إسلاميات - الإمام الشيرازي

الحسين (ع) ودوره في قيادة المجتمع الإنساني

رؤى من أفكار الإمام الشيرازي

لكل شخصية عظيمة تضحياتها ومواقفها التي ترتفع بها إلى مصاف العظماء الذين تركوا آثارهم على البشرية، وجعلوا من الحياة أكثر وضوحا ويسراً، وعندما يصبح العظيم عظيما باستحقاق، فلابد أن تكون هناك شواهد فكرية مبدئية وعملية تقدم لمنجزاته التي خدم فيها الإنسانية، ويمكن أن تكون هذه الشواهد شهادات من أفذاذ عباقرة، أو على شكل جوائز، فما بالك عندما يشير القرآن الكريم إلى عظيم من عظماء أمتنا، وماذا لو كان من يشهد بعظمته الأنبياء وخاتمهم الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

هنا نكتب عن شخصية الإمام الحسين عليه السلام، سيد الشهداء وثائر الإسلام الذي زعزع أركان الطغاة، وأطاح بركائز الظلم وبمن استخف بالإسلام ومبادئه، وحرفه عن مساره المحمدي، ذلك ما فعله يزيد الذي انشغل بشيئين في حياته، الشيء الأول اللهو ومعاقرة الشهوات والفجور، والثاني إرهاب قلوب المؤمنين ونشر سياسة التخويف والابتزاز، وإقامة الحد على كل من يتصدى لظلمه ويرفض مبايعته بسبب رعونته وخاء شخصيته واستهتاره بقيم الإسلام وقيمة الإنسان.

الحسين العظيم ليس كسائر الناس، إنه إمام معصوم، وهذه المكانة تمنحه درجة لا يرتقي إليها إلا أحباب الله والمقربين للذات الإلهية، فالمكانة والمقام التكويني والتشريعي تمنح الإمام الحسين قدرة قاطعة على هزيمة يزيد ومن يحيط به ويعمل بأوامره الرعناء.

الإمام الراحل، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله)، يقول في كتابه القيّم الموسوم بـ (قبس من الإمام الحسين ع):

(إذا أردنا أن نتعرف قليلاً على الشخصية العظيمة للإمام الحسين عليه السلام، فإنه ينبغي أن نقرأ بعض الأحاديث التي تبين مكانة الإمام المعصوم عند الله عز وجل ومقامه التكويني والتشريعي).

ويُضاف إلى ذلك تلك الأحاديث الشريفة التي جاءت على ألسنة أئمة أهل البيت عليهم السلام، والتي حسمت مكانة الإمام، ودرجات المعرفة التي يحوز عليها، حيث تحيّرت العقول بها والألباب والعيون، ووقف البلغاء مبهورين أمام حقول المعرفة اللانهائية للإمام، عاجزين عن وصف فضائله.

هذا ما ورد في كتاب الإمام الشيرازي إذ يقول:

(جاء عن الإمام الرضا عليه السلام أنه قال: من ذا الذي يبلغ معرفة الإمام، أو يمكنه اختياره؟! هيهات هيهات! ضلّت العقول، وتاهت الحلوم، وحارت الألباب، وخسئت العيون، وتصاغرت العظماء، وتحيرت الحكماء.. وعييت البلغاء عن وصف شأن من شأنه أو فضيلة من فضائله وأقرت بالعجز والتقصير).

الحسين وتوجيه البوصلة الإنسانية

إن المتتبع للفكر الحسيني والمبادئ التي أظهرها للوجود وبشّر بها ودعا إليها، سوف يكتشف فرادة ذلك الفكر، وقدرته على التأثير في توجيه البوصلة الإنسانية نحو السبل الدقيقة لنشر العدالة بين سكان الأرض، وتقليص الفجوات والفوارق الطبقية، وإنهاء المجاعات التي تعصف بملايين البشر، وإطفاء بؤر التطرف التي اجتاحت العالم المعاصر، فما دعا إليه الإمام عليه السلام كفيل بتعزيز النهج الإنساني في التعامل الدولي لإنهاء الاضطراب الذي يعصف بالبشرية كلها.

لذلك فإن من يدخل في رحاب الفكر الحسيني، ويستوعبه ويفهم مراميه سوف يدخل مملكة السعادة من أوسع أبوابها، ولا يقف الأمر عند ها الحد، فالدار الأخرى سوف تبقى مآلا ناجزا لمن يرقى إلى تطبيق والتزام المبادئ التي أفرزتها الثورة العاشورائية، فالمأمول من المسلمين والبشرية أن تلتهم الفكر الحسيني التهاما وتتشبع به وتهضمه وهذا ما سيجعل كوكبنا أكثر هدوءا وعدلا وإنسانية، وكل هذا كان ولا يزال ثمنه الدم الطاهر للإمام الحسين عليه السلام.

