إسلاميات - الإمام الشيرازي

لماذا الإمام علي (ع) طريق الحق؟

رؤى من أفكار الإمام الشيرازي

من بين مليارات الشخصيات التي وُلدَت في عالمنا، وأمضت رحلتها في قاعة الاختبار (الدنيا)، الكل خاض اختبار الدار الأولى، ولكن كم من هذه المليارات التي جاءت ومضت، خلّدتها أعمالها وأفكارها ومواقفها؟

نسبة الذين تميزوا وخُلِّدوا قليلة قياسا للكمّ البشري الهائل، ومن بين أعظم الشخصيات التي خاضت اختبار (الدنيا)، أمامنا علي بن أبي طالب علبه السلام، ونحن هذه الأيام نعيش ذكرى استشهاده، فكم حريّ بنا جميعا، بدءاً من الحكام وصنّاع القرار، هبوطا إلى أقلّ الناس مسؤولية، أن نستكشف يوماً بعد آخر الكنوز المعنوية والروحية والإنسانية التي تركها لنا إمامنا عليه السلام.

وهو الذي سلك طريق الحق ولم يخش عبوره ولم يستوحش منهُ، وهو القائل عليه السلام: (لا تستوحشوا طريق الحق لقلة سالكيه)، هذا هو طريق علي (ع) طريق الحق الذي لم يحدْ عنه، ولم ترهبه العوائق أيّا كان نوعها أو حجمها أو الخطورة التي تكمن فيها، فهو القوي المؤمن الإنساني الذي لم تثنِه السلطة ومغرياتها عن حكم الناس بالحق، وحتى قبل التصدي لدفّة الحكم، كان علي (ع) هو الحق في القول والفعل، وهو عليه السلام القائل:

(إن الحق والباطل لا يعرفان بالناس، ولكن اعرف الحق تعرف أهله، واعرف الباطل تعرف من أتاه).

الشرط الأول أن تعرف الحق، وما هي مقوماته واشتراطاته وفق معايير العدل والإنصاف والضمير الحيّ، ثم بعد ذلك سيكون بمقدورك أن تعرف أهل الحق وليس العكس، إذ هناك أناس ينحازون لأهلهم أو أصدقائهم أو المقربين منهم، ويعدّونهم أصحاب الحق مسبقا، وهذا انحياز ظالم لم يقم على معرفة ما هو (الحق) أولاً، ومن ثم يمكن أن نقف إلى جانب هذا الطرف أو ذلك، قياسا على معرفتنا للحق.

الإمام علي هو طريق الحق، ومن ينتمي إليه بأي نوع من الانتماء، لا يُقبَل منه سوى المضيّ على طريق الحق، بغير ذلك هو ليس منتمٍ لعلي عليه السلام، لهذا فإننا – بالأخص صناع القرار والحكام والمسؤولين الكبار- مطالبون بمعرفة سبل الحق بدقة، ومن ثم نبحث عن أهله كي ننصفهم، وننصف أنفسنا وضمائرنا لأننا أمام حساب قادم عسير جدا لا مفرّ منه.

كيف نميّز الحق من الباطل؟

يؤكِّد الإمام الراحل، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله)، على: (إنّ صاحب البصيرة النافذة إذا أعطيت له حرية الاختيار بين الحق والباطل، ورفعت عنه جميع العقبات والحواجز، فإنه بلا شك سوف يختار طريق الحق؛ لأنّ إتباع الحق يؤدي به إلى السعادة في الدنيا، والى الجنة والنعيم الدائم في الآخرة. وطبيعة الإنسان العاقل أن يختار طريق الأمان والسلام، الذي هو طريق الحق، طريق علي بن أبي طالب عليه السلام).

وتبعا لهذا النهج المضيء، فإن عظمة الإمام علي تكمن في كثير من المواقف والمبادئ والالتزامات، ومنها وأهمها انحيازه المطلق للحق، وعدم المداهنة أو المجاملة فيه، على الرغم من أن النص القرآني المبارك يقول: (وأكثرهم للحق كارهون)، لهذا تجد ندرة كبيرة في من يسلك طريق الحق، كون يكلّف صاحبه الكثير من الخسائر، لكنه في المقابل في حالة عدم اصطفافه إلى جانب الحق، فإنه سيخسر أغلى ما يمتلكه (ضميره، واحترامه لنفسه).

لهذا فالعظماء الخالدون، لا أحد يستطيع أن يشوّه سيرتهم ولا يمكن أن يحرّف مواقفهم، لأنهم دائما وعلى مر التاريخ يبقون محط إجلال وتعظيم واحترام منقطع النظير، عمّا قدموه للبشرية من منجزات معنوية ومادية عظيمة.

