رغم إنه لم يأخذ حيزاً كمصطلح في قاموسنا السياسي طيلة العقود الماضية، شأنه شأن "الاسلام السياسي"، او "الحراك السلمي"، بيد ان بوادره (العمل الاسلامي) ظهرت بقوة على الساحة العراقية تحديداً في مطلع الستينات من القرن الماضي بقيادة المرجع الديني والمجدد، السيد محمد الشيرازي -رحمة الله عليه- من خلال سلسلة مترابطة من النشاطات والفعاليات باتجاه السعي لتحقيق الأمل المنشود بتحكيم الدين، وتطبيق النظام الاسلامي في الحياة، وقد وضع لها النظريات والرؤى، وكان في طليعتها؛ التنظيم.

اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب

انه مثل شعبي كناية لمن يؤمن بعامل الغيب على طول الخط في مختلف شؤون حياته، مما يقلل الالتفات الى الاستحقاقات والالتزامات بالقوانين والضوابط، وبما أن الساحة الاجتماعية في بواكير الحراك الاسلامي، كانت تشهد فعاليات دينية مختلفة من قبيل؛ مساعدة المحتاجين، والإنفاق على المناسبات المتعلقة بالأئمة المعصومين، عليهم السلام، وايضاً نشر الثقافة الدينية، مثل؛ إقامة المجالس الحسينية والمحافل القرآنية في الجوامع والمساجد، وقراءة الأدعية، فضلاً عن إقامة الشعائر الحسينية، ولم يخطر على بال أحد من القائمين على هذه الفعاليات بأن يكون لمفردة "التنظيم" دور في استثمار كل هذه الفعاليات الكبيرة لاهداف أكبر.

والتنظيم بحد ذاته، يمثل خير وسيلة لاستثمار الطاقات البشرية المتوفرة في مناسبات كهذه، وفي المقدمة؛ الشباب المتحفّز والواعي لأن يكون مستعداً ليس فقط لحضور المجلس الحسيني، او قراءة القرآن الكريم، او حتى المقيمين للشعائر الحسينية، وإنما لصياغة القيم والمفاهيم المطروحة في هذه المناسبات وتطبيقها على الواقع بغية معالجة اختلالات حاصلة في الاخلاق العامة، والعلاقات الاجتماعية، وفي مرحلة لاحقة؛ تنمية الفكر ليتطلع الى أمور وقضايا ذات شأن عام، مثل الحقوق والحريات والعلاقة بين المجتمع والدولة؛ كل هذا وغيره، بحاجة الى ضوابط خاصة وبرامج معينة من شأنها صياغة افراد في المجتمع يتحملون مسؤولية المطالبة بهذه الحقوق، ونشر الوعي السياسي، والوعي الديني في الاوساط الاجتماعية، ولذا انبلجت فكرة "التنظيم الاسلامي" بقيادة مرجعية ولتحقيق اهداف اسلامية ذات بعد حضاري.

بالمقابل كان هنالك من يعوّل على البعد المعنوي في نشاطاته، والاعتماد على مفاهيم دينية أصيلة مثل؛ التوكل على الله –تعالى-، والبركة، والقدسية، بأنها هي مفاتيح النجاح والفلاح، بينما الحقيقة أنها هبات من الله لمعاضدة سائر الجهود الذهنية والعضلية المبذولة، لا أن تكون العكاز الذي تتوقف عليه أعمال كبيرة وجهود وامكانات مالية ضخمة، وهو ما لا تدعو اليه ثقافة أهل البيت، عليهم السلام، ومنها ما جاء في قصة ذلك الاعرابي الذي ترك ناقته واكتفي بقول: "بسم الله الرحمن الرحيم" تطبيقاً لمفهوم التوكل على الله، ولما سرحت الناقة وافتقدها، قال له النبي الأكرم: "إعقلها وتوكل".

وهذا التنظيم الذي دعا اليه الامام الشيرازي ليس بالضرورة ان يكون حزباً سياسياً، بل نجد مصاديقه في المؤسسات الثقافية، والاعلامية، وحتى الاجتماعية، فالعمل المنظّم هو الذي يأتي بالنتائج الايجابية، ويحقق التغيير المطلوب.

ولطالما أكد الامام الشيرازي –رحمة الله عليه- على التنظيم لمواجهة التحديات الكبيرة؛ سواءً في فترة وجوده في العراق، او في السنوات الاخيرة من حياته التي قضاها في المهجر، من خلال الاستفادة القصوى من الجهود الفكرية والقدرات الذهنية والمادية لمواجهة هذه التحديات، والتي نلمسها اليوم في مظاهر متعددة، منها؛ الانترنت، والقنوات الفضائية، وحتى الألعاب الالكترونية التي باتت الشغل الشاغل لملايين الاطفال والشباب في البلاد الاسلامية، الى جانب ما تقوم به مؤسسات وملتقيات للشباب في كل مكان، ومن الطبيعي أن يكون الشاب او المرأة وحتى الطفل الذي يعيش بدون برامج محددة، مستعداً لتلبية نداء "التنظيم" من الجانب الآخر الذي يدعو الى المطالعة والتفكير والابداع وفق اساليب معينة، بغض النظر عن السبل الموصلة لتحقيق هذه الاهداف، ويخصصون الاوقات الثمينة لهذه اللعبة او ذلك الموقع.

