هل سيأتي يوم ينتهي فيه الصراع بين الأمم وبين بني البشر؟، إن طبيعة الصراع مخلوقة مع خَلْق الإنسان، نعم بالإمكان احتواء الصراع، وتحويله إلى نوع من المنافسة الشريفة، ولكن إذا كان الطرف الأقوى مصرّا على إدامة الصراع كحل أوحد، ما العمل في هذه الحالة، إن الواقع العالمي الذي نعيشه اليوم، يقرّ بوجود صراع بين الغرب والشرق، ويؤكد تسرّب هذا الصراع إلى الأديان، في هذه الحالة ما الذي يتوجَّب على المسلمين فعلهُ وهم يواجهون طرفاً لا يميل إلى المنافسة، وإنما يُشهر القوة كخيار لإخضاعهم له.

الغرب يشهر القوة الاقتصادية والتكنولوجية والعولمة والانغماس والتجسس والثقافة والإعلام بالإضافة إلى القوة العسكرية في صراعه مع المسلمين، فماذا عليهم أن يفعلوا، بالطبع نحنُ كمسلمين لسنا من دعاة الصراع ولا الحروب بكل أنواعها، ونجنح دائما إلى مبدأ المنافسة مع الغرب أو سواه، ولكن في حال تعنّت الغرب وفرض إرادته بالقوة في أشكالها المتنوعة، أليس هذا إرغاماً قهرياً يجب مواجهته لأنه يرفض الحوار العادل، ألم تكن آخر الأدلّة القهرية إعلان ترامب أن الجولان السورية العربية (أرض إسرائيلية)؟

فالآخر يضعنا في مواجهة قسرية لا مجال للتغاضي عنها، وليس بالإمكان احتوائها لأنه الطرف الأقوى، هنا ليس أمامنا سوى المواجهة والحذر وإتقان قواعد اللعبة التي يجب أن نجيدها أكثر من الطرف الآخر حتى نضمن إدامة وجودنا كمسلمين، ولعل من أخطر الثغرات التي يتسلل منها أعداء المسلمين هي سلاح التفرقة فيما بينهم وتشتيت قدراتهم وبثّ الفتن فيما بينهم لإضعافهم، وهذا الأسلوب القديم الجديد ظلّ عنصرا هدّاماً لوحدة المسلمين.

الإمام الراحل، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله)، حذّر المسلمين منذ عشرات السنين من التخطيط الشيطاني الغربي ضدهم، حين قال في كتابه القيّم الموسوم بـ (الطموح في حياة الإنسان والمجتمع):

(إن من أبرز المخططين لتحطيم طموح المسلمين الذين استطاعوا عبر تخطيطهم الشيطاني من توجيه ضربة مهلكة تقضي على طموح الأمة الإسلامية وتبدد آمالها وتؤدي إلى انهزامها نفسياً، وتمزيقها وتشتيتها جسدياً، هو الجاسوس البريطاني المعروف باسم: لورانس العرب).

هذا الأسلوب الخبيث أخذ اتجاهات ومناحٍ أخرى أكثر حداثة ودقة، وإن كان أسلوب التجسس والانغماس لا يزال فاعلا في مدار التخطيط الهادف إلى تمزيق وحدة المسلمين وإشاعة التناحر فيما بينهم، وقتل طموحهم عبر الدسائس والمكيدة لتشتيت وتفتيت أراضيهم وهو ما يجري اليوم في دول عربية عديدة، فالأسلوب القديم الجديد لا يزال قائما وعلينا كمسلمين أن نحذر منه ونتعامل معه بذكاء وحنكة.

يقول الإمام الشيرازي: لقد (استطاع لورانس بتخطيطه الشيطاني الخبيث أن يمرر سائر المخططات الغربية الهادفة لهدم طموح المسلمين وتبديد آمالهم، إنّ دسائسه ومكائده أدت إلى القضاء على طموح الأمة الإسلامية، ثم سرت إلى تمزّيق وحدة المسلمين، وإلى تشتت أراضيهم، وتفريق بلادهم، وأخيراً إلى الضعف الشديد والنقاهة المزمنة، ثم الاحتضار والموت، كما هو واضح اليوم).

