إسلاميات - الإمام الشيرازي

كيف تجدِّد حياتك؟

رؤى من أفكار الإمام الشيرازي

يعتمد تجديد حياة الإنسان على عوامل مهمة، يقف في المقدمة منها قدرته على مشاركة الآخرين منجزاتهم المختلفة ونجاحاتهم، وحتى فشلهم أو إخفاقاتهم، والسعي لسد جانب من نواقصهم، فبقدر ما يقوم الإنسان بمعاونة الآخرين وإسعادهم، فإنه بذلك يسهم بدرجة كبيرة في تجديد حياة الناس وتجديد حياته هو أيضا.

هنالك الكثير من المزايا التي يمكنك كفرد أن تتميز بها، لاسيما في مجال العمل الجمعي، وأكثر تأثيرا وفاعلية هي المبادرات والأعمال التي تُسعد الآخرين بها، وهناك وسائل تحفز الإنسان على إحساسه بالسعادة، منها كيفية التأمل لوضع أهداف للنفس ليتم تحقيقها، فبالنسبة للشخص المشغول دائماً والمثقل بأعباء العمل، فإن الطريقة الأكثر فاعلية له لكي يكون سعيداً ويبتعد عن الاكتئاب الذي ينعكس عليه من دوامة العمل، هو إحراز تقدم ثابت ومطّرد لأهداف وضعها لنفسه.

وعلى الرغم من أن ذلك يبدو بسيطاً أو سهلاً، إلا إنه أسلوب صعب للوصول من خلاله لتحقيق السعادة، وبالطبع تختلف الأهداف من شخص لآخر، لكن الوسيلة في تحقيقها تتشابه عند مختلف الأشخاص، ألا وهى التقدم الثابت للوصول لأهداف ذات معنى، ووجود معنى أو مغزى لهذه الأهداف هو الذي يحقق السعادة وليس وضع الأهداف في حد ذاتها، لأن الشخص بإمكانه إحراز نجاح في أهداف وضعها لنفسه لكنها لا تخلق لديه الشعور بالسعادة.

لماذا؟؟ السبب كما يقول علماء مختصون، تزول السعادة سريعا إذا كانت تقتصر على الفرد وحدهِ، أي في حال غياب السعادة الجمعية، فإن السعادة الفردية تنطفئ على نحو سريع، لهذا يُنصَح الفرد القادر على إسعاد الآخرين أن لا يتوانى عن هذا الفعل ولا يتردد، وعليه أن يكبح الأنانية الذاتية بقوة، وإذا نجح في إدخال السعادة في قلوب ونفوس الآخرين، سوف يلمس انعكاسا دائما للسعادة في أعماقه.

فن إدارة العلاقات مع الآخرين

تدخل قضية إسعاد الناس في إطار فن إدارة العلاقات مع الآخرين، وهذا يعني بأنك كفرد ناجح أو متميز أو قادر على إبداء التعاون والمساعدة، عليك أن تنقل نجاحك إليهم، وحتى قدراتك الفردية ليست ملكْاً لك، إنك ابن الإنسانية، والمسؤولية الإنسانية تفرض عليك إسعاد الآخرين، وتنمية قدراتهم، وهذا هو الطريق الوحيد لسعادتك، لأنك سوف تشارك بقوة في تجديد الحياة.

الإمام الراحل، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله)، يشير إلى هذه النقطة بتركيزٍ عالٍ، وذلك في كتابه القيّم (لنبدأ من جديد)، فيقول:

(إسعاد الناس لا ينتهي بسعادتهم فقط وإنما تعود السعادة على المُسعد أيضاً، وهذه الأعمال من أهم ما يجدد الحياة، فإن الله سبحانه ربط النفوس بعضها ببعض، لذلك فإن سعادة بعضهم تؤدي إلى سعادة الآخرين، وبالعكس).

إذاً نحن أمام قيمة إنسانية مهمة، هي كيف نسعد الآخرين ولماذا؟، قضية إسعاد الآخرين لها وسائل كثيرة، وجميع الأفراد بمختلف مؤهلاتهم وقدراتهم يمكنهم التشارك في تقديم خدمة معينة، أو سد نقص ما، أو إنجاز حاجة معينة يصعب على أحدهم سدّها، فالمساهمة في إكمال نواقص الآخرين، هي طريقة مفهومة وقادرة على إدخال السعادة في قلوب الناس، ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، فإذا تحوّلت هذه الفعاليات إلى ثقافة اجتماعية، فإننا سوف نساهم في صنع مجتمع متعاون سعيد.

لذلك يقول الإمام الشيرازي:

(يجب على الإنسان أن يجدّد حياته من خلال إسعاد الناس حتى الكافر منهم، ولذا لم يمنع الرسول صلى الله عليه وآله، الماء عن أهل خيبر، وأعطى الإمام الحسين عليه السلام الماء لقتلته، بل قال: ورشفوا الخيل ترشيفا).