نجد معنى ذلك فيما يقوله الإمام الشيرازي:

(إنّ المنقّب في التاريخ تنكشف له حقيقة ناصعة لا يمكن إخفاؤها، وهي: أنّ التاريخ يذكر العظماء في صفحة من نور، ويسجّل لهم فيها الإجلال والإكبار كلاً على قدر عظمته. ومهما حاول شخص أن يتلاعب في التاريخ ويشوّه الحقائق ويحرّفها، فإنّ مصيره الفشل عاجلاً أم آجلاً؛ لأنّ الزيف والتحريف يظهر من تضارب أقوال المزيفين وتناقضها).

لم يستطع أحد أن ينال من الإمام علي عليه السلام، ولا يزحزح مكانته العظيمة في قلوب الناس قيد أنملة، ليس لدى المسلمين وحدهم، أو الشيعة، بل حتى من الأديان والأمم الأخرى، فالجميع حين يقرأ ويعرف ويفهم سيرته ويدرك مبادئه، فإنه سيجد ضالته ويغنم بما يرغب من حسن الكلام، وعظيم المقام، ويستلهم من سلوك الإمام خارطة طريق واضحة المعالم والمسالك، كي يسير في ضوئها لبلوغ درجة السموّ.

الضوء لا يُخفى بغربال

حاولت أقلام مأجورة كثيرة، أن تسيء لسيرة الإمام علي (ع)، وتقلل من عظمة ما أنجزه في حياته القصيرة الغنية، لكن هؤلاء المأجورين فشلوا جميعا، وهل يمكن أن يُحجَب ضياء الشمس بغربال التزوير والتشويه؟، لقد ترك إمامنا عليه السلام وراءه إرثا متنوعا موغلا في العمق البلاغي بياناً متفرّدا، وشعراً مخلّدا، وسياسة عادلة لم يصلها أقرانه وحكام العصر، ومسارا اقتصاديا أحال الصحاري إلى مساحات مفروشة بالخير والاخضرار وألذَ الثمار.

يقول الإمام الشيرازي: (لقد بقى الإمام أمير المؤمنين - عليه السلام- ورغم أنوف أعدائه علماً من أعلام الدين وركناً من أركان الهدى والتقى، ليس عند شيعته فقط بل وحتى عند الآخرين، انه -عليه السلام- بقي على ما عرّفه الله ورسوله مفخرة للإسلام والإنسانية على مرّ العصور وكرّ الدهور).

فهل سيهتدي حكامنا بتجربة الإمام علي عليه السلام في الحكم والإدارة، والتعاطي مع السلطة ليس على أنها زخم من المكاسب والفرص للثراء والكسب غير المشروع على حساب حقوق عامة الناس، بل التعامل مع الحكم والسلطة على أنه تكليف يتقدّمه العدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص، والقيادة بمبدأ تقديم مصالح الأمة على مصالح الحاكم وحكومته.

هذا أهم الاشتراطات التي وضعها الإمام علي وقيّد بها نفسه قبل غيره، وألزم بها ولاته، وفرضها على المقرّبين والمعاونين والمساعدين، بل طبّقها على أقرب الناس إليه، حين ساوى بين أخته وخادمتها في العطاء والمساعدة، إنه العدل في أرقى وأنقى وأعظم صوره ودرجاته!.

تُرى لماذا لا يأخذ بها حكام المسلمين اليوم، ولماذا لا تلتزم بها حكوماتهم، ولماذا الحاكم يجد في السلطة فرصة للثراء والاستئثار، ولماذا يجعل من عائلته وأقاربه وبطانته والمؤيدين له في قمة سلّم الثراء وفرص الغنيمة، فيما يحلّ الآخرون في القعر، ينهشهم الفقر والجوع والحرمان، بسبب سلب الحكام وحكوماتهم لحقوق الناس وثرواتهم، بلا ضمير أو شعور بالمسؤولية؟

يقول الإمام الشيرازي:

(إنه أمير المؤمنين عليه السلام الذي جاء على لسان خير خلق الله تعالى الرسول الحبيب صلى الله عليه وآله حين قال (عليّ مني)، والنبيّ هو الذي *ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَ وَحْيٌ يُوحَى* كما قال الله عنه ذلك/ سورة النجم).

حريّ بنا جميعا وخصوصا المسؤولين، أن ننظر إلى مكانة الإمام علي كما هي في حقيقتها، ونبحث في مبادئه ومواقفه، ونهضم سيرته العظيمة قولا وسلوكا وتفكيرا وإدارة، ونطبقها بحذافيرها على أنفسنا، خصوصا إن الإمام علي عليه السلام، حصل على تزكية أنزه الخلق وأشرفهم، رسول الله صلى الله عليه وآله، الذي تمتْ تزكيته بدوره من الله تبارك وتعالى، أليس حري بنا جميعا أن نقتدي بإمامنا علي عليه السلام، ونجعل من ذكرى فاجعة استشهاده منطلقا وبداية لمسيرة مشرِّفة نصحح بها أخطاءنا وسلوكنا وتفكيرنا، وانتهازنا للفرص على حساب من لا حيلة لهم إلا عدالة السماء التي سوف تقتص من الحكام، وأصحاب النفوذ، من الذين لا يقتدون بالإمام علي قلبا وقالبا؟.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2