كيف وصل الأشرار إلى أهدافهم؟

إن ما حدث للمسلمين من حوادث كالفرقة والتناحر وهدر الفرص والطاقات كلها شهود على أن الغرب تمكن بتخطيطه الخبيث أن يقترب من أهدافه، وفي المقابل لم يتصدَّ المسلمون لتلك المخططات كما يجب، والكارثة أن التاريخ يكرر نفسه ولا تتعظ الحكومات العربية ولا تبدي ما ينبغي أن تقوم به لمواجهة الشر، والسؤال الذي يتكرر دائما كيف وصل هؤلاء إلى مآربهم وأهدافهم، ولماذا لم يفلح المسلمون قادة ونخب في الإحاطة والتصدي والحذر على الرغم من مرور عقود طويلة على حدوث وتكرار تلك المخططات الخفية والمعلنة؟

إنا ساسة الغرب خططوا بعيدا عن القيم الدينية التي تردع الصراع وترفض الظلم، فأفسدوا في الأرض على خلاف ما جاء به الأنبياء، فكانت المصالح الدنيوية ديدنهم ولا تزال، وقد تحققت النتائج المرتجاة من أنشطتهم الشريرة، فماذا علينا كمسلمين أن نفعل، أليس المطلوب معرفة كيف وصل الأعداء إلى أهدافهم، وما هي العوامل التي ساعدتهم على بلوغها، حتى يمكن لنا بعد معرفة تلك العوامل وفهمها أن نضع خطط المواجهة اللازمة التي تحدّ من تلك المخططات الشيطانية أو تقضي عليها؟

يقول الإمام الشيرازي:

(إنهم استطاعوا عبر شيطنتهم ومكرهم أن يفسدوا في الأرض، وأن يعملوا على خلاف عمل الأنبياء وتعاليمهم الخيرة، وأن يصلوا إلى أهدافهم الشريرة. ولكن كيف وصل هؤلاء الأشرار إلى أهدافهم الشريرة؟ وما هي الظروف والعوامل التي ساعدتهم على ذلك؟).

لذلك كان ولا يزال علينا (كلٌ من موقع مسؤوليته) أن نعي تلك العوامل ونفهم أساليب الغرب وأهدافه وأدواته، حتى نضع ما يلزم من أساليب المواجهة، خصوصا التسلل والانغماس والتجسس، ومن ثم صناعة أسباب التفرقة بين المسلمين حتى يصبحوا صيدا سهلا لأعدائهم، وهو ما ينمّ عنه واقع المسلمين اليوم بما تشير إليه الواقع والحقائق التي لا يمكن نكرانها أو تكذبيها.

يقول الإمام الشيرازي حول هذه النقطة:

(إنّ الإطلاع على مؤامرات الأعداء، ومخططاتهم الشيطانية الخبيثة، ومطالعة حياة أمثال هؤلاء المندسّين بين المسلمين، والوقوف على نواياهم الاستعمارية السوداء، للحذر منهم، والنجاة من مخططاتهم ضروري جداً).

يجب أن يكون المسلمون جسداً واحداً

هناك سبل وطرائق واستعدادات كان على الدول الإسلامية انتهاجها والتخطيط لها وتطبيقها، بعيدا عن العجز والخمول والكسل، مع أهمية تطبيق منهج القرآن، والإفادة من السيرة النبوية المشرفة، وجعلها النموذج الأرقى في المواجهة والإدارة السليمة والإصرار، فضلا عما جاء به أئمة أهل البيت عليهم السلام، وما تحلّوا به من حنكة ومبادئ خلاقة حافظت على كرامة المسلمين وعزتهم وضمنت لهم السعادة إبان تطبيق المنهج القرآني والنبوي، فكان المسلمون في الصدارة والسؤدد حيث المكانة التي تليق بهم.

