إسلاميات - الإمام الشيرازي

مقومات الإصلاح وبعدها النهضوي

رؤى من أفكار الإمام الشيرازي

بلغ عالمنا اليوم مرحلة كبيرة من التداخل والتعقيد والتسارع، وهي سمات تطبع العصر وتتطلب مجاراة من المسلمين كونهم يشكلون نسبة عالية من سكان الأرض، ومصالحهم المختلفة تتداخل مع الأمم الأخرى، وهذا يوجب أن نتفهم حيثيات العالم ومجريات الأمور كافة، وبعد الاستقراء والفهم سنكون مطالبين بمواكبة ما يستجد في ساحات وحقول السياسة والاقتصاد والتعليم والصحة وسواها، لأننا لسنا معزولين عن العالم بل نعيش في عمقه، ولنا تاريخ يؤكد فاعلية المسلمين في الحقب المختلفة يضع علينا مهام المواكبة وعدم التخلي عن المواقع المتقدمة التي كنا نحتلها في السياسة والعلوم كافة.

هنالك مشكلات يعاني منها العالم الإسلامي تستدعي البدء بعملية إصلاحية واسعة تقوم على مقومات ذات طابع علمي وجاد من حيث التخطيط والتنفيذ، فما يعانيه المسلمون وخصوصا حكوماتهم في الدول الإسلامية واضح للعيان لكنه ممتلئ بأسباب التلكّؤ والتراجع عن مراتب الصدارة التي اعتلتها اليوم الحضارة الغربية، أما في حال قرر المسلمون قادة وساسة وغيرهم العودة إلى المرتبة العليا التي احتلها المسلمون عبر التاريخ، فهذا يتطلب وضع المقومات التي تستطيع أن تلبي هذا المطلب الذي يعيد المسلمين إلى مكانتهم التاريخية المشهود لها.

يقول الإمام الراحل، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله) في كتابه القيّم الموسوم بـ (الطموح في حياة الإنسان والمجتمع): (ينبغي للمؤمنين الطموحين من أجل القيام والنهوض للصلاح والإصلاح، أن يوفروا في أنفسهم مجموعة أمور مهمة، أولها الوعي الذي يعد من أهم مقومات الإصلاح).

هذا الوعي الذي يطالب به الإمام الشيرازي لا ينحصر بالفرد وأهمية تطويره لأفكاره ومواهبه ومساعيه النازعة إلى التقدم، بل يطالب الجماعة أيضا بنفس هذه المقومات التي لا تنحصر حدودها بالفرد، بل تمضي قُدما نحو الجماعة، ولا تتحدد في نوع معين من أنواع الوعي، فالسياسي مطالب بالتسلح بالوعي والاقتصادي والاجتماعي، والكل مطالبون بهذا النوع من الوعي، باعتباره المستند الأول والأهم الذي يستطيع الإنسان والجماعة أن تستند إليه في مواجهة الخوض في عالم اليوم ومتطلباته.

وتكمن أهمية تطوير الوعي في الحقول كافة إلى الدرجة المطلوبة، في كونه الوسيلة الأهم التي تمنع الإنسان معرفة المآرب المختلفة التي تحيط به وتستهدفه، فالوعي يمنح الإنسان فهما دقيقا لما يهدف إليه الآخر، فإذا كان المُراد يتعارض مع المصلحة الفردية والجمعية (مصلحة الفرد والأمة)، فإن الرفض والمقارعة والاستعداد ستكون حاضرة لدى الجميع، وهذا يعني تفويت الفرصة على كل من يضمر السوء لنا، لذلك ليس هناك مجال للتفريط بالوعي الذي يجعل المسلمين في حالة استعداد تام لمواجهة من يسعى لإخضاعهم أو نصب المكائد لهم.

يقول الإمام الشيرازي في هذا الخصوص: (لابد من إيجاد الوعي السياسي والاقتصادي والاجتماعي، واليقظة الفردية والجماعية، بين الأمة بكاملها، وذلك بقدر الكفاية، فإن الإنسان الواعي اليقظ لا يقبل الخضوع ولا تنطلي عليه المكائد).

التنظيم وحصد النتائج المرسومة

تبقى مواكبة ما يجري في العالم قضية غاية في التشعّب والتنوّع والتداخل في المآرب والأهداف والخطط، لذلك فالأمة أو المجتمع الذي يبتغي إصلاح نفسه، عليه أن يتوخى التنظيم ويجعله مرافقا لكل الخطوات النظرية والفعلية التي يخطوها، لأن مصادر القوة بكل روافدها تكمن في التنظيم، فمن لا يمتلك التنظيم لا يمكن أن يمتلك القوة التي تذهب به إلى أهدافه بأقل الخسائر والجهود وبأسرع وأدق الطرق، أما العبثية أو الارتجالية فإنه لا تفضي بالفرد أو الجماعة إلى ما تتوخاه من أهداف.

لهذا فالمسلمون مطالبون بتنظيم قدراتهم وتوحيد صفوفهم، ذلك أن الأعداء الذين لا يريدون الخير لهم كثر ويمتلكون وسائل الأذى المنظمة بشكل جيد، ومواجهتها لا يمكن أن تتم من دون التنظيم الجيد والدقيق للمزايا التي يمتلكها المسلمون، وكلما نجحوا في تنظيم طاقاتهم ومواهبهم وجهودهم كانوا أقرب إلى تحقيق مطامحهم ويصح العكس تماما، فضياع الطاقات والجهود يكمن في عدمية التنظيم.

