عرفت الأمة عن علماء الدين دورهم الأساس في حفظ الشريعة، ونشر أحكام الاسلام، والحثّ على الفرائض، ومنها ايضاً؛ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أما الامور المتعلقة بحياة الانسان، من تعليم وصحة وعمل وسكن وغيرها، فان الدولة، او النظام السياسي هو الذي يتكفل بوضع النظم الخاصة لإنجاز هذه الامور من خلال مؤسسات معنية تابعة للدولة، مثل المدارس والجامعات والمراكز الصحية، والبنوك، الى جانب المؤسسة القضائية.

ولاسباب عديدة، بادر ثلّة من علماء الدين في غير بلد اسلامي لإنشاء مؤسسات اجتماعية تسدي الخدمات للناس ضمن الضوابط الشرعية، وتحت إشراف عالم الدين الذي بات يُعرف في البلاد الاسلامية، وتحديداً في المجتمع الشيعي، بـ"مرجع الدين"، فما يتعلق بالنظام الداخلي، وطريقة العمل، بل وحتى المنهج والاهداف، كلها تكون ضمن رؤية هذه المرجعية الدينية؛ فهي مستقلة عن الدولة وعن النظام السياسي؛ مالياً وادارياً.

ولا شك أن للظروف السياسية والاجتماعية مدخلية كبيرة في مدى نجاح هذا النوع من العمل المرجعي، وقد بلغ الأمر حدّاً أن يمثل هذا العمل تحدياً خطيراً في ظل بعض الانظمة السياسية التي ترى في هذا النشاط نوعاً من التنافس او التزاحم على الحكم، مع أن الحقيقة ليست كذلك، وهذا ما خاضه المرجع الديني الامام السيد محمد الشيرازي الذي نستقبل ذكرى وفاته في الثاني من شهر شوال المكرم.

وجاء في مذكراته –طاب ثره- أنه كان يطالب الجهات الرسمية في الدولة العراقية في سني الستينات من القرن الماضي، بالالتفات الى الوضع الخدمي والعمراني في مدينة كربلاء المقدسة، مذكراً بأبسط الامور؛ مثل دورات المياه لغرض الاستفادة من قبل الاعداد الكبيرة من الزائرين في مناسبات عدّة، وايضاً تراكم النفايات في الطرقات والشوارع، فكان الرد؛ التملّص والتسويف، بل إن احد الشخصيات "المسؤولة" اعترف له بالتهميش المقصود من قبل القائمين على النظام السياسي في بغداد بدوافع طائفية واضحة، ويضيف الامام الشيرازي في مذكراته، بأنه بادر الى تعبئة اعداد من المتطوعين لتنظيف المدينة المقدسة، وبعد نجاح التجربة، انتقلت فرق التنظيف الى مدينتي الكاظمية والنجف الأشرف.

البعد القيادي للمؤسسات المرجعية؟

وجود المؤسسات الخدمية والثقافية تمثل أحد أوجه العلاقة الهرمية بين القيادة المرجعية و المجتمع، فمؤسسات من قبيل؛ المدارس، او المستوصفات، او صناديق القرض الحسن، أو المكتبات، او الحسينيات، أو مختلف وسائل الاعلام المختلفة، وحتى مراكز الدراسات والابحاث، تستقي رؤاها وطريقة عملها من وحي هذه القيادة المرجعية، ما من شأنه تشكيل تيار فكري – ثقافي متكامل في المجتمع تكون له بصماته الواضحة في كيان الدولة، وبامكانها التأثير على القرار السياسي، وهذا لا يأتي من فراغ، إنما يستند الى مبدأ الولاية لمرجع الدين كونه امتداد لولاية الأئمة المعصومين، ولولاية رسول الله، صلوات الله عليهم، إنما الفارق في كون هذه الولاية ليست عامة مطلقة، كما للمعصوم، "والضرورة قامت على ولايته في الجملة في أمور الحسبة التي يؤتى بها قربة الى الله تعالى"، كما جاء في موسوعة الفقه؛ المجلد99.