وقد نتصور أنّ تجديد حياتنا أمر يقع في خانة المستحيل، لكنه في الحقيقة أمرٌ ليس صعبا، تجديد الحياة يتحقق من خلال أعمال وقيم وأفعال يعتاد عليها الفرد ويقوم بها تجاه الآخرين، فتصبح ثقافة سلوكية اجتماعية عامة، يشارك فيها الجميع ويعتادون عليها، لتُسهم في صنع حياة متجددة بوسائل وسلوكيات نعرفها جميعا، لكن الإشكالية تكمن في مدى قدرتنا أو إصرارنا على تطبيقها.

تجميد الأنانية أو القضاء عليها

إنها بصريح العبارة تقوم على سد نواقص بعضنا بعضا، على أن تكون لدينا القدرة على تجميد الأنانية، بل دحرها نهائياً، والشروع المتبادَل بتقديم كل أنواع المساعدات المادية والمعنوية الممكنة من دون تردد، إننا هنا لا نتحدث عن أحلام أو مستحيلات، بل هي قيم دعا لها ديننا ورسولنا وأئمتنا عليهم السلام، وقامت عليها ثقافتنا وتربيتنا أيضا، لذلك السعادة تتحقق وتجديد الحياة يتم ويتكرر طالما كنّا كأفراد وكمجتمع قادرين على ترسيخ هذه القيم وتطبيقها في واقعنا.

الإمام الشيرازي يقول: (يتم إسعاد الآخرين بالكلمة الطيبة، والمواساة، والتسلي، والخدمة، وتقديم المال لمن يحتاجه، وقضاء الحوائج، والسعي في شفاء المريض منهم، وتزويج العازب والعازبة، وإسكان من لا سكن له، وإكساء العاري، وإنعاش الفقير، ورفع نكبة المنكوب، والأخذ بيد المعوّق حسب الممكن، ورعاية الأرملة واليتيم).

وهناك شرائح منسية تنتمي إلى مجتمعنا، كونها غير قادرة على الاندماج المجتمعي لأسباب خارجة عن قدراتها، فهل تُترك هذه الشرائح لتقاتل الحياة القاسية وحدها، منها على سبيل المثال أصحاب الاحتياجات الخاصة، ألا يستحقون أن نقف معهم ونغير حياتهم كي تتجدد حياتنا؟، نعم نحن الأصحّاء قد نكون في غيبوبة عمّن يحتاجنا من هؤلاء، فهناك وسائل معاوَنة سهلة ومتاحة أمامنا، لماذا لا نعتمدها في سلوكنا وأفعالنا، ولماذا لا نجعل منها مبادرات لتجديد الحياة؟

يقول الإمام الشيرازي: (مطلوب إسعاد الناس بما أمكن ومهما أمكن وحيثما أمكن وكيفما أمكن، خصوصاً الطبقات المسحوقة، كالمعوّقين، والمرضى، والمساجين، والأسرى، والمطاردين، والمساكين، ومن أشبههم).

وقد يعجز العمل الفردي على تحقيق نتائج ملموسة في تجديد الحياة وإسعاد الآخرين، نظرا لقلة الكمّ والنوع أيضا، وهذا يقودنا إلى تفكير أكثر إنتاجية ورصانة وفائدة، وهو اللجوء إلى العمال التعاوني الجمعي أو المؤسساتي، عبر المنظمات والهيئات التي تتصدى لإكمال النواقص والاحتياجات المختلفة التي يعاني منها الآخرون!.

الانتقال من التعاون والإسهام الفردي إلى الجمعي يشكّل قفزة في مجال تجديد الحياة، من الممكن تأسيس جمعيات خيرية تتخصص في تقديم خدمات اجتماعية لمن يحتاجها، مثل تزويج العازبين، وتشغيل العاطلين، ومعاونة المدنيين في إنجاز بعض الخدمات التي تفوق قدرتهم على إنجازها، هذا كلّه من شأنه إسعاد الناس وتجديد حياتهم، وبالتالي فنحن نشترك كلٌ حسب قدرته ومبادرته في صنع مجتمع منتج سعيد وناجح.

يقول الإمام الشيرازي: (إذا تمكن الإنسان من تأسيس وتطوير عمل منظمات وهيئات وجمعيات تُسعد الناس بإكمال ما يحتاجونه من نواقص في أي بعد من أبعاد الحياة، مثل تشغيل العاطلين، وتعليم المهن للناشئين، وإنقاذ المَدينين، وغير ذلك.. فسوف تتوسع هذه الأعمال وتتطور وتساهم بصورة كبيرة في تطوير حياة الناس وتغييرها للأفضل).

هكذا نتوصل إلى نتائج مقبولة ومؤكّدة، تقوم على تحقيق هدف واضح ومحدد، إنه تجديد الحياة الذي يتأتى من إسعاد الآخرين الذي سينعكس بدوره على من يقدّم المساهمات التي تُسعد الآخرين، فكم تحتاج مجتمعاتنا إلى مثل هذه القيم وتحويلها إلى مجموعة سلوكيات يعتادها الناس جميعا، ويلتزمون بها، كونها طريق واضح وممكن التطبيق، يقودنا إلى صنع مجتمع متقدم متعاون ومزدهر.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1