يقول الإمام الشيرازي في المصدر نفسه:

(من خلال الأحاديث الشريفة، يمكن أن نعرف بعض مكانة الإمام الحسين عليه السلام، وقربه من الله عز وجل ودوره في قيادة المجتمع الإنساني وهدايته، فإذا أردنا أن نحلّ بساحة الرحمة الإلهية، ونحصل على السعادة الدنيوية والأخروية، فلابد أن نتبع خطى الإمام الحسين عليه السلام، ونسير على طريقه الذي رسمه للأجيال بدمه الشريف).

واستنادا إلى كل ما ورد في أعلاه، تميّز الإمام الحسين عليه السلام حتى في درجة الشهادة التي حصل عليها والمرتبة التي حازها باستحقاق تام، وهذه المكانة لم يحصل عليها الإمام لأنه إمام معصوم، ولا لكونه ذا قرابة بخاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وآله، على الرغم من أنها تميزه عن جميع البشر، ومع ذلك فإن الأسباب التي ارتقت بمكانته وقيمته عند الله تعالى، عظمة شخصيته وتضحياته الكبيرة وعمق وشمولية أهدافه على المستوى الإنساني الجمعي.

وهذا ما يؤكد عليه الإمام الشيرازي في قوله:

(لقد امتاز الإمام الحسين عليه السلام عن سائر الشهداء والثائرين بخصائص تفوق كل الشهداء، فأصبح سيد الشهداء من الأولين والآخرين، وهذا لا باعتباره إماماً معصوماً فقط، ولا لأنه سبط رسول الله صلى الله عليه وآله وريحانته من الدنيا فحسب، بل لجلالة الأهداف التي فجّر ثورته من أجلها، وعظمة التضحية التي قدّمها).

الحسين حيّ وسيبقى حيّاً

ما الذي يمكن أن يخلّد كائناً ما، وماذا يمكن أن يجعل إنساناً عاش أو يعيش عالمنا هذا متميزا عن سواه بمكانته وعظمته؟، إنها المواقف والأفكار العظيمة التي يخلّفها بعده، أما إذا اقترنت بالتضحيات التي تصل حد الإيثار والتضحية بأغلى ما يملكه الإنسان، الروح، النفس، الدم، الأهل، الصحب، فهذه دلائل حاسمة على استحقاق الوسام الأعلى والأميز للشهادة، وهذا ما ناله الإمام الحسين (ع) بالفعل، وهو أيضا ما جعله حيّا في الضمائر ما بقيت الحياة قائمة، وهذا هو وعد الله الذي أورده في كتابه الحكيم.

حتى جدّه رسول الله محمد (ص) رأى في قتله (حرارة) لن تنطفئ، ويبقى أوارها متأججا إلى الأبد، وتبقى عظمة الموقف مجسَّدة فيما طرحته المبادئ الحسينية من أهداف ومآثر ودروس وقيم، لو أقدم الإنسان المسلم وغيره على تطبيقها لأصبحت السعادة والعدالة والسلام عنونا أبديا لعالمنا، ولأصبحت المعمورة مكانا مثاليا للمساواة والتناغم والانسجام البشري إلى الأبد.

ومما جعل لمكانة الإمام الحسين موقع الصدارة، تلك الكرامات التي أغدقها الله على أئمة أهل البيت، فصار الغمام الحسين شفيعا للناس، والأئمة عليهم السلام شفعاء، ينقذون الإنسان من متاهة الدنيا وأدرانها، هذه الكرامات لا يزال محبو الإمام الحسين عليه السلام يرفلون بها، ويستأزرونها كمفاصل قوة على رداءة الحياة، وكيف لا، فكل من يتمسك بالحسين (ع) ومنهجه وفكره ومبادئه، سيجد نفسه في منأى عن المتاهة، وسيجد ملاذه الدائم الذي ينجيه من الزلل، وسيجد سفينة النجاة بانتظاره كي تعصمه من الخطايا والذنوب، كل هذا يتأتى من مكانة سيد الشهداء عند الله تعالى، فهو رحمة للناس أجمعين ودليلا أبديّا لهم كي يعيشوا حياتهم بانسجام وسلام، ويحجزون لهم مكانا لائقا في الدار الأخرى، شريطة الالتزام قولا وتطبيقا بما طرحه الحسين (ع) في ثورته العملاقة.

لذلك يقول الإمام الشيرازي:

(إن الإمام الحسين عليه السلام حيّ وسيبقى حياً كما وَعَد الله بذلك في كتابه الكريم، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: «إن لقتل الحسين حرارة في قلوب المؤمنين لا تبرد أبداً»، وقد ذكرنا أن من مصاديق حياتهم هو استمرارية كراماتهم ومعاجزهم والتي يمكن للإنسان أن يدرك من خلالها عظمة أهل البيت عليهم السلام وعظمة سيد الشهداء ومقام الشهادة).

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0