يقول الإمام الشيرازي في هذا الأمر:

(إن الأسباب الرئيسية لكل ذلك يعود إلى فقد المسلمين طموحهم وتقاعسهم عن تحقيق الأهداف التي نادى بها القرآن الحكيم، وجاء بها النبي الكريم وأهل بيته الأطهار، والذي في تطبيقها عزّة المسلمين وسعادتهم، وسؤددهم وسيادتهم).

لذلك يرى الإمام الشيرازي أنّ الحل الأنجع يكمن في وحدة المسلمين، للخلاص من تشتتهم وضعفهم وتمزقهم وتناحرهم، وإمكانية مواجهة التخطيط الشيطاني الخبيث بقوة وذكاء وعلمية وإرادة لا تكلّ ولا تُثبَط، ويشبّه الأمة ويتمناها أن تكون كالجسد الواحد الذي لا يتخلّى كلَهُ عن جزئه ولا جزئه عن كله، وهذا هو أمر إلهي كان على المسلمين أن يلتزموا به كي ينجحوا في مواجهة المتربصين بهم والعامدين على تفريقهم، فإن أرادوا العودة إلى المكانة اللائقة بهم، عليهم بالطموح ونبذ العجز والتقاعس، ومنع التغلغل في صفوفهم عن طريق الانغماس أو التجسس أو سواه من الأساليب على غرار لورنس العرب وغيره، ممن هيّأهم الغرب كي يكونوا أدوات لتخريب الوحدة الإسلامية وإضعاف المسلمين وصنع سلسلة من المشاكل التي لا أو لها ولا آخر تشغلهم عن رد كيد الغرب وإيقافه عند حدّه، لاسيما أننا اليوم نعاني من تصدّع هائل في وحدة النسيج الإسلامي.

(إذا كان المسلمون كالجسد الواحد وكما أمرهم الله به: من كونهم أمة واحدة، وبلدة واحدة، وإخوة في الله، هل كان يصل مثل هؤلاء الطامعين إلى مآربهم؟ وهل كانت تلك القوى الاستعمارية ومنفذو مخططاتها الشيطانية، قادرين على التحكمّ بمصير المسلمين، والتلاعب بمقدراتهم وزجّهم في خلافات ومشاكل فيما بينهم؟!).

وما نخلص إليه مما جاء في أعلاه، أن قادة المسلمين السياسيين وغيرهم، ليس أمامهم سوى التأمل العميق والجاد فيما أورده الإمام الشيرازي من تحليلات، وما قدّمهُ من حلول يمكن في حال تطبيقها أن يعود المسلمون إلى الصدارة من بين الأمم بعد وقف ألاعيب الأعداء وكشف تخطيطهم الشيطاني وإحباطه.

انقر لاضافة تعليق
قاسم عبد الشجيري
العراق
لا يمكن أن يأتي يوم يتنازل فيه الغرب عن مكاسبه وامتيازاته بوصفه حامل بيرق الحضارة اليوم.. وطالما يرى في الاسلام مصدر تهديد لحضارته، فإنه يبقى يستهدف وحدة المسلمين ضماناً لتفوقه العالمي.. المسلمون من جهتهم لم يخوضوا هذه المواجهة بطريقة موحدة ومدروسة، وحدها الوحدة الاسلامية الحقيقية ترفع من كفّة الاسلام وتعيده إلى سابق مكانته عالميا..2019-03-25
الكاتب الأديب جمال بركات
مصر
احبائي
نعم كما أشار سماحة الإمام الحل هو وحدة المسلمين
الغرب الإستعماري سابقا والشيطاني يعمل على اضعافهم اجمعين
الله سبحانه وتعالى منحهم سعة من الرزق وقوة مستمدة من الدين
ولو اخلصوا لربهم ولانفسهم لحققوا كل احلامهم وانتصروا عن يقين
اللهم ياهادي وحد صفوف العرب والمسلمين...اللهم آمين يارب العالمين
احبائي
دعوة محبة
ادعو سيادتكم الى حسن الحديث وآدابه....واحترام بعضنا البعض
ونشر ثقافة الحب والخير والجمال والتسامح والعطاء بيننا في الارض
جمال بركات...مركز ثقافة الالفية الثالثة2019-03-25

مواضيع ذات صلة

1