وفي هذه الموسوعة الفقهية الباهرة يبين سماحة الامام الشيرازي المرتبة الثانية للولاية المتعلقة بالفقيه ومرجع الدين، وهي؛ "المرتبة النازلة من تلك الولاية –العامة المطلقة- وما فوق الامور الحسبية، كالولاية على الاجتهاد والحدود والسياسات ونحوها مما كانت بيد النبي، صلى الله عليه وآله، والخلفاء والولاة من قبلهم، وهذه المرتبة وإن كثرت فيها الكلمات واختلفت فيها الاقوال، لكن الاقوى النظر جواز تصدّي الفقيه لها إلا ما خرج بالدليل الخاص، وذلك للروايات المتواترة الدالة على المطلوب"، ويورد سماحته الحديث المتواتر عن الامام الحسن العسكري، عليه السلام، عن دعوته عامة الناس لتقليد الفقهاء ممن كان "صائناً لنفسه حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه...".

ومن خلال هذا التعريف للولاية لدى مرجع الدين، تتضح هوية المؤسسات التي تعمل تحت إشراف المرجعية الدينية، كما تعزز الآثار الايجابية لهذه المؤسسات على العلاقة القائمة بين المرجعية وبين افراد المجتمع، عندما تكون الغاية القصوى صياغة الانسان الصالح، والمجتمع المتماسك والمتقدم.

التفويض الجماهيري وتعزيز العلاقة الهرمية

كما في العلاقة بين المجتمع والدولة، هنالك نوعاً من التفويض للمرجعية الدينية من قبل المجتمع، وعندما يتحقق التفويض تكون قيادة مرجع الدين "رسمية"، كما جاء في تعبير سماحته في الموسوعة الفقهية، "وبعد انطباق شرائط الشريعة عليه"، وهي؛ البلوغ والعقل والايمان والرجولية والحرية، وكونه مجتهداً مطلقاً، والحياة، والأعلمية، وطهارة المولد، ولذا نجد سماحته يؤكد على أهمية أن تبحث الامة عن المرجع الكفوء والمؤهل لهذه المسؤولية، "اذا ارادت النجاح والخير".

وبموازاة حركة مرجع الدين باتجاه المجتمع، فان على المجتمع خطوته المكملة باتجاه مرجع الدين، وتأتي بصورة استجابة وتفاعل مع افكاره وماشاريعه، ونجاح هذه المشاريع يتوقف على درجة التفاعل من لدن المجتمع المسؤول والواعي، وفي كتابه: المرجع والامة، يبين سماحته "مسؤولية الامة تجاه مرجعها، ويعبر عنها بالالتفاف حوله جسماً ومعنى"، فهي تمكنه من أداء رسالته وتنفيذ مشاريعه وبرامجه المختلفة.

بالمقابل فان الجهود المبذولة من مرجع الدين، وما يقدمه من برامج ومشاريع لادارة شؤون الامة، تخلق حالة من التفاعل والانسجام، مع تعزيز لمكانته في النفوس، بما يمهد للدفاع عنه وعن افكاره وأعماله مهما كانت التحديات.

وهكذا كنّا نشهد نماذج من هذه العلاقة النموذجية والناجحة، وباشكال مختلفة بين مراجع الدين ومجتمعاتهم، حيث كان الناس في غير بلد اسلامي يلوذون بالعلماء والفقهاء لحل مشاكلهم والمطالبة بحقوقهم والدفاع عن كرامتهم في مواجهة جور واضطهاد الانظمة السياسية، ونفس هذه العلاقة كانت في مراحل تاريخية عدّة، تمثل عامل ضغط فاعلة على الحكومات في تعديل سياساتها وإعادة النظر فيما تتخذه من اجراءات خاطئة بحق الناس.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0