأن هذه الزيارة بمراسيمها المتجددة وزخمها المتصاعد، أن تمنح أمة الإسلام قدرات إضافية من الإيمان والتمسك بالحق.

الهدف هو استنهاض الأمة من سباتها، فثمة من يدعو إلى الانحراف ويسعى إلى نشره، وهؤلاء معروفون حتى في عصرنا هذا، بمعنى هناك صراع تاريخي مستمر إلى الآن، يدور بين الخير والشر، الأخلاق والانحلال، العدالة والظلم، الاستقامة والانحراف، أي بين القيم النبيلة وما يناقضها، هذا النهوض يحتاج إلى وثبة قوية يدفعها ويحركها الإيمان، وهو من أهم أهداف الإمام الحسين عليه السلام.

فالنهوض بالأمة يجب أن يكون مدعوماً بروح الإيمان والانتصار للحق، ومثل هذه القيم تتجدد روحا وتجسيدا عمليا في إحياء مراسيم زيارة الأربعين، كونها شعيرة تذكّر الجميع بأسباب الصراع مع الشر، وتهيئة لوازم الانتصار على فريق الشر، أولئك الذين يشكلون امتدادا لرأس الفسق الأموي، فالتمسك بالقيم الحسينية والإصرار على إحياء الشعائر تأتي في مقدمة إدامة زخم إعلاء الحق والعدل.

لهذا يؤكد الإمام الشيرازي على (أن الإمام الحسين (ع) أراد أن يبث روح الإيمان والحق في الأمة لتنهض من جديد، كما كانت في عهد رسول الله (ص)، لأنه كان يرى أن الدين على وشك أن يُحرَّف، فأراد أن يعيد الدين غضاً طرياً، ومن شأن زيارة الأربعين أن تعزز من نهوض الأمة).

النهوض بالأمة يتطلّب قدرة الناس على التفريق بين طريق الحق وطريق الباطل، وهذا الاشتراط مرهون بديمومة إحياء مراسيم الأربعين الحسيني، مع الاستثمار الصحيح لما يرافق هذا الأداء من فرص يمكن من خلالها تغيير عقلية الناس ومضاعفة وعيهم، وفتح بصائرهم على التمسك بالعمل وفق (محاربة المنكر ودعم المعروف) وهي قيم أرساها الرسول الأكرم (ص)، وامتدت إلى سبطه الإمام الحسين (ع) الذي هو (صفوة الله) ومصباح الهدى الإلهي.

الإمام الحسين (ع) صفوة الله

ما يعانيه المسلمون اليوم، يدعونا جميعا إلى التمسك بصفوة الله وبمبادئه العظيمة، والسير في خطاه كونه المصباح الأخلاقي الإنساني الذي ينير لنا ظلمات الواقع المأزوم بكواسر الشر، وفي غمرة الصراع بين الخير والشر، نحن بحاجة إلى التمسك الحقيقي بنور الحسين (ع)، فهو طريق المسلمين بل البشرية نحو نهضة متكاملة تضمن للجميع أن يكونوا سواسية في الحقوق والواجبات.

لذا يرى الإمام الشيرازي بأن (التمسّك بصفوة الله، والاستنارة بهذا المصباح الإلهي يكون هداية في الدنيا، ونجاة في الآخرة، لأن حب الإمام الحسين (ع) يستتبع العمل الصالح، وذلك لأنه (ع) مصباح ينير طريق الحق لسالكيه، ولأنه (ع) فرّق بين طريق الحق وطريق الباطل بنهضته المباركة).

وما زيارة الأربعين التي نحيي مراسيمها في هذه الأيام المباركة، إلا فرصة للمسلمين بل للعالم كله، كي نهتدي بمصباح الهدى، ويعود الإنسان إلى رشده، ويقرأ واقعه بشكل صحيح وعادل، حتى يكون بإمكانه التفريق الحاسم والدقيق بين محورين متناقضين على الدوام هما (الحق والباطل)، من هنا فإن بركات الإمام الحسين لا تزال وستبقى تشرق علينا طالما تمسكنا بمبادئه التي خرج من أجلها منتصرا للإسلام الحق، وللقيم التي تحمي الإنسانية من الظلم والانتهاك.

يقول الإمام الشيرازي: (حقاً إن الإمام الحسين (ع) مصباح الهدى، فما زال نوره وضياؤه يشرق علينا بالبركة والخير، فهو يميز الحق من الباطل في جميع العصور والأزمان مضافاً إلى استمرارية نوره في ذريته الطاهرة).

إذاً نحن نخوض غمار معترك محتدم، يتواجهُ فيه نقيضان متصارعان منذ الأزل، إنه الصراع الأبدي بين الحق والباطل، وهو صراع لا منجاة منه إلا بالتمسك بمصباح الهدى، وهذا يفرض علينا واجبات لا مجال لتركها أو التخلي عنها أو التملّص منها، تتجسد في جهودنا بنشر الفكر الحسيني وأهدافه ومبادئه، لاسيما أن وسائل التوصيل باتت متاحة في عصرنا، وهو ما يحملنا مسؤولية توضيح القضية الحسينية بحذافيرها كونها تمثل الحق والخير بكل أركانه.

تعظيم الشعائر الحسينية يأتي في المقدمة أيضا في خضم هذا الصراع، وفي التركيز على استنهاض الأمة من سباتها، زيارة الأربعين هذا المحفل الديني العالمي، يجب أن يستمر بديمومة متصاعدة، كونه يعطي زخما قويا في ترجيح كفة الحق بالضدّ من كفة الباطل.

الإمام الشيرازي يؤكد ذلك حين يقول:

(علينا أن نعمل على عرض قضية الإمام الحسين (ع) ونشر مبادئه وأهدافه، من خلال أحدث الأجهزة والوسائل الإعلامية المعاصرة، والإنترنت، والكتب بالجوهر الأخلاقي المبدئي الذي أراده الإمام الحسين (ع)، وعلينا أن نعظّم الشعائر ومنها زيارة الأربعين، وما تقدمه الهيئات الحسينية في ذكر أبي عبد الله الحسين (ع) ومختلف مواكب الحزن).

زيارة الأربعين هي سبيل الأمة لاستمرارية النهوض، ومغادرة الكسل والخمول، والنأي عن التردد في مواجهة التعسف بأشكاله كافة، ففي ظل واقع متعسّر، ليس أمام المسلمين سوى الاصطفاف إلى جانب الحق وهو واضح وضوح الشمس، لكن تقع علينا جميعا مسؤولية توصيل القضية الحسينية بالتفصيل وتوضيحها جيداً، فهناك من تعرض ولا يزال يتعرض للتضليل، وإحياء الشعائر وإدامتها حجر الزاوية في النهوض المتجدد بالأمة.ِ

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

11