يقول الإمام الشيرازي حول هذا الجانب: (من مقومات الإصلاح التنظيم الدقيق، فهو من أهم وسائل القوة، فقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: سوّوا صفوفكم، وحاذوا بين مناكبكم، ولا تخالفوا بينها فتختلفوا، ويتخللكم الشيطان تخلل أولاد الحذف).

وهنالك مقوّم آخر بالغ الأهمية، يمكنه أن يجعل من الجهود الإصلاحية فاعلية وتسير في الاتجاه السليم، فالعدو مهما كانت قوته أو طبيعته سوف يسعى إى إضعاف الأمة من خلال تعطيل قدراتها الإنتاجية في جميع المجالات، حتى يجعلها في حاجة دائمة له أو لغيره، فمثلا الحاجة إلى الطعام تعني الحاجة إلى إدامة الحياة، وتعويق الزراعة مثلا أو الصناعة تجعل المجتمع يحتاج إلى سواه من أجل توفير ما يسد الرمق، لذلك يؤكد الإمام الشيرازي على ركيزة الاكتفاء الذاتي في حالة الطموح إلى تحقيق الإصلاح.

كما يؤكد الإمام الشيرازي في قوله: (من مقومات الإصلاح: العمل من أجل الاكتفاء الذاتي في كل المجالات، اقتصاداً، وسياسةً، وزراعةً، وصناعةً، وغير ذلك).

الأمل الصادق بالإصلاح

إن الأمل المدعوم بالعمل يعد من الأركان المهمة لإدامة السعي الصحيح نحو الإصلاح، خصوصا إذا كان مسندا بالطموح، فإذا التقى الأمل بالطموح هذا يعني سعيا حثيثا متواصلا لا يمكن أن ينال منه الكلل، لذلك على الطامح أن يتحلى بقوة الروح التي تأمل بالأفضل وتسعى إليه بلا تردد، ذلك أن الإصلاح لن يكون قيد التحقق لمن يصبح محاصرا أو مطوقا باليأس والتشاؤم، بل على العكس فعلى كل إنسان طموح أن يصنع الأمل الرصين ويجعل منه منهلا ومعينا للنشاط الدؤوب نحو تحقيق الخطوات المتوازنة للإصلاح.

لذلك وضع الإمام الشيرازي هذين الركنين الطموح والأمل في المرتبة الأولى من مقومات الإصلاح، ويمكننا أن نتخيل ماذا سيحدث لمن يروم الإصلاح وهو محاط بجحافل اليأس، أو أنه خالٍ من إشعاع الطموح، إن هذا يعني موت الإرادة وانطفاء الروح وانهزام العزيمة، وبالتالي توقف السعي نحو الإصلاح بسبب اليأس وغياب الطموح، هذه هي الأهمية الكبيرة التي يمكن أن يقدمها الأمل والطموح لمن يروم تحقيق الإصلاح في الأمة وفي الأفراد والذات معاً.

يقول الإمام الشيرازي: (من مقومات الإصلاح: الطموح الكبير، والأمل الصادق بالصلاح والإصلاح، فإن الطموح والأمل يحلان المحل الأول من مقومات الإصلاح؛ ولذلك ينبغي لنا قبل هذه الأمور الثلاثة، أن نطمح إلى تغيير الواقع المأساوي الذي نعيشه).

يتضح لنا في هذه النقطة بالذات تلك الأهمية الكبرى التي يلقيها الإمام الشيرازي على عامليّ الطموح والأمل، وإمكانية قيادة الأمة جماعات وأفرادا نحو تحقيق العنصر الأهم لتصدّر العالم كنموذج قيادي ينظر إليه الجميع باعتزاز وإعجاب، ويؤكد مرارا وتكرارا أهمية أن تكون الأمة طموحة وأفرادها يتميزون بالطموح، يدعمهم الأمل الفعلي الحقيقي وليس الأمل الذي يستند إلى الفراغ، فالأمنيات والآمال الفارغة تدمر الإنسان وتنسف جهوده بالإصلاح، لأن الأخير ليس كلمة تُقال ولا هي مفردة تلوكها الألسن من أجمل الاستهلاك السياسي المحلي، إن الإصلاح فعل كبير تجسده الأفعال المدعومة بالطموح، والتي تقود الأمة نحو الصدارة دائما من بين أمم العالم.

يقول الإمام الشيرازي: (لولا الطموح والأمل في التغيير لن يمكننا أن نفعل شيئاً، كما ينبغي لنا أن نستعيد طموحنا وأملنا، ونواصل نشاطناً وعملنا).

وكل ما تقدّم يعني فيما يعنيه، أن المسلمين يحتاجون إلى الطموح بقوة لتغيير واقعهم وإصلاح حياتهم، هذا الطموح ينبغي أن يدعمه الوعي والتنظيم والتفكير المتجدد في كيفية بلوغ الدرجة الأعلى من الإصلاح والتي ستكون بمثابة تأشيرة الدخول إلى التفوق المنشود.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0