بينما كان الامام الشيرازي يدعو قبل اربعين، او خمسين عاماً؛ الشباب والنساء والعمال والفلاحين وعلماء الدين، والمهنيين، وسائر افراد المجتمع، للانضمام الى تنظيمات وجمعيات خاصة بهم تكون بمنزلة الوعاء التي يحققون فيها ذواتهم ويستخرجون من خلالها قدراتهم ومواهبهم، ولنا أمثلة من "الماضي الجميل" في المهجر، عندما كان يشجع المجتمع العراقي المصغّر في المهجر على تنظيم افراده، فكان ظهور تجمع العلماء المجاهدين، و رابطة النساء المجاهدات، وحركة المهجرين العراقيين، حتى الشباب والفتيان تأثروا بالفكرة، و راحوا يعقدون الاجتماعات لتشكيل تنظيم خاص بهم، تحت اسم حركة اشبال الامام الحسين، الهدف منها تنمية الطاقات، والمشاركة في حملات التعبئة والتضامن، وكان الامام الشيرازي يبارك لهذه المنظمات تشكّلها ويستقبلها في بيته، ويحثها على المزيد من العمل المنظم والمثمر.

ويمكن القول باختصار حول تجربة تلك التنظيمات البسيطة في ظاهرها، أنها عملت على تكريس الهوية الثقافية للانسان العراقي المهجّر عن وطنه، ولماذا هو خارج بلده وقد هاجره بشكل قسري ومأساوي؟ ثم ماذا يتوجب عليه فعله؟

النخبوية التي افرغت التنظيم من محتواه

بما انه نابع من الطبيعة والكون، ومن صميم فطرة الانسان، يفترض ان تكون مصاديقه العملية في أي حراك او نشاط ثقافي داخل المجتمع، فالتنظيم إنما يحقق نجاحه من خلال تفاعله مع الجماهير، لانه منها واليها، طبعاً؛ اذا ما كانت فكرة التنظيم اساساً نابعة من رحم هذه الجماهير، وتحمل همومه وتطلعاته، وهو ما دعا اليه الامام الشيرازي غير مرة، و اشار اليه في عديد مؤلفاته، ثم إن "الحراك المرجعي" الذي انطلق من كربلاء المقدسة آنذاك، إنما استفاد من تجارب الحركات الاسلامية الماضية، فعندما يتحدث سماحته عن "جماهيرية التنظيم"، فانه يحذر من "نخبوية التنظيم" واقتصاره على فئة معينة، وانقطاعه عن الجماهير.

و مرد التحذير هنا الى انقلاب الاهداف لدى التنظيمات، بدلاً من أن تكون لخدمة الجماهير، ولانقاذها من الجهل والحرمان، الى الوقوف وجهاً بوجه امام هذه الجماهير عندما تكون النخبوية لديها طريقاً نحو المكاسب السياسية، وهو ما حذر منه سماحته -رحمه الله- عادّاً هذا الطموح من اسباب إخفاق المسلمين في نهضتهم الحضارية لإنقاذ أوضاعهم من المآسي، ثم نشر قيم الاسلام ومبادئه الى العالم، فالاحزاب غير الجماهيرية في رؤية الامام الشيرازي "لا تعمل إلا في حق واحد تنتخبه لأجل تقدم الاسلام؛ مثل تربية الشباب وتوعيتهم وإيصالهم الى رتب رفيعة؛ سواء في المجتمع او في الدولة لجعلهم موظفين في دوائر الدولة، او ليكونوا كتاباً، او خطباء، ثم يتركون الجماهير وشأنها" (الصياغة الجديدة ص582).

وعندما يحصل الافتراق بين طموحات الجماهير وطموحات النخبة، لابد ان يحصل الاصطدام يوماً ما، لان الجماهير تسعى لنيل حقوقها المشروعة، من حرية ومساواة وعدالة ورخاء، بينما النخبة (في اشكالها وقوالبها المختلفة) فهي تهتم قبل أي شيء آخر، بالسمع والطاعة من لدن الجماهير، ولا ترغب بالمناقشة او الاعتراض على فكرة ما، او سلوك معين، او في مظاهر الإثراء والترفّع، مهما كانت فاضحة.

وهذا تحديداً ما صنع الجدار العالي والسميك بين جماهير الشعب وبين شيء اسمه "تنظيم"، لان أول ما ينصرف اليه الذهن؛ السياسة، ثم المصالح الشخصية والفئوية. وعندما كان الامام الشيرازي يحثّنا دوماً على انتهاج التنظيم في مختلف شؤون حياتنا، إنما ليكون عامل تفاعل وتواصل بين الجماهير وبين شريحته المثقفة، بل وبينها وبين القيادة العليا، وهذه العلاقة بالذات، مرهونة في نجاحها بنجاح العلاقة الاولى، كون الشريحة المثقفة والواعية تعكس افكار ورؤى القيادة المرجعية، وتقرأها بتعمّق اكثر، وتؤمن بها ايماناً كاملاً.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

4